الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 88الرجوع إلى "الرسالة"

ادوارد هرتمان

Share

وجد     (شوبنهاور)   في     (هارتمان)   تلميذاً أميناً لتعاليمه،  وإن اختلف مزاجهما بعض الاختلاف، فوجه     (شوبنهاور)    جامد عابس، نافر التقاطيع، تكاد تبرز من وجهه كل علائم  التشاؤم متكلمة منتقمة، ووجه     (هارتمان)   هادئ تطفو  عليه من التشاؤم سحابة رقيقة لا غليظة، فهو متشائم مقبول  لا يضيق به الناس، ولا يضيق بالناس، ولعل تعريجه الكثير  على نوادي النساء مما رقق حسه، ولطف شعوره، ومثل له الحياة  العابسة تبسم له من وراء هذه الوجوه الناعمة، والثغور الباسمة

مال في بدء نشأته إلى العلوم الطبيعية، وبعد تقلب طويل  دخل في مدرسة   (السلاح)  في برلين، ثم وجد أن هذه الصناعة  لم تكن لتلائم مزاجه ولا صحته فهجرها، وهو في إحدى رسالاته  يقص علينا أن سبب تشاؤمه لا يرجع إلى ضعف في صحته أو  اعتلال في مزاجه، بل يرى أن روحه في الحقيقة روح تفاؤل  ورضا، ولكن زوجه كانت تطفو عليها سحابة من التشاؤم  والكآبة الخرساء، والعناد في الرأي الذي تذهب إليه

كان   (هارتمان)  في الثانية والعشرين من عمره حين أخذ  يكتب كتابه   (فلسفة اللاشعور) la Philosophie de l'inconscient.   ولبث في تصنيفه خمس سنين. ما هو هذا اللاشعور؟ إنه  الإرادة عند شوبنهاور تظهر كمادة شاملة عامة، أو هي ذات  فكرة   (هيجل)  بعد خروجها من - مصنع شوبنهاور - مُهمة  مغمضة لا تُدرك. ولا يرى القارئ في هذا الكتاب مذهباً  جديداً لأنه تغير للمذاهب المتقدمة، ولا بحثاً ناضجاً لأنه عصارة  شباب متوقد روحاً وعاطفة. وإنما هو شعلة أضرمتها فتوة  تنطوي على علم غزير، فتهوى نفسك أن تتبع آثار المؤلف في  ما يعطيك ويلهمك، ولا سيما في تحدثه عن   (اللاشعور)  في  مقامات العقل الإنساني وحالاته النفسية، وفي غرائز الحيوان،  في اللغات ومسائل الدين، وفي كل حنايا التاريخ وما احتواه،  حتى يأتيك بالصورة الأخيرة التي يرى فيها الإنسانية وقد بلغت  نهايتها متبعة من إرادتها، ومن تفكيرها، ومن حياتها،  وهي تواقة مشتاقة إلى العدم؛ حيث كانت ثم انتشلت منه بغير

إرادتها. وهذه صورة فيها شيء من السمو الشعري بشرط أن  يتلقاها الناظر كحلم خالص قذفت به مخيلة خالية. . .

وقد أحدث كتابه هذا دوياً بعيداً في العالم الفلسفي والعالم  الأدبي، لا لأنه زاد - في ألمانيا - أنصار الفكرة التشاؤمية،  بل لأن هارتمان وشوينهاور كانا أول من صرفا الذهن الألماني  إلى مواجهة المسائل الفكرة بالفكر، وأعادا وصل الحلقتين  اللتين قطع بينهما مذهب المثل الأعلى الذي سيطر على العقل  الألماني طيلة عصر طويل

إن في كل ألماني مثقف نزعة خاصة به تتمشى في ثنايا روحه،  تريد أن تتحرك وأن تنمو بذاتها؛ ترى الفرنسي يجنح إلى  الفلسفة لتساعده على تفهم الحياة، وبعبارة أجلى لتعلمه كيف  يعيش! الألماني - على الأغلب يرى فلسفته حلماً، ولكنه يعتقد أنه سيستيقظ من حلمه هذا ، وأنه إذا أراد أن يعمل ، فعليه  أن يفتح عينه. . . وكل ألماني يتردد في حلمه أو يقظته - الى  المدينة الكاملة - التي تحدث عنها شوبنهاور، المدينة المشيدة  على ذرى الغمام، لأن الألماني واسع الحلم خصب الخيال، وهناك  يُغادر تصوفه الغريزي المبهم، ويؤوب من تلك المدينة إلى الحياة  الحقيقية، وهو أشد حماسة وأكثر تأهباً للمعركة التي يشنها في  سبيل الحياة

على أن هذا المذهب،   (مذهب التشاؤم)  قد لقي خصوماً  ألداء ممن قارعوه الحجة بالحجة، ونازلوه نزالاً عنيفاً؛ وحق للفلسفة  كلها أن تجمع أحزابها وشيعها على محاربة   (مبدأ خطر)  إذا  فشا هدم كل أمل في البشرية، وقضي على كل جهادها الطويل.  وقد انضوى   (الماديون)  تحت لواء المعارضة، وكان أشهرهم    (أوجين دوهريك)  الذي وصل إلى هذه الفكرة السامية:  (بأن الحياة بمجموعها جميلة، في أفراحها وفي أتراحها، على أن  نتناولها كما هي بعُجرها وبجرها، لا نحاول تغيير سنتها، ولا تبديل  طبيعتها، ولا نطلب إليها أن تمنحنا مالا تقدر على منحه، لأنها  سائرة إلى غايتها التي لا تبالي بغايتنا، وأن في تمردنا على نُظمها  شقاءنا، وفي رضانا عن مذهبها نعيمنا

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية