الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 211 الرجوع إلى "الثقافة"

اربع صفحات متتابعات، من سيرة رسول الله

Share

-1-

هذا يوم العشرين من رمضان سنة سبع من الهجرة ، وقد أخذت مكة صولة الحيش الإسلامي ، ودهنها جند التوحيد من أعلاها وأسفلها خالد بن الوليد قائد الميمنية يدخل من اللبط اسفل مكه يقود جموعا من غفار واسلم ومزيتة وغيرها ، والزبير بن العوام قائد الميسرة يدخل من كدي اعلي مكه ، وأبو عبيدة بن الجراح في صف من المسلمين يدخل من أذخر بين يدي رسول الله .

وقريش وألفافها حائرة ، منها من يعد للقتال ومنها من يدعو إلي السلم ، ومنهم من ترددت به الفجاءة بين القتال والاستسلام ، فناوش قليلا ثم سكن .

ورسول الله علي راحلته مطأطأ رأسه كأنه ساجد علي الرحل تواضعا وشكرا . قد غض بصره عن هذا الجيش الكثيف ، وهذا الجند المطيع ، وهذه السطوة المحيطة ليفتحه على الحق الذي يدعو إليه ، والعدل الذي يقوم به ، والسلام الذي يبغيه ، والألفة التي يريدها

هذه هي القرية التي أخرجت الرسول وصحبه قبل ثماني سنين ، التي هاجر منها رسول الله وصاحبه يلوذان بالغار ليختفيا عن الأبصار ، القرية التي ابت على المسلمين الإقامة فيها والخروج منها ، القرية الى آذت محمدا في دينه لنفسه وصحبه عشر سنين ؛ ثم اتبعته العداوة والحرب حينما كان ؛ وهذه قريش التي سخرت بمحمد ودينه ، وآذت اصحابة وعذبت المستضعفين منهم ، والجأتهم أن يهاجروا إلي الحبشة ثم إلي يثرب ، ثم حاربتهم في بدر وأحد ، والبت عليهم القبائل في غزوة الأحزاب ، فأحاطت بالمدينة تبغي استئصال

المسلمين ، ثم ردت المسلمين عن دخول مكة معتمرين عام الحديبية

ليس في هذه البقعة جبل ولا شعب ولا واد ولا طريق إلا شهد بطش الباطل الكثير بالحق القليل ، والشرك العالي بالتوحيد الناشئ ، واستهزاء الجهلة الجفاة بالحكماء البررة ، وضوضاء اللغو تطغي علي ترتيل القرآن ، واصوات السخرية تحيط بتكبير الصلاة

واليوم قد أخذت سورة الحق تهاويل الباطل ، وزلزل الجبابرة لسطوة المستضعفين ، وخرت الأصنام بكلمة التوحيد ، إنه ليوم جزاء وانتقام وقصاص لمن يريد ، وقد قال سعد بن عباده راية من رايات المسلمين داخلا إلي مكه اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة "

كلا كلا ! إن محمدا لا ينتقم لنفسه ، ولا يقتص لأصحابه ولكنه رسول توحيد ، وداعية ألفة وسلام ، فقد لقى  الجهل بالحلم ، والذنب بالعفو . والإساءة بالإحسان والبغضاء بالمودة .

رسول الله قائم بباب الكعبة يخطب ليعلم هذه الجاهلية شرائع الدين ومكارم الأخلاق ، ويحطم في نفوسها أصنام الجهل والهوي والعصبية ، كما انزل عن الكعبة هذه الأصنام المحطمة الذليلة ؟ يقول :

" يا معشر قريش ، إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم ، وأدم خلق من تراب ؟

ويقول : يا معشر قريش ، ويا أهل مكة ؟ ما ترون أني فاعل بكم ؟ فيقولون : خيرا . أخ كريم وابن أخ كريم ) فيقول : اذهبوا فأنتم الطلقاء .

-2-

قبائل هوازن وثقيف ترتاع لفتح مكة ، ويخشى أن يمتد إليها سلطان الإسلام ، فتخرج بقضها وقضيضها عامدة لحرب الرسول ، وتجتمع بوادي حنين بين مكة والطائف وتأتي الأنباء رسول الله فيخرج من مكة بعد دخولها بخمسة

عشر يوما ، ويسير المسلمون للقاء العدو قبل أن يحيط بهم عشرة آلاف أتوا مع الرسول إلي مكة والفان من أهل مكة ، يسيرون للقاء هوازن وثقيف ! ها هو ذا وادي حنين تنحط إليه الجيوش في الغلس معتدة بكثرتها معتزة بقوتها ، والعدو كامن في أحناء الوادي ، واحشاء الظلام . يفجأ هذا الحشد العظيم فيضطرب ويموج بعضه في بعض ، ويأخذ التيار من أراد الهزيمة ومن لم يردها وظن الذين لا يعرفون ثبات الإيمان حين يطغي به الكفر ، وجلد اليقين حين يحيط به" الشك ، وعزة الحق حين يثور به الباطل ، ظن هؤلاء انها هزيمة طوت فتح مكة وما قبل فتح مكة من جهاد المسلمين ؛ وحسبوها حروبا تأكل حروبا ، وغفلوا عما وراء الحروب من عقائد واخلاق .

زلزل المسلمون زلزالا شديدا ولكن القطب لم يزل من مكانه . ثبت رسول الله ونادي العباس اصحاب بيعة الرضوان فانثالوا إليه بين الجموع كما ينساب الماء القليل بين الصخور والرصف .

وخلق ثبات الإيمان واليقين والحق من هذا التفرق اجتماعا ، ومن هذا الاضطراب قرارا ، ومن هذا الفر كرا فأخرج من هذه الهزيمة نصرا مؤذرا .

لم يرع رسول الله هذا الفزع ، ولم تأخذه هذه الظواهر المائجة ، ولكن ثبت ثبات الإيمان ، ورسخ رسوخ الحق . وكان في المازق الشديد يوم حنين كما كان في الموكب العظيم يوم الفتح ، واثقا بالله متوكلا عليه ، تجيش النفوس وهو مطمئن ، وتموج الجموع وهو ساكن يوقره عظمة لايهزها نصر ولا هزيمة ، ويقين لا يغيره أمن ولا فزع ، ووقار لا تستفزه رغبة ولا رهبة

-3-

واجتمع المسلمون بالجعرانة ، ماء بين الطائف ومكة ، ومعهم من سي هوازن وإبلها وشائها الوف كثيرة .

وجاء وفد هوازن يسأل الرسول الكريم ، ان يرد عليهم

أولادهم ونساءهم . وقال رجل من بني سعد ، قوم حليمة مرضعة الرسول " يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك "

ولو شاء الرسول لجزي هوازن بما صنعوا ؟ وإنهم لأهل للجزاء ، ولكنه لقي جهلهم بحلمه وجرمهم بصفحه كما فعل بأهل مكة ؛ قال : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، فإذا أنا صليت بالناس فقولوا : إنا نستشفع برسول الله إلي المسلمين وبالمسلمين إلي رسول الله في ابنائنا ونسائنا " فلما اجتمع الناس للصلاة جاء الوفد فتكلموا بما علمهم الرسول ؛ فقال : اما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم . وقال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول الله ؛ وقال الأنصار : وما كان لنا فهو لرسول الله ؛ وأبي الأقرع ابن حابس زعيم تميم ، وعيينة بن حصن زعيم فزارة ، والعباس بن مرداس زعيم سليم ان يتركوا غنائمهم فوعدهم الرسول أن يعوضهم عنها حتى رضوا ، ورجعت هوازن بأبنائها ونسائها

-4-

وقسم الرسول الغنائم على أصحابها ، وزاد فأجزل العطية لجماعة من رؤساء العرب قرشيين وغير قرشين ليتألف قلوبهم ؛ ولم يعط أحدا من الأنصار ، فعجب الانصار ، وتكلموا فيما بينهم . وجاء سعد بن عبادة سيد الخزرج ، فقال : يا رسول الله ! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ، لما صنعت في هذا الفيء اصبت ، قسمت في قومك ، واعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شئ .

- فأين أنت عن ذلك ياسعد ؟ !

- يا رسول الله ما أنا إلا من قومي

- فاجمع لي قومك في الحظيرة

اجتمع الانصار في الحظيرة وهم عماد هذا الإسلام وجنده ، اجتمعوا عائبين على قائدهم العظيم ، يرون انه آثر

عليهم جماعة من رؤساء العرب ليس لهم في الإسلام سابقة ولا في نصرته بلاء فليت شعري ماذا يقول هذا القائد الكريم ، وكيف يرضي خلص جنوده العاتبين ؟

إستمع

يا معشر الأنصار ما قالة بلغني عنكم ، وموجدة وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهدداكم الله . وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ !

بل ! الله ولرسوله المن والفضل

ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ؟

- وبماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل

أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ثم لصدقتم : " أتينا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك      وجدتم في أنفسكم

يامعشر الأنصار ، في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلي إسلامكم ! أفلا ترضون ، يا معشر الأنصار ، ان يذهب الناس بالشاه والبعير وترجعوا برسول الله إلي رحالكم ؟ فو الذي نفسى بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار ؛ ولو سلك الناس شعبا ، وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار

اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار !

قال الأنصار ، والدموع تبل لحاهم ، وقد غسلت كلمات الرسول عينهم ، وايقظت قلوبهم ، وزادتهم حبا للرسول وطاعة ، وأصابوا فيها ما يحقر كل ما أخذ الناس من مال ، وما يأخذون ؛ قالوا والدموع تبل لحاهم

رضينا برسول الله قسما وحظا .

اشترك في نشرتنا البريدية