لما قام المرحوم قاسم أمين منذ ربع قرن ونيف يطالب بتعليم المرأة وتحريرها من أسر عادات بالية، وقيود تقاليد عتيقة شلت نصف الأمة، وحالت دون انتفاع البلاد بجهودها. . . لم يكن يحلم أشد أنصار المرأة تفاؤلاً أن المصرية ستخطو هذه الخطوات المباركة في تلك الفترة القصيرة، وتسير سيرها الحثيث، لتحتل المكانة التي سمت إليها من آلاف السنين في حضارة مصر القديمة، وأيام ازدهار مجد العرب. وإذا كنا اليوم نغتبط بما نلمسه من دلائل نهضتنا الرائعة، وما تقوم به المشتغلات بالحركة النسوية من نواحي الإصلاح وجلائل الأعمال، فوق ما رفعن به شأن بلادهن في شتى بلاد العالم، ومختلف المؤتمرات النسوية الدولية. . . فذلك لما تبعثه فينا هذه النهضة من قوة الأمل وكبير الرجاء؛ في مستقبل زاهر تستكمل فيه المصرية نهضتها، ويظهر أثر ذلك في الكمال نهضة البلاد
وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيصير بدراً كاملا وإذا كان بيننا اليوم المحامية والطبيبة والصحفية والكاتبة والمعلمة والممرضة، والكثيرات من حاملات الشهادات وكاتبات المقالات، فليس معنى ذلك أننا بلغنا غايتنا، واستوفينا نهضتنا، فما زالت الأغلبية الساحقة من نسائنا يخيم عليهن ظلام الجهل، وما زالت الألوف المؤلفة من أطفالنا تقع فريسة للأمراض، وتقضي ضحية الجهالة؛ وما زالت بلادنا تفوق بلاد العالم في نسبة العمي، وما زالت سوق الخرافات رائجة، وما زال الكثير من
عاداتنا في حاجة إلى التهذيب والإصلاح. ويطول بي الشرح لو أردت أن أستوعب أمراض المجتمع التي تستطيع المرأة أن تساهم في علاجها بنصيب كبير إذا مهد لها الطريق فتكون المتعلمة قد أدت حينئذ رسالتها، وقامت بواجبها من خدمة لبلادها. نعم إن طريق الإصلاح شاقة وعرة، والعقبات جمة، والمصاعب كثيرة؛ لكن كل صعب يهون أمام صدق العزائم، وشحذ الهمم، وتضافر الجهود، وتوحيد قوى المتعلمات ليهذبن
ويدبرن ويصلحن شأن أمتهن، وينهضن على الأخص بأخواتهن من مختلف الطبقات صحياً وخلقياً وأدبياً، فيكن قد عالجن الداء من أساسه، فالمرأة ليست نصف الأمة فحسب، بل هي مربية النصف الآخر منها كذلك. ومما يزيدنا تفاؤلاً أن البلاد اليوم روحا تفعل في نفوس الأفراد والجمعيات فعل الخير، متجهة بها من الوحدات الجزئية إلى وحدات كلية مما يساعد على استثمار نهضة المرأة
واستثمار نهضة المرأة يقوم على تعاون ثلاث قوى: جمهور المتعلمات، والحكومة، والشعب أما واجب المتعلمات فالمبادرة بالاستعداد لعقد مؤتمر نسائي تمهيدي تشمله الحكومة برعايتها، تشترك فيه كافة الجمعيات النسائية على اختلاف مذاهبها وغاياتها، ويدعى إليه أكبر عدد ممكن من فضليات السيدات والآنسات المتعلمات، ليكون واسطة للتعارف وتوحيد الجهود، ووضع الأسس لخطةٍ عملية منتجة
بعد المناقشة والبحث في خير الوسائل لمعالجة نواحي الضعف التي توكل كل منها إلى لجنة تقتلها بحثاً ودرساً، ثم تقرر الوسائل الكفيلة بعلاجها. فتؤلف لجنة مثلاً لبحث خير الذرائع لرفع مستوى أخلاق النشء، ولجنة ثانية لتحسين الصحة العامة، وثالثة لمحاربة الخرافات والعادات الذميمة، ورابعة لتنظيم الإحسان وتخفيف ويلات البؤس، وخامسة لتوفير السعادة العائلية وإصلاح حال الأسرة، وسادسة للعناية بالولد صحياً وخلقياً، طفلاً ويافعاً،
وسابعة للشؤون القومية والاقتصادية، وثامنة لنشر الثقافة والفنون بين المتعلمات، إلى آخر ما يراه المؤتمر من الموضوعات جديراً بتأليف لجنة لبحثه، وبعد أن تنتهي اللجان من أبحاثها الدقيقة وتكون قد دعمتها بالأدلة والإحصاءات كلما أمكن، واستعانت على استفاء ما ينقصها من المعلومات باستقائها من مصادرها في مختلف مصالح الحكومة والمؤسسات الوطنية والأجنبية التي تشتغل بالشؤون الاجتماعية في مصر أو الخارج، تكون قراراتها بمثابة الخطة الحكيمة لقيادة جيوش المتطوعات إلى حرب صامتة في مظهرها، مصلحة طموح في جوهرها، عدتها التعاون والهمة، وسلاحها الإيثار والتضحية، ثم يبدأ زحف كتائب المتطوعات على الأحياء الفقيرة في العواصم، ثم يتقدمن بزحفهن إلى البنادر، ثم إلى الريف، لنشر الدعاية الصحية والتهذيبية، وإرشاد الفقيرات وتعليمهن النظافة والعناية بالأولاد الخ
ولما كانت الإطالة في شرح أعمال تلك اللجان واستيعاب النقط التي تدخل في لجنة كل منها تتطلب إفاضة لا يتسع لها مقال كهذا، كما أنه يكون استباقاً للحوادث وإحلالاً لرأيي الفردي محل رأي سيكون ثمرة شورى الجماعات التي تنصرف إلى بحث كل نقطة، وتتفرغ لدراستها على ضوء ما يتوفر لها من الأدلة والبيانات، لهذا أكتفي بإيراد النقط التي تدخل في بحث لجنة أو اثنتين على سبيل المثال تنويراً للأذهان وتوخياً للاختصار: فاللجنة التي يوكل إليها رفع مستوى الأخلاق مثلاً يصح أن تتناول الأمور الآتية:
١ - أفعل الوسائل في بث روح الفضيلة في النشء وتعويدهم العادات الحسنة ٢ - محاربة الرذائل والعادات الذميمة كالبغاء والمخدرات وكجرائم اللسان والخلاعة والاستهتار ٣ - توجيه الشباب للقيام بالخدمة الاجتماعية ٤ - الأماكن التي يصح أن يرتادها الشباب، والكتب التي يجب أن يقرأها ٥ - مقاومة مساوئ المدنية، والمحافظة على الحسن من تقاليدنا وعاداتنا ٦ - توفير أسباب اللهو البريء ليقضي الشباب وقت الفراغ في المسلي المفيد ٧ - مساعدة المتعطلات على الارتزاق حفظا لهن من السقوط
واللجنة التي تتخصص في تخفيف وطأة البؤس يصح أن يتناول بحثها النقط الآتية: ١ - تنظيم الإحسان ٢ - توفير وسائل العلاج للمرضى من الفقراء ٣ - تعليم الفقيرات صناعات تزيد في رزقهن ٤ - تحديد نسل الفقراء ٥ - الإكثار من ملاجئ للأطفال المتشردين ٦ - العناية بذوي العاهات ٧ - التأمين للعمال ٨ - النسج على منوال ألمانيا في الاكتفاء بغذاء رخيص يوماً في الشهر وتأدية الفرق للفقراء
٩ - إيجاد أماكن صحية للناقهين والضعفاء بأجور زهيدة هذه أمثلة من المواضيع التي يمكن أن تتناولها اللجان العاملة بأبحاثها، يرينا تشعبُها وترابطها مدى أهميتها، وأثرَ تحقيقها في مداواة أمراض المجتمع
أما الحكومة فيقع عليها النصب الأكبر من هذا الواجب، واجب الأخذ بيد العاملات على تنفيذ البرامج الإصلاحية التي يرسمنها بعد الدرس والتمحيص، لأنها المسئولة عن صالح المجتمع بصفتها الحاكمة، ولأنها تملك سلطة التشريع وفي قدرتها تدبير الأموال، ولها من وسائل التنفيذ ما لا يتوفر لغيرها من الهيئات، ولهذا يكون اشتراكها وإشرافها ضروريين لضمان نجاح العمل وتحقيق الإصلاح، لا سيما وهو في مرحلة التأسيس والإنشاء. فلابد من تعيين بعض الموظفات إلى جانب المتطوعات لينتظم العمل ويطرد سيره في سبيل النجاح، كما لابد من مساعدة الحكومة للعاملات لخير المجتمع مادياً وأدبياً، فتمدهن
بعونها ونفوذها بسن القوانين الكفيلة بالإصلاح، وتسهل لهن سبل العمل، كأن تخول لعدد من المتطوعات السفر بالسكة الحديدية مجاناً، وتسمح بمبيتهن في مدارسها في مختلف البلاد، وتسهل لهن زيارة المؤسسات الاجتماعية من ملاجئ وإصلاحيات ومستشفيات الخ، إلى غير ذلك من وسائل المساعدة. وهذه أمثلة بسيطة ذكرتها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر والتحديد ومن أهم ما يجب على الحكومة لاستثمار نهضة المرأة،
المبادرة إلى تعديل مناهج تعليم البنات، وإرسال بعثات للتخصص في الخدمة العامة في كلية سيمونز ببسطن simmons college Bostonوهي أهم معهد بالولايات المتحدة لدراسة الخدمة العامة الطبية والسيكولوجية الخ، أوفي مدرسة الخدمة العامة بشيكاغو أو كلية سميث smith أو غيرها، حتى إذا عادت البعثات ساعدت المدارس على تربية روح الخدمة العامة في الناشئة، وجندت منها فرقاً للعمل تحت إشرافها، وأفادت المشتغلات بالشؤون الاجتماعية وتوجيههن إلى أنجح الوسائل وخير الطرق لتحقيق الغايات التي يسعين إليها. وغريب أن الحكومة لم تفكر حتى الآن في هذا النوع من البعثات، مع وفرة عدد البعثات التي أوفدتها وتنوعها، ومع شدة حاجة بلادنا إليها أما تعليم البنات فواجب الحكومة فواجب الحكومة أن تستغل رغبة
الآباء في تعليم وإقبال البنات على التعليم بمختلف مراحله، لتجعل من تلك الآلاف المؤلفة زوجات فاضلات يحسن تدبير البيوت ويملأنها بهجة وسروراً، وأمهات صالحات ينشئن رجالاً صحيحي الأجسام، قويمي الأخلاق، كريمي النفوس، وذلك بتعديل البرامج، لأن البرامج الحالية قاصرة جداً عن تحقيق هذه الغاية . أن غاية التربية الصحيحة أن تعد المرء للحياة،
وتسلحه بما يكفل له النجاح في كفاحها، وتؤهله للدور الذي ينتظره وتنتظره الإنسانية منه. والمدارس التي تعلم الطبيب كيف يحارب العلل وينقذ المرضى، وتعلم التاجر كيف يُروج بضاعته ويزيد ربحه، والزارع كيف تجود حاصلاته وتسلم من الآفات، والصانع كيف يتقن صناعته ويرقى بفنه، فتعد كلا منهم لمركزه الخاص. . . جديرٌ بها أن تعد الفتاة (ووظيفتها تختلف عن وظيفة الرجل) للقيام بدورها الخطير. فما لاشك فيه أن الفتاة أحوج إلى درس نفسية الأطفال في مراحل نموهم وعرفة طرق العناية بهم جسمياً وخلقياً منها إلى دروس الميكانيكا، وهي أحوج
إلى علم الاقتصاد منها إلى حساب المثلثات، وهي أحوج إلى تدبير المنزل والحياكة والتفصيل منها إلى الهندسة الفراغية، وهي أحوج إلى علم الصحة والموسيقى منها إلى الكثير مما تدرسه الآن. لست ضد ثقافة المرأة، ولا أريد الحد من حرية الرغبات في الدراسة العالية، ولكني أريد أن يميز العلم بين حاجة الجنسين، وأن يفرق بين من تتعلم لتحترف الطب أو المحاماة مثلا وبين الأغلبية من سواد الشعب اللواتي ينتظرهن البيت المصري جنوداً يعملن على حمايته ورفع مستواه، وأن يعني بالمواد النسوية عناية كافية تستفيد منها المرأة في حياتها العملية، وإلا ضاع معظم جهدها وما ينفق على تعليمها فيما لا طائل تحته، وصدق علينا قول الشاعر:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى ونظرة نافذة ترينا أننا في حاجة ماسة تبلغ حد الظمأ إلى تحسين نوع تعليم البنات منا إلى إكثار المدارس لهن. فما أكثر حاملات الشهادات، ولكن ما أكثر الصدف وما أقل الدر فيه، وما أكثر الزهر وما أقل العِطر منه، وأن يوماً تعدل فيه مناهج تعليم البنات تعديلاً يهيئ لهن الدراسة التي تتفق مع وظيفتهن، وتوضع القيود والضمانات لقصر عدد من يدرسن
مناهج البنين على الراغبات فعلاً في الدراسة العالية حتى لا تتحول الأغلبية إليها. . . لهو اليوم الذي نكون فيه قد وجهنا التعليم النسوي وجهته المنتجة، وخدمنا البلاد أجل خدمة
هذا واجب الحكومة مجملاً: أما واجب الجمهور فأن يساعد العاملات مادياً وأدبياً، ويشد أزرهن بلطفه وتشجيعه، فيناصرهن الغني بماله والكاتب بقلمه، والخطيب بلسانه، والمصور بريشته، والفقير بتطوعه للعمل، والمعلمون والآباء بما يبثونه من المبادئ الطيبة في نفوس الصغار؛ لأن المرأة في حاجة، حاجة ماسة، إلى تعضيد الرجل لها في نهضتها، والرجل والمرأة يجب أن يكونا فرسيْ رهان في ميدان الإصلاح يندفعان جنباً إلى جنب في سيرهما لترقية المجموع وخدمة الإنسانية دون أن يعترض أحدهما سبيل الآخر في عدوه، وأن يبادر كل منهما لعون الآخر في جهوده النافعة ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ويا سعد يوم يتم لنا فيه التآزر الكامل على العمل الصالح. إننا لا شك بالغون فيه غايتنا بأذن الله

