اورد صاحب العقد الفريد في الجزء السابع باب (من سمع صوتاً فوفقه معناه فأستخفه الطرب) ما نصه: وغنى إبراهيم الموصلي محمد ابن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانئ فيه:
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن
كل يوم يسترق له ... حسنه عبداً بلا ثمن
يا أمين الله عش أبداً ... دم على الأيام والزمن
أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن
سن للناس القرى فقروا ... فكأن البخل لم يكن
قال: فأستخفه الطرب حتى قام من مجلسه وأكب على
إبراهيم يقبل رأسه؛ فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه وما وطئتا من البساط؛ فأمر له بثلاث آلاف درهم؛ فقال إبراهيم يا سيدي قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال الأمين: وهل ذلك الإخراج بعض الكور؟
والذي أذكره أن هذا تجن على الأمين اولا، واختلاف على إبراهيم ثانياً؛ فلقد فات الأستاذ العريان محقق الكتاب - كما فات صاحب العقد أن إبراهيم الموصلي لم يدرك زمن الأمين إذ كانت وفاته على عهد الرشيد سنة ثمان وثمانين ومائة. قال صاحب نهاية الأرب: لما مرض إبراهيم مرض الموت ركب الرشيد حماراً ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في الأبزن (حوض يغتسل فيه) فقال له: كيف أنت يا إبراهيم؟ فقال: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر:
سقيم مل منه أقربوه ... وأسلمه المداوي والحميم
فقال الرشيد: إنا لله، فخرج فما بعد حتى سمع الداعية عليه. وذكر صاحب الأغاني: قال أسحق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على الرشيد بعقب وفاة أبي. . . إلى أن قال فأدناني منه فقبلت يده ورجله والارض بين يديه فاستعبروا كان رفيقا فوثبت قائماً ثم قلت:
في بقاء الخليفة الميمون ... خلف مصيبة المحزون
لا يضير المصاب رزء إذا ما ... كان ذا مفزع إلى هارون
فقال لي: كذاك والله هو، ولن تفقد من أبيك ما دمت حياً إلا شخصه.

