الثقافة الشرقية ؟ هي ايضا مفهوم ينطبق على حقائق مختلفة واجواء متباينة وعوالم انسانية متباعدة ...
فالشرق - عند الجغرافيين - أشكال : هنالك الشرق الادنى . وهنالك الشرق الاوسط . وهنالك الشرق الأقصى ... وان كان النحاة اذ يتحدثون عن هذه الاشكال وعن شؤونها يوحدون بينها فى " النسبة الشرقية " . . .
وان انت تصفحت التاريخ - عتيقه وحديثه - وجدت المؤرخين يعدون البابليين ، والاشوريين ، والفراعنة ، والعبرانيين ، والفينقيين ، والعرب ، والهنود والفرس ، والصنيين ، واليابانيين ، من الشرقيين ، ويعدون ثقافتهم في ضمن الثقافات الشرقية . .
ولكن الفكر حريص على ان يتجاوز الابعاد المكانية والزمنية لينفذ الى جنس من الابعاد الطف جوهرا ، واسمى مرتبة ، واصدق تخصيصا : هي الابعاد المعنوية ( أخير هذه العبارة على الابعاد الروحية ) ...
هو حريص على ان يتجاوز كل الفوارق التى تفرق بين تلك الثقافات ليغوص عما عسى ان يكون " مشتركا " بينها من المفاهيم والمعانى والقيم فيوحد بينها ويجعلها " أخوات " اسرة واحدة هى " الاسرة الشرقية الكبرى " ...
هو حريص على ان يكشف عن الطابع - البارز او الخفي - الذي بطبعها جميعا ويجعل اهلها يقفون من الوجود وشؤونه ومسائله الكبرى موقفا واحدا وينزلون الوجود وشؤونه ومسائله الكبرى تنزيلا واحدا . . .
وبدهي ان الاهتداء الى مثل هذه الغايات لا يمكن ان يكون الا بفضل
" تحقيق هائل " يهدف الى " تصفية حساب " تلك الثقافات جميعها فيتقصى جوانبها ويميز جواهرها من اعراضها ، ولبوبها من قشورها ، وشؤونها المتحركة من شؤونها الساكنة وينتهي الى " القيم العليا " التي سما اليها اصحاب الفتح من ابناء تلك الثقافات جميعها . . فيشرف على ضروب فهمها الوجود وشؤون الوجود وعلى صنوف احساسها بالوجود وشؤون الوجود مثلما تنطق بذلك السنة اديانها ، ومعتقداتها ، وعاداتها ، وآدابها ، وفنونها ، وعلومها ، وفلسفاتها ، ومثلما يتجلى ذلك في رسوم اعمالها . وأنماط كفاحها ، وانواع إقدامها وإحجامها ، والوان حلالها وحرامها ونماذج خيرها وشرها ، واشكال رقصها وغنائها ، واساليب حياتها وموتها ! ...
اليس معنى ذلك اننا ننتهي حتما الى أعوص مشاكل ما وراء الطبيعة ؟.. وان نحن اردنا ان نضرب مثلا لذلك لم نجد أحسن دلالة على صعوبة التخصيص ، ودقة التمييز وتعدد مواطن العسف واللبس فى الاحكام من ذلك الحكم الذي تعود الناس كافة - من مثقفين وغير مثقفين - اصداره في حق الشرق والغرب مؤكدين ان الاول " روحاني " والثاني " مادي " في نظرتهما للوجود .
اذكر ان مثل هذا القول كان يثير فى - ايام شبابي - كثيرا من الريبة وكثيرا من الشك ... فكنت كلما انغمست فى مطالعتي الشرقية والغربية وكلما عطفت على اثر من آثار التفكير الغربى او الشرقي ( وخاصة العربي الاسلامي والهندي ) الا ازددت ارتيابا وشكا في مثل ذلك الحكم ...
واليوم - بعد نحو عشرين عاما من التأمل في التفكير الغربي ( اليوناني منه والفرنسي والالماني والروسي والانكليزي ) وفى التفكير الاسلامي والتصوف الهندي - يمكن لي الجزم بأن " روحانية الشرق " " ومادية الغرب " من الفضايا التي يمكن لك فى حقها ان تقول - بالضبط ومن دون ادنى تلاعب بالالفاظ : " هي كلمة حق اريد بها باطل " - او " هي كلمة باطل اريد بها حق " !... " ولكن شرح هذا يستدعي تأليفا برمته ! ...
أثقافة عربية ؟ ام ثقافة اسلامية ؟ ام ثقافة عربية اسلامية ؟
اسئلة صاغتها عقول غربية في اواخر القرن الماضي اذ تصدت لاستكناه حقيقة " المجهود الحضري " الذي كان قادح زنده محمد النبي العربي ! ...
وان نحن تركنا وراءنا ظهريا اساليب الجدل العقيم ، وشعاب الجور وظلمات العصبية وجدنا ان هذا التنوع في صيغ السؤال انما يرمي الى زيادة التدقيق في التخصيص ، وزيادة التحري فى الحكومة رجاء الفوز بالتعليل المنصف الصحيح !
فالعرب لم يعتنقوا الاسلام ولم تضطرم نفوسهم بمبادئ الاسلام وقيم الاسلام حتى فاضوا عن الجزيرة العربية امواجا جارفة فدكوا عروشا وقوضوا ممالك تكونت على انقاضها الخلافة الاسلامية فكانت من اعز الامبراطوريات التي عرفها التاريخ ناهيك ان سلطانها امتد من المحيط الهادي الى المحيط الاطلسي في عصور لم يكن لاهلها ما لنا اليوم من المواصلات . . . وكانت حضارة من اروع حضارات التاريخ لها طابعها الممتاز الطريف بفضل ما وفقت اليه في اذابة عناصر مختلفة متنوعة في بوتقة واحدة . . فكنت لا تعطف - عطف التبصر - على اي اثر من آثارها ولا على اية جزئية من جزئياتها فلا تجد - ان قليلا او كثيرا ، ان بارزا او خفيا - ما لا يمكن ارجاعه الى القيم العربية الاصلية او الى القيم اليونانية او الى القيم الهندية او الى القيم الفارسية او لكثير منها او لجميعها ممترجة حي الامتزاج رائعة !...
ذلك ان " صاحب البوتقة " وفق الى اذابة تلك العناصر جميعها اذابة عبقرية هي السر -كل السر- في وجود تلك الحضارة ، مستقلة الذات بين الحضارات الانسانية بما لها من القيم والمؤسسات والفنون والعلوم والفلسفات وبما تمتار به من ثقافة لها طابعها ولها اسلوبها !
فهل هي عربية ؟ امر هي اسلامية ؛ ام هي عربية اسلامية ؟
فمن قال : " هي عربية " فانما هو تحت تأثير عامل تاريخي لا سبيل الى جحده وهو ان العرب هم الذين كانوا " المحرك الاصلي " الذي نشط فنشط عالما بأسره واندفع فدفع كل العقبات التى اعترضته وجند شعوبا فامتزج بها وامتزجت به فتكونت ثقافة عربية اللسان كانت امتدادا للثقافة العربية الجاهلية : شعرها الشعر العربي فى اوزانه ، وقوافيه ونواميسه الجمالية ، وخطابتها
الخطابة العربية ؛ وبلاغتها البلاغة العربية ؛ وبيانها البيان العربي وادبها الادب العربي
واصبح العرب والاعاجم على اختلافهم يتبارون في حلبة واحدة مع مراعاة اصول فنية وذوقية واحدة هي اصول العربية والذوق العربي ...
ولا عبرة - في هذا الصدد - بما وقع من تطور ومن تزكية للتراث الثقافي العربي الاصلي على ايدي كثير من الاعاجم والموالي ما دام اولئك الاعاجم والموالي يصبون كنوز احساسهم وتفكيرهم وثروات اشواقهم ومطامحهم في قوالب التعبير العربي المبين ...
فمثل الثقافة العربية وتلك العناصر الاعجمية هو بالضبط كمثل بئر كان لها ماؤها وكان بجوارها آبار اخرى ثم وقع حادث ارضي فامتصت تلك البئر مياه بقية الآبار واصبحت هي الطافحة !
واما من قال : " هي ثقافة اسلامية " فهو اما شعوبي يريد ان يحرم العرب شرف تلك الثقافة واما مريد انصاف يرغب فى الاعتراف بما كان لمختلف الاعاجم من فضل ومن مشاركة واسعة النطاق فى تزكية الثقافة العربية واما اصولي يؤمن - عميق الايمان - بأن العرب فى جاهليتهم وفى نطاق ضيق آفاق عصبيتهم ما كانوا ليقوا على الاضطلاع بذلك المجهود الحضري المتقطع النظير لو لم تضطرم نفوسهم بالقيم الاسلامية ، ولو لم تنقلب " الدودة العربية " فراشة اسلامية " ...
واذا فالتعليل الصحيح يقضي بنسبة تلك الثقافة لا الى العرب بل الى الاسلام والى القيم الاسلامية ... فالقيم الاسلامية هي التي " حركت " العرب فتحركوا وهي التي " حفزتهم " الى الفتح ، الى البناء ، الى الانشاء ! ...
وليس من شك في ان هذه النظرة الاخيرة أصدق تخصيصا ، وأعمق تعليلا للطابع الذي طبع الحضارة الاسلامية عامة والثقافة الاسلامية خاصة ! ..
أضف الى ذلك ان عنصر التخصيص هنا هو " العنصر المعنوي " مع ما له من سمو ومن شمول ( هو عنصر القيم الاسلامية ) وليس هو عنصر الجنس وما تتبعه حتما من ضيق العصبية وظلام الشعوبية ! . . .
وبالرغم من كل ذلك فالتخصيص الاخير يؤاخذ بمأخذين :
أ ) ادماج الثقافة العربية الاسلامية في ثقافات اسلامية اخر غير عربية اللسان ( كالثقافه الايرانية الاسلامية مثلا ... )
ب ) إغفاله عنصر اللغة العربية التي نزل بها القرآن وكانت - ولا تزال - أداة التعبير عن اهم نزعات التفكير الاسلامي .
وهذا بالضبط - هو ما حدا بفريق ثالث الى القول " بالثقافة العربية الاسلامية " ...
الم اقل لك ان التنوع في صيغ السؤال : أثقافة عربية ؟ أثقافة اسلامية ؟ أثقافة عربية اسلامية ؟ انما يرمي الى زيادة التدقيق في التخصيص وزيادة التحري في الحكومة رجاء الفوز بالتعليل الصحيح ؟
٦ شأن الثقافة العربية الاسلامية شأن الحياة ... فلا غرو اذا ان كانت اصدق عبارة تنطبق عليها كلمة لابي حيان التوحيدي - على ما اذكر - " هي وحدة متكثرة وكثرة موحدة " !
فالقيم الاسلامية تفاعلت - حي التفاعل - اكثر من اربعة عشر قرنا في نفوس شعوب متعددة امتدت من اندونيسيا الى الاندلس وفي ظروف متباينة تراوحت بين بساطة الحياة البدوية واعلى درجات البذخ المادي والعقلي ...
امن الغريب بعد هذا ان يكون للثقافة العربية الاسلامية - رغم " وحدة الابعاد المعنوية " - اجواء متعددة : من شيعية ، الى خارجية ، الى إرجائية ، الى اعتزالية الى صوفية ، الى فلسفية ، الى إشراقية ، الى إلحادية ؟ ...
٧ و ٨ ان اخص ما تمتاز به الثقافة العربية الاسلامية من الخصائص في العصر الحاضر يجب الاعراب عنه بلغة الذات والشعور بالذات . . .
فالاقطار العربية الاسلامية اجتازت دهورا عرفت فيها ابشع الوان الانحطاط وافظع ضروب الافلاس فكانت على قاب قوسين او ادنى من فقدان الروح . . .
وما نسمية " نهضة " الاقطار العربية الاسلامية ليس هو لحد الآن سوى تحسس " لجوانب الذات " ...
لذلك كان الجانب النقدي هو الغالب . فالعقاد . والمازني . وجبران . والريحاني . ونعيمة . واحمد امين . وطه حسين بذلوا اروع مجهوداتهم في تنظيف العقول وتنقية القلوب واجلاء الحقيقة الانسانية الشرقية ...
هذا من الناحية السلبية . اما من الناحية الايجابية فان هنالك مجهودات ترمي الى تطعيم الثقافة العربية الاسلامية بما جد في مختلف الميادين العلمية الغربية ...
ولئن كان أدباء الجيلين الماضيين لم يجرؤوا على النقد الا فى الميادين الفنية الادبية فابناء الجبل الحاضر اصبحوا يفهمون جيدا ان الثقافة العربية الاسلامية لا يمكن ان تقوم لها قائمة الا بغربلة " القيم الاسلامية " الموروثه والا ببعث التفكير الاسلامي حيا ناميا ! ...
وهو ما حد ابي - شخصيا - الى تحرير نحو مائة محاضرة عن " ازمة السنة الاسلامية " وعن " أزمة التربية الاسلامية " فى العصر الحاضر تمهيدا للمذهب التربوي الاسلامي الجديد ! ...
ولنلاحظ في هذا الصدد ان أروع نموذج في الميدان الروحي الشرقي هو من دون منازع ميخائيل نعيمه الكبير . .
فكتبه " صوت العالم " و " النور والديجور " و " البيادر " و " المراحل " و " زاد المعاد " و " في مهب الريح " .. . الخ من تلك النفحات التي تجعل من صاحبها الممثل الحي للروحانية الشرقية فى ابدع مظاهرها . .. فهل انتبه الشرقيون لذلك ؟
٩ و ١٠ أومن بأنه في الامكان ان تكون لنا بتونس ثقافة عربية اسلامية تكون عبارة صادقة عما يسطع في اعماق إحساسنا من نجوم الحق والخير والجمال ...
فالقريحة التونسية غير القريحة المصرية ، غير القريحة اللبنانية ، هذا لا شك فيه عندى ...
فالمهم المهم هو ان نبادر باصلاح نظمنا واجهرتنا التربوية الاصلاح الذي يضمن زكاة المواهب ، وزكاة الكنوز الذهنية ، وزكاة القيم الثقافية الحق بهذه البلاد . وهل تريد ضمانا آخر لمستقبل الثقافة التونسية ؟

