لقد بعثنا الى بعض رؤساء المعاهد بتونس منذ اسابيع كثيرة بهذه الرسالة ورجونا منهم الاجابة السرعة فلم نتصل الى يوم الطبع الا بهاتين الرسالتين . وهذا نص الاستفتاء :
لا شك ان مشاكل كثيرة تعترض سبيل المشرفين على التعليم فى سعيهم الى ايجاد تعليم قومى بالبلاد التونسية فى عهدها الجديد ، وقد سبق " للفكر " ان عالج قضية الثقافة عامة ومستقبلها بتونس خاصة فى عدد ممتاز . وهو اليوم يساهم فى البحث عن حلول عملية لبعض المشاكل إخلاصا منه الى ما لا يزال يتعلق به من خدمة الفكر والثقافة .
لذا يتوجه الى بعض المسؤولين عن تسيير التعليم بهذين السؤالين راجيا ان يتصل بالجواب فى اقرب وقت ممكن مع الشكر : ١ - ما هي اهم المشاكل التى ترونها قائمة فى طريق التعليم القومي . ٢ - كيف يمكن حلها في نظركم ؟
جواب الاستاذ احمد الفاني
أهم مشاكل التعليم
ان مشاكل تعليمنا عديدة وجسيمة ، وأوكدها في نظرى الخاص جذب المثقفين الاكفاء الى خطة التدريس . لقد رأينا بعين الحسرة والاسف افواجا من المعلمين والاساتذة يهاجرون كراسيهم اليابسة والبخيلة ويتجهون نحو المناصب ذات اللين والجود ! وهل من سبيل الى لومهم فى قرارهم هذا ؟ ألسنا كلنا بشرا ، او ليس للماديات معان رنانة ؟ لقد قبرت العصور التى كان يتطوع فيها
المدرس بعلمه لوجه الله وخدمة الصالح العام ! المدرس اليوم في حاجة الى الارتزاق ككل من يشتغل فكيف يرضى باعتناق مهنة التدريس المنعبة قليلة المناهل الدرهمية ، بينما يرى امامه طرقا سهلة السلوك وموصلة بسرعة الى الراحة والرفاهية ؟ وكيف يستقر فى المدارس والمغنطيس يجذبه نحو المناصب الخلابة ؟
أجل ، هناك واجب قومى ينادى بالتضحية ومراعاة الصالح العام . لكن الاستاذ الذي يصير وزيرا او سفيرا ، او رئيس ديوان ، او رئيس مصلحة ، او غير ذلك من الخطط لا يرى انه قصر فى خدمة بلاده عندما هاجر التعليم ، بل انه سمع مناديا ينادى فهرول يتلو : لبيك بلادى لبيك !
وبهذه الطريقة أفرغ تعليمنا من لبه او كاد . واذا لم يزل قائم الذات فذلك بفضل بقايا من اعمدة
يرتكز عليها وغفلت عنها العواصف ومن بعض ذخائر يتغذى منها . واذا لم ننتبه ونبادر بايقاف هذا الامتصاص وبتعويض العناصر القوية بمن يضاهيها ، كان نصيب تعليمنا الهلاك والله عالم بما ستعانيه الاجيال بعدنا لاحياءه من جديد ورفع مستواه !
الامم الراقية فى حاجة الى الادمغة النيرة الخلاقة . وليست هذه الادمغة تنزل من السماء بنورها وقدرتها على الخلق ، بل هي من منتوجات المجتمع وقد اثبتت التجربة ان الآدمى اذا عاش بين الذئاب من صغره ، صار ذئبا . وللمدرسة في تكوين الرجل المتنور النصيب الاوفر والدور الاهم . فلا يرتفع المستوى الثقافي لامة الا برفع مستوى التعليم ولا يرتفع مستوى التعليم الا اذا اسندت خطة التدريس الى اهلها ولا نقود أهل التدريس الى المدارس الا باعطائهم حقهم ورفع درجتهم فى سلم القيم الاجتماعية وقد شاء عصرنا الحالى ان تقدر هذه القيم بالمال والخيرات المادية . فالاجر الزهيد لا يجذب الا المدرس الضعيف والمدرس الضعيف لا ينتج الا صنفا رديئا من اهل الوظائف الادارية ، ومن الطلبة المتجهين نحو المعاهد العليا ومن المعلمين المعدين لتربية الاطفال . وفى كل ذلك خسارة للامة ! خسارة أموال تصرف بدون مقابل وخسارة قيم ثقافية ترتكز عليها البلاد فى نهضتها وعدوها نحو الرقى .
المدارس تخرج جميع أصناف هذه القيم من مهندس وصيدلى وطبيب ومحام وكاتب ومفكر وفيلسوف ومفتش وشاعر وفنان واختصاصى في الصناعة والزراعة
والتجارة والصحافة والسياسة . . وهى التى تكون الاطارات اللازمة للادارات وشؤون الدولة . فكيف يمكن ان تقوم بهذا الدور اذا لم تكن لها تلك الجاذبية التى تاتيها بالمدرسين الاكفاء وتضمن لها استقرارهم ؟
واذا منحنا المدرسين الاجور اللائقة بمهنتهم امكن لنا الاعتناء بكل المشاكل الاخرى . فلا فائدة مثلا فى ان نفكر فى بناء المدارس وتكوين المدرسين وتحوير البرامج وطرق التعليم ما دام أجر المعلم منحطا فى سلم الاجور .
الحلول :
١ ) رفع أجرة المدرس : ان صاحب المال لا ينفق دراهمه على مشروع الا اذا تحقق من انتاج العملية . فهو يمد بالملايين المشاريع المنتجة ويبخل على المشاريع العقيمة وهو يبتاع بارفع الاثمان كل بضاعة له بها حاجة فى تحسين انتاج مشروعه .
ولا بد ان تراعي الدولة مسألة الانتاج عند توزيع أموالها على مختلف مصالحها وبقطع النظر عن قيمة المدرس الثقافية وعن العناء الذى قاساه فى اكتساب معارفه وشهاداته فنحن فى حاجة أكيدة اليه وقيمته النسبية اليوم ارتفعت لانه صار بضاعة قليلة الوجود وحينئذ ثمينة ونفيسة - وهو يرغب في التعليم وفي وقايته من الطموح الى خطة اخرى ما جعل لها ولا ترضاها ميوله ، ومن المتحتم ان تتخذ الحكومة ، ولو بصفة استثنائية ، سياسة تعمير المناصب المدرسية باهلها والا فيا للخيبة ويا للفشل !
٢ ) بناء المدارس إنى قضيت اربع سنين بالمدرسة الصادقية بخزنه دار وفرضت على مهنتى الادارية بها ان أهتم ببناء القسمة الثانية منها فاكتشفت من عيوب الطريقة ما راعنى وأزعجنى كم من اموال تبذر ، وكم من اوقات ثمينة تخسر وكم من جهود تصرف وتضيع وكم من عناء وانفعال وقلق ... ! فلا فكرة رئيسية تسود ولا نفوذ لرئيس يقود ، ولا تنسيق لاعمال منظمة ولا توحيد لجهود متواصلة ولا مسؤولية ولا مسؤول ! فالذين " يهمهم " الامر لا يحصى لهم عد ، وما اسعدك لو اكتشفت الطرق المعوجة الطويلة التى يسلكها " الدوسى " ... اثناء تجولاته ذهابا وإيابا من وزارة الى اخرى ومن مكتب الى آخر ! قضيت اربع سنين وأنا أكدح فى سبيل بناء هذه القسمة وما اسعفنـى الحظ بتدشينها قبل مبارحتى للمدرسة !
ونتيجة هذا العناء وهذا الاسراف بناء ضخم مزخرف فى مظاهره الخارجية ، وعند الاستغلال تظهر العيوب العديدة ويتحتم اصلاح الانحرافات الكثيرة . فياحبذا لو أسندت مهمة البناء المدرسي برمتها الى مصلحة واحدة ومستقلة
لها ميزانيتها ومهندسوها ومقاولوها ، ونفوذها المطلق ! ويا حبذا لو شركت الحكومة أهالى المدن والقرى فى هذا المشروع الجليل بحيث يبنى الاهالي بعض مدارس وتؤثثها الحكومة وتقوم بلوازمها ! ويا حبذا لو عدلنا على البناءات الفخمة واكتفينا بمعاهد بسيطة لا تخلو من الجمال ولا من المرافق ولا تكلفنا المصاريف الباهضة .
٣ ) تكوين المدرسين : لقد بذلت وزارة المعارف أقصى جهودها فى حل هذا المشكل فقررت فتح مدرسة عليا للترشح وثلاث دور للمعلمين - لكن ذلك غير كاف باعتبار حاجتنا الاكيدة الى كثير من المدرسين الذين توفرت فيهم شروط الكفاءة . فكيف السبيل اذا لم نجذب المعلمين والاساتذة من الخارج ؟ اليس من اللائق ان نستخدم هؤلاء الفنيين بصفة انتقالية ولمدة معينة حتى تتوفر لدينا وسائل الانتاج القومى ؟ العلم منتوج بشرى لا وطن له ، ويمكن الموافقة بينه وبين الحاجة القومية .
٤ ) تحوير برامج التعليم وطرقه لا فائدة فى تكرار ما قيل المرار العديدة فى هذا الموضوع . ان تعليمنا الحالى لا يزال راكدا فى نظم عتيقة ، فرنسية كانت " او فرنسية - عربية " - او زيتونية ، وهو فى حاجة الى التحوير حتى يصير ملائما لعصرنا وميولنا لكن الامر سيطول ولا بأس ان نخط من الآن تصميما يعين مراحل هذا التحوير وآجاله ، وينبغى ان تبادر وزارة المعارف بتأليف اللجان الفنية اللازمة لوضعه .
لا ينكر احد ان حالة تعليمنا تعسة . فمشاكله واقعية حقيقية الجسامة واذا لم ننتبه الى الخطر الذى يهدده ، يتعكر حاله حتى يقضى عليه ، فيقبر معه كل امل في تحقيق نهضتنا الى السعادة والرقى
جواب الاستاذ البشير قوشة
اعتقد ان اهم المشاكل القائمة في طريق التعليم القومي هي تكوين حركة علمية تونسية وان التعليم لا يكون حقيقة قومية الا اذا ارتكز على ثقافة ذات طابع محلى واضح .
وما دامت تلك الحقيقة لم تحقق فان تعليمنا لا يكون الا مقتبسا من نظام اجنبي او دولى ليست له اى صبغة قومية . فمن الممكن ان نتحصل على عدد كاف من الاساتذة والاخصائيين التونسيين
فى مستقبل قريب ومن الممكن ان نفرض استعمال لغتنا العربية فى جميع ميادين النشاط القومى فنكون بذلك قد خطونا خطوة شاسعة فى تونسة التعليم وفى تعريبه وفى تصييره تعليما قوميا . غير ان ذلك لا يكون كافيا اذ اننا نكون قد كونا هيكلا ماديا خاليا من الروح القومية .
اما اذا اردنا ان نثبت فى تعليمنا روحا قومية فلا بد ان نكون ثقافة تونسية متينة تمتاز على غيرها بكونها تونسية طريفة فى جميع ميادين النشاط الفكرى فعلينا ان نعمل منذ الان لاثارة حركة ادبية وطنية وان نكون حركة علمية قومية وذلك بتوجيه شابنا نحو العمل المفيد وبتنمية ملكة الانشاء والاستنباط وبتهيئة المجتمعات الادبية ومعاهد البحوث العلمية وان نمهد السبيل لذلك بدراسة تحليلية واسعة النطاق نبرز بها القيم الحقيقية ونميز بها بين العبقرية والشعوذة وبين العلم والتدجيل وبين الشعر والنظم وبين الوضع والاقتباس وبين الفصاحة والهذيان وبين التفنن والتطفل وان نعطى كل ذى حق حقه وان نقاوم طرق الكسل والنقل .
ثم بعد ذلك العمل التمهيدى ينبغى ان نعود شبابنا على العمل الشخصى والقيام بالمسؤوليات الفردية ولا يكون ذلك الا بالتخفيف من ثقل البرامج والحشر الدراسي الذي لا يفسح اى مجال للتفكير الحقيقى ويعود الانسان بالاتكال على غيره لابداء رأيه وبتقليد العلماء والعباقرة تقليدا سلبيا يفقد به شخصيته ويؤول به الى الاندماج فى الاغنام البشرية .
وهناك سياسة تعليمية فى الموضوع ترمى الى تمجيد الكتاب والشعراء والعلماء والمخترعين العباقرة بجميع الاساليب من اختيار النصوص الادبية وتدبير برامج علم التاريخ والقاء افلام موضوعة لذلك الغرض وتسمية الشوارع والاماكن العامة واحداث صور زيتية تمثل العلماء فى التاريخ العربى عامة وفى التاريخ التونسى خاصة وانتماء فرق الشاب الى المفكرين والمؤرخين والبحاثين والمخترعين العرب والتونسيين ومن تنظيم جولات تمكن الشباب من الاطلاع على كل ما بقى من آثار تدل على حكمة المهندسين ومن مؤسسات تدل على مقدرة المؤسسين ومن
اختراعات تدل على عبقرية المخترعين ومن معاهد زراعية وبحرية ومعمارية حتى نكون لهم طموحا الى الانشاء والتكوين ورغبة في الاستنباط وتشوقا الى الاكتشاف .
و علينا احصاء مالنا من معاهد للبحوث كمحطة " صلامبو " الاقيانوسية وكمعهد البحوث الزراعية ومعهد تربية الحيوان والمخابر الكيمياوية ومعهد " باستور " الطبي ومعاهد الزيت وان نتمم تلك المجموعة بانشاء معاهد للبحوث في علم الفيزيا والكهرباء والمكانيك وعلم الفلك والهندسة والفنون المعمارية وفي الكيمياء والعلوم الاقتصادية وعلم التنسيق الادارى والصناعي الخ فنكون بذلك قد كونا هيكلا علميا وهيأنا له اسبابا لتعميره بعلماء وبحاثين مقتدرين علم استغلاله استغلالا كاملا .
عندئذ نكون قد كونا حركة علمية تونسية تكسب تعليمنا طابعا قوميا صحيحا وتكسب برامجنا صبغة تونسية جلية وتعطي موضوعات امتحانات تنالونا محليا لامراء فيه وتوجه تعليمنا توجيها قوميا مدبرا وتبعده عن جادة التقليد والنقل .
هذا ولا ننس ان اهم مقومات الثقافة انشاء جامعة تونسية تفسح المجال للاساتذة التونسيين لتكوين حركة جامعية تونسية تهيمن على التعليم في جميع مراحله وتوجهه حسب رايها الخاص وتربطه ارتباطا كليا بتاريخنا وعقليتنا وطباعنا وامكانياتنا وحاجاتنا .
ونعزز ذلك بهيئة تفقدية تونسية لجميع مراحل التعليم تعمل على دراسة البرامج دراسة قيمة وعلى البحث عن طرايق تتلاءم مع وضعية بلادنا وتسهر على تكوين المعلمين والاساتذة الصالحين للقيام بمهمتهم حسب المنهاج القومي .
هذا وان للفنون الجميلة كالموسيقى والنحت والروايات المسرحية والسينمائيه تأثيرا حاسما فى اعطاء ثقافة البلاد صبغة قومية تونسية فعلينا ان نطهرها من المحترفين العجز والمترجمين السطحيين والناقصين وان نوجهها الى طريق الانشاء الطريف الشخصى والى الالتجاء الى المنابع المحلية والى احياء العوائد التونسية والعربية الجميلة .
ذلك هو البرنامج الجبار الذى يكون انجازه الشرط الاساسى في اعتقادي ليصير تعليمنا قوميا صحيحا .
