تحررت بلادنا من اغلال الاستعمار ، وها هي اليوم تفتك سادتها فى جميع الميادين وتستقر بمتانة وثبات فى استقلالها التام . وسيتحقق هذا الاستقرار ببناء انظمة ادارية واجتماعية وتربوية لا يكفي ان ترضي شهواتنا ، بل يلزم ان تكون ايضا مرتبة على اسس عقلية صحيحة ، وملائمة لحاجة العصر الذى نعيش فيه فنجد بها موقعا ليس بحفير بين الامم الحية الراقية.
على كاهلنا اليوم في ميدان التربية اعظم المسؤوليات واخطرها . فينبغي ان تتحرى ونتبصر وان لا نستسهل المشاكل ونتغافل عنها ، ولا يحق لنا ان نعبث بمستقبل شبابنا ولا تقصر عن تشييده . أقول هذا لان حمى الفرح بالاستقلال ربما تدفعنا إلى الرغبة فى التعجيل فالتربص ثقيل علينا وتشوقنا الى التمتع باثمار الحرية يكاد ينفد صبرنا ويجعلنا كالجائع الذي يثب على الاطعمة اللذيذة بعد الحرمان الطويل - نحن اليوم نفكر في زرع بذور المستقبل الثقافى في بلادنا واحلامنا تصور لنا حسن الثمار التى نتوقع جنيها - وشدة الرغبة فى اقتطافها قبل ابانها صيرت الاوهام حقائق واقعية عند البعض منا وجعلتهم ينادون : نحن اليوم مستقلون ، فمالكم رقدتم يا أهل التعليم؟ استيقظوا ، انهضوا ، حوروا لنا التعليم ، تونسوه ، عربوه ، ألبسوه الحلل العتيقة والعصرية وهاتوه!...
- ايها الاخ الذي لا تطيق صبرا ، خطابي اليوم موجه خاصة اليك ، وارجوك ان تتجرد هنيهة من شهواتك وان تعيرنى بالك ، علنا نفتح بصيرتنا ونرى ما في طريقنا من صخور معثرة ومن حواجز معطلة .
اننا نريد ان نعوض تعليمنا الحالي السقيم بتعليم موحد ولائق بنا . ولا يمكن هذا التعويض بقولنا للنظام الجديد كن فيكون ، ولا يمكن القضاء على النظام القديم بضربة سيف واحدة . فلنا من بين الشبان والمعلمين من خطوا فى المنهج القديم ما خطوا ولا يمكن ان يرجعوا على عقبهم وان يعيدوا تعلمهم من جديد اذ النظام الجديد سنولده تدريجيا من النظام الحالى بالتحوير والترميم
فلا بد حينئذ من المراحل المتوالية التى يتطلب قطعها حل عدة مشاكل ، وغايتي ان اعطيك نموذجا من اهم هذه المشاكل.
إيواء الاطفال بالمدارس : بينت احصاءات ١٩٥٦ الحديثة ان الاطفال التونسيين المسلمين الذين هم في السن المدرسية (بين الستة والاربعة عشر) يبلغ عددهم (980000) وبينت ايضا الاحصاءات منذ عشر سنين ان هذا العدد يزداد كل عام بما يقرب من ( ٢٢٥٠٠ ) ومدارسنا الابتدائية الحالية ، دولية وقرآنية ، لا تأوي الا ( ٢٢٦٠٠٠ ) تقريبا . فعدد الأطفال المحرومين من التعليم يبلغ اليوم ( ٧١٢٠٠٠ ) ونصيب جميعهم الجهل وكثير منهم من يتجول فى الشوارع وذلك لوبال على حياة المجتمع ونقمة.
فمن أراد ان يرفع الجهل من هذه الديار وجب ان بدبر في إيواء أكثر من ( 22500 ) طفل فى كل سنة ، واذا اردنا ان تتم العملية بعد عشر سنين وجب ان
نقبل في المدارس كل عام (22500+71200010 = 93700 ) طفل وان
نبني ( ٢٣٤٠ ) قسما (قسم لكل ٤٠ طفلا )، وان تكون حينئذ ( ٢٣٤٠ ) معلما وذلك فى السنة الواحدة .
تكوين المعلمين : ان المكلفين بالتدريس في الاقسام الابتدائية انواع مختلفة فمنهم :
١) خريجو مدارس الترشيح : وهم الذين توفرت فيهم شروط الكفاءة من الحيثيتين الثقافية والمهنية وعددهم قليل بالنسبة لحاجتنا فمدرسة ترشيح المعلمين بتونس لا تخرج اكثر من ثمانين معلما كل سنة !
٤) حامل شهادة الباكلوريا : ومنهم من احرز على جزئي هذه الشهادة ومنهم من له الجزء الاول فقط وتكوينهم الثقافى مرضى ، ولا يتم تكوينهم المهنى الابعد سنين تقضى فى التجارب والتفتيش على الاساليب الموصلة - وعددهم ايضا قليل وذلك بسبب ضعف عدد المنخرطين التونسيين المسلمين بالمدارس الثانوية - ومن احرز منهم على الباكلوريا بجزئيها لا يتجه نحو التعليم الابتدائي الا اذا الح عليه الحال العائلي بالارتزاق أو اذا كانت مواهبه متوسطة غير ضامنة للنجاح فى الدراسة العالية .
٣) حاملو ديبلوم الصادقية : ومستواهم الثقافى لا بأس به وهم صالحون للتدريس باللسانين العربى والفرنسى - وعددهم ضعيف ايضا - والنجباء منهم ينجحون ايضا فى الباكلوريا وقلما يقفون عند هذا الحد .
٤) حاملو " التحصيل " الزيتونى : ان من احرز على " التحصيل " العصرى تتجه غالبا نحو التعليم العالي اما حاملو " التحصيل العلمي " - وهم كثيرون - فهم مترشحون للانخراط فى سلك المعلمين لكن ثقافتهم من نوع خاص غير موافق لحاجة التعليم الابتدائي . فمعارفهم فى العلوم الشرعية متسعة فوق اللازم ، ومعارفهم فى العلوم العربية كافية فى بعض المواد ، وممتدة فوق اللازم فى مواد اخرى ، وفيما عدا ذلك فمستواهم الثقافى اخفض بكثير من مستوى زملائهم الآتين من المدارس الدولية - وحاجتنا الى تدريس العلوم العصرية لا تقل تأكدا عن حاجاتنا الأخرى . فيشغى ان لا تقبل من هؤلاء المترشحين الامن توفرت فيهم الكفاءة من هذه الحيثية ، بفضل جهود فردية صرفها فى تكميل ثقافته
٥) المكلفون بالتدريس : ان مجموع اعداد المعلمين من الانواع السابق ذكرها لا يفوق ( ٣٣٧٧ ) بالنسبة للمدارس التابعة لوزارة المعارف وهناك قسم آخر يشمل ( ١٠٢٢ ) مدرسا ولا نجد فيه من اجتاز المرحلة الاولى من التعليم الثانوى .
وينتج عن هذا كله اننا في حاجة اكيدة الى تكوين عدد جسيم من المعلمين لا لتعمير الاقسام الجديدة فحسب بل لاسناد خطة التدريس لاهلها ورفع مستوانا الثقافى .
تكوين الاساتذة : تعليمنا الثانوى فى حالة فقر اشد وأتعس ، فهاك جدول الاساتذة الذين كانوا مباشرين للتعليم بالمدارس التابعة لوزارة المعارف فى شهر اكتوبر المنصرف - اقول " كانوا " لان عددهم نقص بمغادرة بعضهم التدريس واتجاههم نحو خطط اخرى .
المبرزون .......... المجازون .......... الملحقون بالتعليم ....... المعلمون المكلفون باقسام ثانوية .. المساعدون ......... الجملة ..........
الفرنسيون - 6 ١٨٤ ١٥ ٢٣ 7 - ٢٣٥
التونسيون
في العربية 11 20 15 20 - ٦٦
فى غير العربية 1 ٣٨ 8 2 2 - ٥١
الجملة 18 242 38 45 9 - 252
ولا فائدة في التعليق على هذا الجدول وفصاحته مقنعة . بكفي ان تنظر الى عدد الاساتذة التونسيين فى غير العربية : مبرز واحد وثمانية وثلاثون موزعون على جميع الفنون ( الرياضيات والطبيعيات والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية ...) اما التعليم الثانوى الزيتونى فهو ما زال يتطور مفتشا على حال ثابت يستقر فيه- والفنون العصرية تهاجمه وتتراكم عليه وهو لا يحد ما يلزمه من المدرسين . فاضطر الى استعطاء الساعات الرائدة ممن يجود بها عليه والتحاقه بمصلحة التعليم الثانوى بوزارة المعارف سيزيد فى حيرة هذه الادارة التى يجب ان تفكر :
١) في تعمير البقاع الشاغرة وعددها ما انفك يزداد . اخذت الحكومة من المدارس الثانوية والزيتونة ما لا يقل عن خمسة عشر استاذا وشاهيتها لهذا الصنف من الطعام مازالت طيبة ! نعم ! اننا فى حاجة اكيدة الى رجال الثقافة اذا اردنا ان نسند المناصب العليا لاهلها وان نلقى المسؤوليات على كاهل من يقدر تحملها . لكن افراغ التعليم من ليه سقضى عليه اذا لم ننتبه فى الحال الى هذا الخطر ولابد لوزير المعارف من ايقاف هذا الامتصاص ، وانا اوقن انه يشعر بهذا الخطر جيدا ويعمل لالفات نظر الحكومة الى ما ينتج عنه ، خصوصا وان هناك من الاساتذة الفرنسيين من قرر الرجوع الى بلاده ومغادرة التعليم التونسي ، وتعويضهم مشكل لا بد لوزارة المعارف ان تجد له حلا قبل غرة اكتوبر المقبل .
2) فى ايجاد المدرسين اللازمين للاقسام الجديدة التى ستفتح فى مستهل كل سنة دراسية بداية من اكتوبر المقبل ، وهذا العدد سينمو كل سنة لتلبية دعوة المقبلين على التعليم ، خصوصا عندما نشرع فى إيواء الاطفال المحرومين من الدراسة .
٣) في ايجاد المدرسين اللازمين لتكوين المعلمين الذين نحن اليوم في حاجة اكيدة اليهم . ان مدرسة ترشيح المعلمين التى لا تنشئ اكثر من ثمانين معلما كل سنة تشغل سبعة عشر استاذا واربعة معلمين ملحقين بالتعليم الثانوى . فاذا اردنا ان نكون ( ٢٣٤ ) معلما كل عام زيادة على ما تنتجه واذا فرضنا اننا لا نأخذ الا ربع هذا العدد ، اي ( ٥٨٥ ) معلما من مدارس الترشيح ، وجب
ان نوجد كل سنة(21*58580 = 154) استاذ!! فاي سبيل سنسلك؟ ٤ ) في ايجاد المدرسين اللازمين في العلوم العصرية للاقسام الزيتونية : ان
عدد التلاميذ المنخر طين في الشعبة العصرية ما زال ينمو كل سنة والمكلفون بالتدريس فى هذه الاقسام مازال عددهم ينقص منذ اكتوبر المنصرم بتوجيه البعض منهم نحو مصالح اخرى - وعدد الطلبة الذين يزاولون دراستهم العليا بالكليات الشرقية والذين نترقب بفارغ الصبر رجوعهم ضئيل بالنسبة لما به الحاجة الاكيدة . وهل ينبغي ان نضحى بهذا القسم الهام من شبابنا وهو قطعة منا ؟ . . .
وقد يعسر بل يستحيل احصاء عدد الاساتذة الذين نحن فى حاجة اليهم- واذا علمنا ان الطلبة الذين يتممون كل عام الدراسة الثانوية بالمدارس وبالشعبة العصرية الزيتونية لا يفوق عددهم المائة بشئ يذكر واذا علمنا ان الذين يتجهون منهم نحو الكليات ويختارون خطة التدريس لا يبلغ عددهم عشر هذا القدر ، لان مهنة التدريس لا تسمن ولا تغنى من جوع بالنسبة للمهن الاخرى ، والحرة منها بالاخص ، فادا علمنا ذلك راعنا امرنا واملى علينا ضميرنا ان نلفت ذوي الامر منا الى خطورة هذا الحال عليهم يفكرون عاجلا فى اتخاذ التدابير اللازمة في هذا الشأن . ليست الاساتذة آلات تصنع بتسلسل في المعامل ! ونحن لا نرضى ولن نرضى باسناد خطة التدريس لغير اهلها ولابد من توفر شرط الكفاءة التي لها حد ادنى لا تقبل النزول دونه .
اجل ! ان جسامة مشكل التعليم الابتدائي تفرض علينا الاكتفاء باقل ما يمكن من المستوى الثقافي ومرحبا بكل من فى امكانه ان يعلم - اما التعليم الثانوى فهو المكلف بتكوين الطبقات المثقفة المنورة وتهيئة النخبة اللازمة للادارة ، فحرام علينا اذا تساهلنا وتجاوزنا الحدود . نعم! ان الشهائد العليا لا تضمن دائما البراعة المهنية لكنها تنبئ بمستوى ثقافى وبتعمق في المعرفة لا بد منهما لمن اراد ان يدرس فينفع وينتج .
تعريب التعليم : تعريب التعليم لازم بلا ريب ولا يناقشنا احد فى وجوبه ، فيه نوحد تعليمنا المبدد ، وبه نحافظ على لغتنا التى هى عنصر جوهرى لازم لتدعيم قوميتنا . لكن كيف الوصول إلى هذه الغاية ؟ هل نتبع من نفذ صبره فنادى بالتعريب توا وفي جميع المراحل ؟ هذه صيحة من تغلبت عليه شهواته فطمست بصيرتة على خطورة المسلك . فمن كان في سفينته واعياه السفر لا يلقى بنفسه فى البحر كلما رأى شاطئا عن بعد ! التعريب الحقيقى الذى يحافظ على مستوى
الثقافة مشكل علينا ان نحدد اتساعه وان نفتش على حلوله المرضية وهذه الحلول تتوقف على ايجاد المدرس القادر والكتاب الصالح.
١ ) ايجاد المدرس : المدرسون المباشرون اليوم في مدارسنا الابتدائية والثانوية هم : أ ) الفرنسيون والتونسيون الذين ثقافتهم غربية خالصة ونصيبهم من العربية لا يذكر - وهذا النوع لا يصلح للتعريب ولسنا في غنى عنه اليوم .
ب ) التونسيون الذين ثقافتهم غريبة لكن نصيبهم من العربية اهل للذكر فهم اللذين لبوا دعوة الزيتونة عندما شعرت بحاجتها الى تدريس الفنون العصرية فكدحوا ما كدحوا واجتهدوا وابتكروا بقدر امكانهم وهم لا يزالون يبذلون الجهود القاسية في تعريب قنونهم . وأمرهم صعب عليهم لان براعتهم اللغوية لا تضاهى معارفهم العلمية فكلهم يعي المسائل الفنية جيدا لكن قلما يسعفه الحظ بأن يجد في حافظته او في الكتب النادرة التى بين يديه ذلك التعبير العربي الصحيح والمؤدي للمعنى بالتدقيق فهو يرحم على الجاحظ الذي قال في مقدمة كتاب الحيوان "... ان الترجمان لا يؤدي ابدا ما قال الحكيم ، على خصائص معانيه وحقائق مذاهبه ، ودقائق اختصاراته ، وخفيات حدوده ، ولا يقدر ان يوفها حقوقها ، ويؤدي الامانة فيها... وكيف يقدر على ادائها وتسليم معانيها ، والاخبار عنها على حقها وصدقها ، الا ان يكون في العلم معانيها ، واستعمال تصاريف الفاظها ، وتأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب وواضعه ... ومتى كان خالد ( ابن يزيد ) مثلا لافلاطون ؟..." وترجمة اللغة الفنية اعقد واعوص من ترجمة النصوص الادبية والفلسفية .
ج ) المدرسون الذين ثقافتهم أدبية ، عربية وفرنسية ، او عربية خالصة لا يفيدون تعريب العلوم العصرية الا بالقليل وذلك لعدم وعيهم المسائل الفنية البحتة .
فاذا اردنا ان نعرب التعليم الابتدائي والثانوي صادمنا فقرنا الفاحش في المعلمين والاساتذة القادرين على إلقاء دروسهم وشرح برامجهم بالعربية الصحيحة والتعليم العالي الزيتوني لا يزال جامدا في اشكاله العتيقة وخريحوه من نوع خاص لا يمكن اشغالهم الا بتدريس خاص معروف - ولا بد لنا من التأني وقطع المراحل والأكتفاء في بداية الامر بالاحوال الانتقالية.
٢ ) إيجاد الكتاب : لا شك أننا قبل ان نؤلف الكتب المدرسية نضع البرامج
ونقررها ، ونحن مازلنا في طور التحوير ولا يعلم احدنا ماذا ستكون هذه البرامج ومن ناحية اخرى فبالنسبة للعلوم العصرية يجب اختيار اصطلاحات قارة بوافق عليها الزملاء في كل فن . ونحن مازلنا في طور الاجتهاد الفردي وفي حاجة الى تنسيق اعمالنا والى الاتصال بالشرق لمشاركته فى هذا الميدان ولا نعلم ما سيبقى مما ابتكرناه وماذا سيلغي . والتاليف يتطلب ايضا فراغا من الوقت عير وجوده في هذه الظروف . فكلنا يشتغل بعدة مهمات واوقاته ضنكة لا يجد منها الا القليل لراحته والاعتناء بشؤونه . ويفكر البعض في حل مشكل الكتب المدرسية بتناولها من الشرق العربى وذلك حل مرضى بلا ريب ، لكن بشرط ان تكون هذه الكتب موافقة لبرامجنا فى روحها ومحتوباتها فالهيكل التربوي والثقافي بالنسبة للامم الحية الحريصة على المحافظة على نفسيتها واستقلالها انتاج قومي لا يستعار ولا يشترى ولا يكترى . وأملنا ان التآليف المدرسية القومية ستبرز شيئا فشيئا مسايرة لوضع البرامج ، وبفضل مجهوداتنا الفردية ومساعدة الحكومة .
التعليم الفني والتعريب : تعليمنا الفني ما زال فى خطواته الاولى والبطيئة ، ولا بد لنا من الاعتناء به كل الاعتناء . ولا يتحقق املنا فى ادراك الامم الراقية الا اذا كونا ما يلزمنا من فنيين او مهندسين فى جميع الميادين الفلاحية والتجارية والصناعية بشتى فروعها . ويتحتم علينا ان نوجه جزءا هاما من شباننا الى هذا التعليم لكى نتملك امرنا في هذه الميادين . وليس لنا اليوم الا من قل وندر من ذوى الكفاءة . اما تعريب هذا التعليم فهو في وقتنا الحالي من باب المستحيل ، فنحن فقيرون في مواد التعريب والمعربين او نكاد ، والهيكل اللساني الفني مدهش باكثر مما نتصوره .
التعليم العالي والتعريب : التعليم العالي القومي والمبني على قواعد عصرية ما زال في طور الانشاء في العقول والاحلام . لكن لابد من ان نفكر في انشائه الواقعي اذ ليس من المعقول ان نشيد المدارس ونضع البرامج الابتدائية والثانوية دون ان نعلم ماذا سيكون مصير شباننا بعد ذلك
وايجاد التعليم العالي وتعريبه ممكن في بعض المواد الادبية كالعلوم العربية والعلوم الدينية والتاريخ وبعض العلوم الفلسفية . . . . أما بالنسبة للعلوم العصرية التي يعسر احصاء فروعها فالتعريب ، باعتبار امكانياتنا ، من قبيل تهديم جبل شامخ بمطرق الساعاتي - لست مفرطا في التعبير والامر عال أمما اخرى قبلنا
عندما حاولت نقل هذه العلوم الى لغتها القومية . وكم من قوى انهدت وكم من عزيمة تحطمت في العدو وراء الامم الغربية التي ما انفكت تعدد الفروع الفنية والعلمية وتزيدها عمقا واتساعا . ونتيجة هذا العدو كانت الجمود في طور التقليد والنسخ . وكل امة ادركت هذا الخطر عدلت عن تعنتها واتخذت لغة اجنبية كأداة التدريس العالي في بعض العلوم العصرية او كلها . وهذا ما يقع في مصر والصين واليابان . . . . . .
واحسن طريق نسلكة هو ان نعرب التعليم الابتدائي والمرحلة الاولى من الثانوى ( الثقافة العامة )، ونفرع التعليم الثانوي في مرحلته الثانية الى شعبتين يتجه اصحاب احديهما الى الادبيات واصحاب الاخرى الى " العلوم " فيدرس القسم الاول برامجه بالعربية عندما نتمكن من إنشاء كلية الاداب المعربة ويدرس القسم الثاني برامجه بالفرنسية ويستمر في تعلمه بكلية العلوم او كلية الطب او كلية الصيدلة بنفس تلك اللغة . وليس هذا الحل بحل " التكاسل " ، ولولا ضيق نطاق هذا المقال لحاولت ان اعدد لك بعض الفنون والعلوم العصرية بشتى فروعها ، وان اعطيك فكرة في جسامة الحجم اللفظي المدهش الذي اكتسبه كل فرع ولحاولت ان اقنعك ان ما عرب ببلادنا وحتى بالشرق العربي فهو بالنسبة لهذا الهيكل اللغوي و شل من محيط ولاكتف بهذا المثل البسيط : الكيمياء العصرية تتفرع اليوم الى كيمياء عامة ، وكيمياء معدنية ، وكيمياء عضوية ، وكيمياء فيزيائية ، وكيمياء بيولوجية ، وكيمياء تطبيقية ، وكيمياء صناعية ، وكمياء فلاحية . . . . وكل فرع له تعبيره ولغته ، وعدد الالفاظ والمصطلحات في نمو مستمر . فالاجسام التى تدرس مثلا في الكيمياء العضوية بانفرادها يكاد يفوق عددها المليون!....
نحن اليوم امام المسؤوليات وسيحاسبنا التاريخ . فاذا تبصرنا وتربصنا واتينا الامور من ابوابها كان عملنا مثمرا و سار بأمتنا الى المشاركة في الحياة العالمية والى الرقي والازدهار اما اذا خضعنا الى شهواتنا ، وانحنينا تحت ضاغوط التعصب و " والديماغوحية " ، فحظنا حظ من اختطفته الزوابع وطارت به فهو لا يعرف في اي هوة سيلقى ولا فى اى بحر سيغرق ولا في اي صخراء سيتيه ولا في اي جحيم سيصلي! . . . . .
