الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 678 الرجوع إلى "الثقافة"

استهوتنا مخاطر الصحراء

Share

يذكر الرحالة المرحوم أحمد حسنين باشا في كتابه " في صحراء ليبيا " الصحراء فيصفها بقوله : " الصحراء ساحرة جذابة . إذا عرفتها تعلقت بها نفسك أبد الدهر ، ولكن ليس من السهل أن تدرك سر سحرها ، ولا سبب خلابتها . بل كل ما تعرفه أنها تناديك فينفذ نداؤها إلي صميم قلبك . وتدعوك فلا تلبث أن تشد الرحال إليها صاغرا . . وفي تلك اللانهاية الساكنة يصفو الجسم والعقل . وتنقى الروح . فيشعر الإنسان بأنه أقرب إلي الله عز وجل . ويحس وجود قوة ظاهرة ليس لقوة اخري أن تحول قلبه عنها . ويتسرب إلى نفسه الإيمان بالقدر الغالب . والاعتقاد بحكمة ما كتب الله . . أجل قد يكون للصحراء متاعبها . ولها أيضا ملاذها . وهي التي تستهوي عشاقها . وتجذبهم إليها . إفتتن بها كل من جاب فيافيها . إفتتن بعظمتها المتمثلة في فضائها الواسع . وسكونها العميق . وحياة التنقل المحفوفة بالمخاطر . بل هي تلك المخاطر نفسها التي تفتنه . بل يفتنه الوت المنتشر في كل بقعة من بقاعها .

هكذا كان شأننا وحالنا ، عندما عزمنا على زيارة دير الأنبا انطونيوس ( ١ ) في شهر ديسمبر سنة ١٩٢٢ - فتكبنا الطريق السهل السوي . وأبينا إلا سلوك الدرب المجهول الوعر . لقد جذبتنا إليها الصحراء ، فكانت العادة الفاتنة الساحرة القاسية الجافية كما وصفها الرحالة حسنين باشا . غبست

لنا فما كان أقسى عبوسها . وتبسمت لنا . فنسينا متاعبها وآلامها . وقبلنا عذرها . ثم لم نلبث أن عاودنا حبها .

لا أدري الآن ، وقد انقضي علي قيامنا بهذه الرحلة تسع عشرة سنة كاملة كيف أمكننا الوصول إلى الدير سالمين ، كما لا أدري كذلك لماذا خالفنا نصيحة الرجل الطيب المجرب صول الهجانة بنقطة المعصرة في ذلك الوقت . فقد قال - وهو يحذرنا من مغبة هذه المجازفة - إنكم لمقدمون على رحلة طويلة شاقة . فالمنطقة بين حلوان والدير صحراء جرداء ، يغطي سطحها رمال تغوص فيها عجلات السيارات وترتفع في أرجائها سلاسل من جبال وتلال . تذهب طولا وعرضا في جميع الجهات ، تخترقها وديان وأخاديد لا حصر لها يضل في مسالكها الهجان الخبير . وستعوق تقدمكم كثبان الرمال ورخاوة الأرض في بطون الوديان . والصحراء بعد بلدة الكريمات غير ممسوحة . والطريق فيها غير مرسومة . فالخرائط لا تنفعكم . ووادي العربة نادر الماء شديد الحرارة . كثير المنعطفات والحزون ، مجهد للسيارات ، والدير تحجبه مشارف جبل القلالة القبلية . ويدق على النظر البعيد ، فالأهتداء إليه عسير . ونصيحتي إليكم ألا تغامروا بأنفسكم وسياراتكم في هذا التيه العظيم .

قال لنا الصول هذا الكلام وأكثر منه . ولكن من الغريب أن يكون لتحذيره هذا في نفوسنا نتيجة عكسية . فبدلا من التقاعس والتروي ، اندفعنا في إعداد الرحلة بحماسة وشوق شديدين . وكأن وادي العربة - هذا النية العظيم كما قال الصول - قد استهوانا فبتنا دائبين على إتمام الرحلة ، غير آبيهين لنذير أو تحذير .

وتم الاستعداد للرحلة . فخرجنا من حلوان والساعة نصف الليل ، نشق طريقنا وسط ظلام دامس وسكون

شامل ، وضباب كثيف مخيم على الوادي . وكنا خمسة في سيارتين ، وبعد قليل وصلنا الطريق الزراعي المؤدي إلى بلدة الصف جنوبي حلوان . وقبيل الفجر وصلنا بلدة الكريمات ، ثم مال بنا الطريق نحو الشرق . ودخلنا منطقة الرمال ثم أخذنا نرتقي هضبة المقطم . ثم أشرقت الشمس . وانقشع الضباب وانكشفت الصحراء . وعند الضحى ظهرت جبال الفلالة القبلية في الأفق البعيد جهة الجنوب الشرقي . ثم انحدرنا إلي واد عميق

كان كل شئ حتى هذه الساعة وفق المرام . ولكن لم نكد ندخل الوادي ونتقدم فيه ، حتى قامت أمامنا العراقيل وتوالت المشقات والمتاعب . وأصبحنا لا نخرج من مأزق إلا لنقع في غيره أشد منه وأصعب . وغرزت منا السيارات عدة مرات . واحتاج إخراجها في كل مرة إلى مجهود وإضاعة وقت ، وإسراف في البنزين والماء . ثم دخلنا منطقة من الوهاد ، والهشاب والجاد ، وكثبان الرمال ، بقينا نضرب فيها طولا وعرضا علي غير هدى مدة ساعتين .

وأخيرا انتهينا إلي جرف ضيق ، تعذر علي السيارات المرور فوقه . فحاولنا الرجوع . ولكن تعذر ذلك أيضا . وكادت السيارات في هذه المحاولة تسقط في الهاوية .

كان قد أنهكنا التعب ، وأضنانا الجهد ، فارتمينا علي الأرض بجانب السيارات ، خائري القوي من شدة الإعياء . وكان حال السيارات كحالنا ، قد أجهدها السير الطويل الشاق أيما إجهاد ، فحديدها ساخن يطقطق . ومقدمها جائش يزفر ، وجسمها يرتجف كالحموم .

أصبح التقدم بعد ذلك مستحيلا ، والتراجع كذلك مستحيلا . وقد استنفدنا نصف ما كان معنا من البنزين ، وضاع معظم ما كنا نحمله من الماء في مبردات السيارات ، وانتصف النهار ، وأضنانا التعب ، ولا ندري أين نحن في هذه الفيافي والقفار ونهار الشتاء قصير ، ومكاننا مجهول ، والدير في ثنايا الوادي مستور ، والصحراء قاسية ، والحياة غالية ، والبأس قاتل ، ولكن عابر الصحراء كراكب

البحر ، متوكل على الله ، ملحوظ برعاية الرحمن . فتهديء العناية من روعه ، إذا ما اضطرب جنانه وحاق به الكرب ، وتلهمه سداد الرأي . إذا ما داخلته االحيرة ، واختلط عليه الأمر ، وتقوده في سبيل السلامة ، إذا ما ضل الطريق ، وانقطع به حبل الرجاء وتبعث فيه القوة ، إذا ما خارت عزيمته ، واستولى عليه القنوط .

فلم تكن إلا دقائق معدودات ، حتى صاح بنا العريف : يا رفاق ؛ الحركة بركة . والقعود خور ، والنكوص هزيمة ، فهيا إلى العمل . فتفرقنا في الوديان ، نبحث ونستكشف ثم عدنا بعد ساعة ، وقد توطد عزمنا على تخليص السيارتين ، ومواصلة السير ، مهما كلفنا الأمر .

كان لابد - لتخليص السيارتين - من إدلائهما إلى الوادي من ارتفاع خمسين مترا أو يزيد . فجئنا بحبل متين كان معنا . وربطنا طرفه بمؤخر إحدي السيارتين . ثم ركبها أمهرنا قيادة . ودفعنا بها إلى المنحدر . على جانب الجبل فأخذت تترنح ذات اليمين ، وذات الشمال ، مرة تنزلق .

ومرة تنحدر . ومرة تهوي . ونحن من خلفها متشبثون بالصخر . ممسكون بالحبل . بعزم شديد ، بين جذب وشد مرة ننكفئ على وجوهنا . ومرة ننتصب واقفين . ومرة ننسحب على ظهورنا . ودام الحال على ذلك مدة نصف ساعة حتى وصلت السيارة . ووصلنا معها إلى قاع الوادي سالمين .

وقد تسلخت أيدينا وسواعدنا . وتقرحت أرجلنا . وتمزقت ملابسنا ، ثم عدنا إلى السيارة الأخرى غير مبالين بما أصابنا ففعلنا بها مثل ما فعلنا بالسيارة الأولى . ثم استأنفنا السير . شاءت الأقدار بعد هذا الحرج أن تتصلح الأمور ، فنصل إلي مجري الوادي الكبير ، من غير كبير عناء . وتعثر علي الدرب اتفاقا . وينكشف لنا الدير على غير انتظار ، ونهتدي إلي الطريق المؤدي إليه باسرع مما توقعنا . ثم وصلنا الدير في الأصيل . بعد خمس عشرة ساعة ، وكانت من أشق ساعات العمر وأصعبها ، فرحين بالسلامة ، وبالوصول إلى الغاية .

اشترك في نشرتنا البريدية