الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 202الرجوع إلى "الثقافة"

اسكندر الإسكندرية :، الدين عند الأغريق

Share

لم يجر الإغريق في دينهم إلا في السبل التي جري فيها سائر الامم من الأقدمين . فهم تدرجوا في معني الله ، أو الآلهة ، كما تدرج هؤلاء . فهم عبدوا مظاهر القوة من الطبيعة أولا . ثم نفخو الروح في تلك الظواهر فجعلوا منها الهة تعمل وتريد ، كما يعمل الإنسان ويريد ، وتدرجوا في صفة هذا الإنسان الرب ، أو هؤلاء ، الأناسي الارباب ، صعودا كلما زادوا ثقافة ، حتى بلغوا بصفاتهم ذروة الكمال ، كالذي يفهمه بنو الإنسان من الكمال وذروته .

وكان هذا التدرج مطرد الخطوات ، واحد الميل في اتجاهه ، فلم يصبه ما أصاب الأمم عند ما جاءتها الرسل تلغي قديما وتثبت جديدا . فكان أن اجتمع عند الإغريق في أوج مجدهم ، في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد ، مجموعة من الآلهة تتمثل فيها أدوار ذاك التدرج من بدئه إلي منتهاه كالأمم تغير من أزيائها القرن بعد القرن ، في

تسلسل واطراد ، وفي تراض عن زي قديم وزي مستحدث ، فيجتمع لديها في القرن الأخير مجموعة من الأزياء تراها تتحرك في الطريق ، فتحسها بعض محفوظات المتاحف قد ضافت بلبسها الطويل وراء زجاج الصناديق ، فشقت طريقها إلي المدينة الحية لتأنس فيها بصحبة الأحياء

فلا شك أن الأغريق عبدوا فيما عبدوا الشمس والقمر والنجوم ، وتلك القوي الخفية التي يتمثلها الإنسان في ظلام الغابة ، وفي أعماق الوادي الضيق السحيق قد أفعمته المياه الجارية حتى تعثرت فيه ، وفي الجبل الجليل الهائل يصرخ الصارخ في بطنه فيجيبه من كل جنب لسان ولسان ثم كان من بعد هذا التعبد أن ابتدعو ) آلهة تشرف على مصادر الخير للإنسان وتبارك فيها . ومن امثلة هذه إله المحراث ، وهو يزيد في غلة الأرض ويرعي الحصاد ؟ وإله القول وله من اسمه على وظيفته دليل وإله المطاحن ويقوم على طحن الحب فيباركه ويرعاه .

ولكن قوي الطبيعة ليست كل شئ في حياة الإنسان . ولكن الحرث والزرع كل مطالبه من هذا الوجود . فهناك الأسرة ، وهناك الجماعة ، وهناك الآخذ والعطاء بين الناس أفرادا ، وهناك الأخذ والعطاء بين الناس جماعات ، أي هناك الوجهة الأخلاقية من حياة الشعوب . وهناك الوجهة السياسية في حكم الشعوب وعلاقة ما بين الشعوب . فمن يري الأخلاق ؟ ومن يرسم للناس أنموذج المعاملات ؟ ومن يرعي القانون الذي تصنعه الدولة ومن يسبغ عليه معني الحرمة والثبات ؟ ثم نفس الإنسان ذاتها من يهديها في طموحها العقلي إلي استكاء سر الكون وفك الغاز المعاني ؟ ومن يهديها في طموحها الوجداني إلي إدراك معنى الجمال في الكون وإخراجه من مخابته للناس مصورا في الحجر تارة ، وفي المداد تارة أخري ؟ إذا فلا بد من آلهة أرقي من إله القول وإله

الطحين . ويبتدع الفكر الإغريقي صنفا من آلهة جديدة أو هو بغير من صفات آلهة قديمة حتى تكون أشبه بالوظائف الجديدة التي اختيرت لها . فلتجمع عند الإغريق مجموعة لا بأس بها من آلهة عظام يسكنونها مكانا وسطا بين الأرض والسماء ، على قمة جبل عال إسموه بالأولميس ، ارتفع حتي فات السحاب ، ودخل في الهواء الأرق الأصفي حتي بلغ الاثير . فهذا مكان الآلهة المختار ، بل هو بلاط إلهي يتربع فيه رب الارباب ، الرب الاكبر زيوس Zeus، ومن حوله الآلهة إلا لي هم دونه ، لكل منهم من بلاط عظيمهم مسكن ومقام . وكان لهؤلاء الآلهة غير هذا البلاط مساكن أخرى من الأرض ، خاصة ، يرتادونها ، لاسيما مواطن رعايتهم من شئون الإنسان . ولكن أولميس مرجعهم أجمعين ، ففيها يتشاورون ويتسامرون ، وفيها يولمون ويفصفون .

وليست هذه الآلهة أرواحا تدرك أو معاني تخال ، ولكنها أشباح ذات أرواح . كأشباح الناس وارواحهم ، وهم حقائق تلمس ، وذوات تخاطب ، فهم كالناس إلا أنهم أجمل وأحكم ، ولهم أرواح غير فانيه ، وأجسام إلي الأبد باقية

وأعطت الإغريق آلتهم من الجمال بمقدار ما فهموا من الجمال ، فكلما زاد حس الإغريق بالجمال زاد حظ الآلهة من الجمال . وأعطوا آلهتهم من الحكمة بمقدار ما فهموا من الحكمة ، فكلما زاد الإغريق حكمة زادت الآلهة علما وزادوا فهما . فكانت الآلهة كصور المرايا ، لا وجود لها ، ولا ثبات لصفاتها ، إلا بمقدار ما تعكس عليها صور الإغريق انفسهم من صور للعقل وصور للجمال

من أجل هذا لعب الفن والأدب الإغريقى دورا كبيرا في دينهم . وقد قالوا إن الدين الإغريقي خلق الفن والأدب عند الإغريقيين ، أو هو أيقظ ما فيهم من جرثومة للأدب وجرثومة للفن ؛ ولكن أصدق من هذا أن نقول

إن فن الإغريق وأدبهم هو الذي خلق دينهم ، فالشعراء والفنانون هم خلقوا الآلهة . وشعر الإغريق شعر جميل لا يخلق إلا الجميل من المعاني ، وفنهم فن بر فنون القدماء جميعا . فهذا الفن الجميل والأدب الجميل خلد الإغريق ما خلقوا من آلهة ، هن أوعية فوارغ ، أفرغوا فيها من ثمرات الذهن ومنتع القلوب كل شهي عندهم مستطاب

والإله الاكبر من آلهتهم ، أو إن شئت فالوعاء الأوسع من أوعيتهم ، كان زيوس . فهو إليه السماء ، وهو إله الهواء ، وكل ما اتصل بهذين من الظواهر والأشياء

فهو إله الشهب ، وهو إله الريح والمطر والندي . ولكن انبه صفاته أنه إله الرعد . وهو كذلك إله الأرض وما يخرج من نبات . وكيف ينزل المطر ولا ينزل إلي الأرض ليشرف عليها وهي تجود بالخيرات والثمرات ، فهو إذا إله الزرع والثمر .

ووصلوا لأزيوس ؟ بحياتهم الأخلاقية وحياتهم الاجتماعية

فأنكروا على لسانه اليمين الكاذبة ، والعهد المنكوث . وكانوا في أول امرهم لا يرون في قتل الأنفس إجرا كبيرا ، إلا أن يكون المقتول ذا رحم قريبة ، ثم يستيقظ إحساسهم لفظاعة الجرم وقداسة النفس الإنسانية ، فيصبح زيوس حامى الأنفس ، وإليه رجع الجناة في طلب الرحمة والغفران . وكان الإغريقى الواحد يتزوج الإغريقية الواحدة لايتعداها إلي الاثنتين والثلاث . وهكذا كان زواج زيوس بهيرا Hera، واحدا بواحدة . فهي زيجة السماء انعقدت انموذجا لزيجات الأرض . وصار زيوس وزوجه في السماء يرعيان كل عقدة تنعقد في الأرض علي هذا المثال . وادركوا معني الأسرة في بناء الامة ، فاجتمعت الأسرة عند مذبح زيوس الرب

تتعبد ، وتدعو راعي الأسرة ان يديع هناءها ويوثق رباطها . وهو الذي وثق واجبات الآباء للآبناء ، وواجبات الأبناء للآباء ، وحقوق هؤلاء وهؤلاء . ومن الأسر تدرجوا إلي العشائر ، ومن العشائر تدرجوا إلي المدينة فزعمها أسرة كبيرة تتصل بوشائح القربي ، فصار للمدائن

آياه من الآلهة . والفروع القبلية الكبرى ، وهي تتضمن المدائن ، لها هي الأخرى آباء . فزيوس إله الدوريون ، وأبولو Apolloإله اليونانيين . ولكن زيوس أبو أبولو ، فزيوس إذا أبو الاباء ، فهو الوالد الأول " وهو " الاله الوالد " ، لا بالمعنى المجازي ، بل بالمعنى الجثماني الطبيعي .

وأدخلوا الآلهة في السياسة يحمون أنظمتها ، ويقرون قوانينها ، وتقدم الآلهة في هذا الاله الأكبر زيوس ، وابنته أتينة ، وابنه أبولو . وامتاز الأولان بحضورهما مجالس الدولة ، يوحيان لأعضائها الحكمة ، ويلهمان رجالها صدق الرأي وسواء السبيل

أما أبولو ، رب الرياضة ، ورب الشباب ، ورب الموسيقى والأغاني ، فقد لعب في سياسة الإغريق في كل

الأزمان دورا لم يدانيه فيه مدان . ذلك بأنه كان رب الكهانة وعلم الغيب . وكانت له المكهنة الشهيرة بمدينة دلف Delphi يحج لها السوقة والملوك ، يستنطقون الرب في أمورهم ، ويستوحونه ، لا في شئون معاشهم فحسب ؛ بل كذلك في كل شأن كبير أو صغير يتصل بدينهم أو سياسة دولهم . وحج إلي هذه المكهنة الاغريقيون وغير الإغريقيين . واستوحاها الإسكندري ايضا وهو المقدوني . وكانت الكهنة في داخل معبد افلمو لأبولو . وعلي مقربة من المعبد تمثال هائل اقاموه لرب المعبد . ومن حول المعبد والتمثال أقامت دول الإغريق المختلفة معابد صغري ، لكل دولة معبد بمثلها ، كانت أمثلة رائعة من البناء ، وكونت باجتماعها وبما تضمنته من تماثيل ورسوم متحفا رائعا من متاحف الفنون .

وما كان صوت الرب إلا صوت الكهنة ، ولكنهم كانوا قوما عالمين بأمور الدنيا وأمور الدين ، فكانوا في أكثر الأمر موفقين فان لم يوفقوا ، ففي صبغة الكهانة كان إبهام دائم وليس يأذن للسامع أن يفسره على هواه ، ويأذن للكهان أن يحتملوا فيه عند اعتذار من خطأ وقع الرب فيه .

وعلى تعدد الآلهة عند الإغريق ، فالتأمل فيها لا يعدم ان يتبين معنى للوحدة يشبه في قليل معنى التوحيد عند بعض أهل الكتاب . فزيوس عندهم إليه السماء ، وهو كذلك إله الأرض ، وما الدنيا إلا سماء ، وارض . وقد تدخل بألوهيته في حياة الناس ، من معاشية واخلاقية وسياسية . نعم قد كان إلي جانبه آلهة اخري تختص عناصر من مناشط الإنسان ، وتختص بدائرة نفوذ في الأرض وفي السماء . ولكنه كان نفوذا محليا يخضع للمشيئة الأعم الأشمل ، مشيئة الرب الأكمل ، زيوس . حتى أبولو ، فهذا الذي كان يوحى به  في تكهنته على لسان القس ، لم يكن إلا صوت زيوس الأب ، به تنقل

إرادته وتحمل إلي الناس مشيئته . وعدا هذا فالارباب قد اجتمعت في اسرة ، ليس فيهم إلا ابن أو بنت او اخ أو زوجة . وفي هذا من معنى الوحدة ما فيه . وغير هذا دليلا ، صورة وجدت على آنية ، بها ثلاثة الهة ، زيوس

صورة على آنية عديمة عليها ثلاثة آلهة ، إله الآلهة زيوس ، وبلي يمينه لله بطن الأرض هاديس ، وإلي يساره إله البحر يوصيدون .

في أوسطهم ، وهو يتوجه بالحديث عن يمينه إلي إله الأرض الباطنة ، هادييس Hades. وإلى يساره إله البحر ، بوصيدون "Poseidon. وقد حمل كل سهم شارته الخاصة . ولكنه حمل معها شارة البرق أيضا ، شارة الإله الأكبر ، زيوس ، أعني أن الآلهة الثلاثة اندمجوا في الإله الواحد ، أو أن الإله الواحد تفرق على الثلاثة . فالثلاثة واحد ، والواحد ثلاثة . وهم جميعا إخوة لأب واحد . وفي كل هذا من اشتقاق المعاني ، باديها وخافيها ، ما فيه .

واختلف دين الإغريق عن سائر الآديان ، وعلي الأخص ما جاء بعده من أديان ، بأنه لم يكن دين دعاية وتبشير ، فلم تدع أحد إلي دخوله أحدا . بل علي النقيض من ذلك ، كان لا ينتظر أن يستأذن على الآلهة ، وان يدعو الآلهة ، غير كل إغريقي حر مختار . فالتعبد كان معزة الأحرار .

واختلف دين الإغريق بأن لم يكن له كتب مرقومة ،

ومبادئ محددة مسجلة معلومة ، تفرق بين حق وباطل ، وبين بياض وسواد وتلك الحكايات الطويلة العريضة عن الأرباب لم يكن فرضا ان يؤمن بكل ما فيها الناس . إنما كانت أكثر عناية الدين بطقوسه من دعوات وقرابين . فالي هذا الجانب السلبي من الدين الإغريقي ، إلى تلك الميوعة التي لم تسمح لشئ بأن يتجمد فيها انجماد الصخر ، يعزي تبجس الفك الاغريقى من تلك الينابيع الغمر من الفلسفة التي فاضت عمقا في القرن السادس والخامس قبل الميلاد . فالفكر الإنساني ، بما قد يأتي به من خير ومن شر ، أطلق حرا ، يفحص ما يشاء ، وينتج ما يشاء ، بلا قيود وبلا رقباء . حتي لصار التفكير الحر من صفات الالهة . من أجل هذا لم يقم بين الدين الإغريقي والعلم الإغريقي ، مثل ذلك الصراع الأحمر الذي قام بين الدين النصراني والعلم النصراني . وعلى تغلغل الدين عند الأغريق في كل مرفق من مرافق الحياة عند الفرد ، وفي كل ركن من أركان الدولة عند

الحكومة ، فقد ظل إلي آخر أيامه خادما لا مخدوما ، ومسودا لا سيدا . والكهان كانوا من خدام الدولة ، ومنها يؤجرون .

ولم يعد إطلاق الفكر ، ولم تعد الفلسفة الحرة على الفكرة الدقيقية إلا بالخير . فقد اقترب الفلاسفة واقترب الشعراء - والشعراء من ذوي الفكر - إلي معني الوحدة الإلهية ومعنى التوحيد أكثر مما اقترب رجال الدين . فأكثر أولئك امنوا بقوة كاملة شاملة ، نعم الكون ، " هي في كل مكان ، وهي في كل زمان " . ومنهم من أسماها زيوس . ومن هؤلاء ، أفلاطون . ومن هؤلاء ، شاعر الإغريق التراجيدي الأكبر ، إسكسيلوس Aeschylus قال في إحدي مآسيه : " لقد وضعت الأشياء كلها في الميزان ، فلم أر فيها إلا وزيوس ، مهما يكن من مدلوله ومعناه ، فإن كان هذا الإسم أحب إليه ، فلن ادعوه باسم سواه.

اشترك في نشرتنا البريدية