الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 201الرجوع إلى "الثقافة"

اسكندر الاسكندرية، فكرة الله، كيف تطورت عند الامم

Share

ينظر العلماء ، إلي الأشياء ، يفحصونها من هذه الوجهة ، ثم من هذه ، ثم من تلك ، وهكذا حتي لا يكون فيها ما يستأهل الفحص ، أو حتى ان تعجز اداة فحصهم عن بلوغ تلك الوجهات . فإن فرغوا من فحصها في المكان بدأوا فحصها في الزمان ، بداوا دراسة : كيف هي اليوم من امس ، ثم كيف هي امس من امس الامس ، إن كانت مما يتم تغيره وتبدله في اليوم واليومين . أو كيف هي هذا القرن من القرن الذي مضي ، فالقرن الذي سبق هذا . إن كانت مما يتم تبدله وتغيره في القرون . ويسمون هذا

التغير نشوءا أو تطورا . وقد يعجزون عن دراسة هذا التغير في الشئ الواحد ، لأنهم لا يطاولونه عمرا ، فيدرسون في الزمن الحاضرا أشياء ، واحدة هي سواسية في حضورها ولكنها مختلفة في أعمارها وأدوارها وأطوارها . وقد تكون الأرض قد طوت هذه الأشياء في طبقاتها كما طوى الزمان قرونه ، فينقبون عنها في بطن الأرض طبقة طبقة ، وكل طبقة هي حياة قرن ، فكأنما يكشفون من كتاب من التاريخ بال تأكلت صفحاته واستحال بياضه ، ولكن في تلك الصفحات بقية من أسطر كثيرا ما تؤدي معاني كاملة للعين التى اعتادت ان تقرا خط الأيام والليالي في الحجر والتراب .

وفكرة الله ، وهي ليست من المادة في شيء ، بحثوها بحث الشئ الملموس الموزون . وبحثوها في الحاضر ، في أجناس من الناس تعيش بأجسامها في القرن العشرين ، ولكنها تعيش بعقولها في الماضي الجديد والماضي القديم درجات متفاوتات ، فكانهم الأجيال الإنسانية حشرت

معا في الحاضر حشرا ، أو كانما هو الكتاب بدت لك صفحاتة ، لا متلاحقة على عادة الكتب ، ولكن متجاورة كما تبسط الخرائط بعضها إلي جانب بعض . وبحثوا فكرة الله أيضا في الماضي ، في بطون الأرض ، بالتنقيب عن آثار الأمم . ومن حسن حظ المؤرخ أن تلك الأمم جرت على تجسيد أفكارها ، بتصوير الحجر تارة ، ويتزويق الآنية تارة أخري ، حتى وبالكتابة والنقش أحيانا .

وما أقوي خيال الإنسان الذي يجمع من ذلك المبهم البالي ، وهذا الحاضر الشتيت ، ومن نفسه وهو يفكر أيضا ، صورة لفكرة الله كيف بدأت ، وإلي أي شئ تناهت

فالتأليه بدأ عند الإنسان لما خرج بفكره عن حظيرة نفسه ، وعندما بدأ يرتقي درجات الثقافة الأولى . ويتطور إدراكه تطورت فكرته في الالهة أو في الله حتي صارت إلي ما هي اليوم .

والتأليه عبادة ، والعبادة في صورها الصغري إعجاب واحترام ، لهذا عبد الإنسان أول ما عبد اشياء الكون عظيمها وصغيرها ، ومظاهر الطبيعة الكبرى جليلها وحقيرها ؟ فعبد الشمس وعبد القمر وعبد الجبال وعبد الانهار ؛ وعبد الآبار وعبد الأشجار ؛ وعبد النور وعبد النار ؛ وعبد الرياح والأمطار وعبد لهيبا يتفجر من الأرض ، ولهيبا ينقدح في السماء وعبد مظاهر القوة بادبها وخافيها . ورأي في هذه الخير فعبدها بخيرها ورجاء نفعها . ورأي في هذه الشر فعبدها لاتقاء شرها . وعاش في احضانها جميعا ، وهو لا يكاد يعقل مما تفعل أو كيف تفعل شيئا ، فرأي أن يعيش في سلام مع الطبيعة ما عاش في أحضانها

وليس بدعا أن يترجح عند العلماء أن تكون الأرض أول ما عبد الإنسان ، فالأرض منبت الطعام ومصدر الثمرات ، وتبينوا أن الشمس مصدر الإخصاب فعبدوا الشمس . وان السماء تأتي بالماء فعبدوا السماء ونظروا إلي المرأة يخصبها الرجل بمائه . وإلي الأرض تخصبها السماء

بمائها ، فراعهم سر هذه الولادة وسر هذا الإبلاد ، فقالوا : إن إله الشمس ذكر ، وإن إليه الأرض أنثي . وتصوروا الآلهة كما تصوروا انفسهم ، فزاوجوا بينهم ، وأولدوهم بنين وبنات . وكانت الآلهة عديدة فزادوها بذلك عددا

وفي رجاء خيرها ، وفي دفع شرها ، ذبحوا الذبائح وقربوا القرابين ، وعزموا  العزائم ، وعوذوا بالرقي .

وتفرغ قوم منهم لهذه الناحية الروحية من معاش الناس لما اتسعت دائرتها وتعددت شواغلها ، فكانت طائفة الكهان ، فقامت تزيد العبادة تنظيما وترتيبا ، وتزيد وسائل التقرب قدرة علي اذكاء روحانية  العابدين ، وزيادة غموض في صفة المعبودين . وبإعطاء الآلهة صفة الرجال والنساء ، أعطوهم أيضا أحداثا تجري للرجال وللنساء . فكان لكل إله تاريخ ، ولكل أحدوثة وأحاديث ، أو أقصوصة وأقاصيص ، صار علمها عند القساوسة يعملونها الناس . وكان كثير منها شعرا خالصا ضمن لها الخلود . مثال ذلك قصة أوزيريس ، رب المغرب من أرض مصر ، وما المغرب عندهم إلي مدائن الأموات . فقد تزوج أرزيريس ايزيس ، وكان له منها ولد أسموه حوروس . وكان سبت رب الظلام والسواد فقام بينه وبين أوزيريس شجار قضى فيه أوزيريس . فحزنت إيزيس على زوجها حزنا شديدا ، وخرجت تبحث عن جثة زوجها فوجدتها أخيرا ، ولكن أجزاء مزقها رب الظلام ونثرها في أرض مصر ففرقها عليها تفريقا . فعادت تحزن من جديد ، وخرجت تبحث عن جثة زوجها من جديد ثم تنتهي القصة بأن يلقي حوروس ، ابنها ، رب الظلام فيثأر لأبيه

ولم تكن الديانات في أول امرها تعني بتخلق الناس في حياتهم ، ولا بعاملاتهم ، ولا بالسياسة ينتهجها حكام الناس في إدارة شؤونهم . ولكن رويدا رويدا

دخلت هذه الأمور فيها حتي صارت جزءا لا يتجزأ من الدين . ومن الاديان ما بقي عهودا طويلة قاصرا على صلة الناس بالآلهة ، دون صلة الناس بالناس

وكان لكل قبيل من الناس آلهة . وكانت الناس في العهود الأولى تعيش جماعات جماعات ، كلها صغير . فلم يكن للأمم وجود ، ولا للشعوب وجود . وكثرت الآلهة كثرة لا تحصى . ثم تطوروا سياسيا . واندمجت القبائل فاندمجت الآلهة ، واختصروها اختصارا . وساعدهم على هذا الاختصار ان الناس كانوا في توجههم إلى الطبيعة قد وقعو علي قوي منها واحدة اسموها اسماء عدة . فكل الذي فعلوه أن وحدوا الآلهة التي توحدت طبائعها . فإن عز عليهم هذا زاوجوا بين الالهة حتى لا يكون لقبيل على قبيل فضل ،

ومضي الإنسان يرسم مملكة السماء على ما يري من مملكة الأرض . وقد صارت شعوبا عظيمة ، وفوق كل شعب ملك واحد وله اعوان . إذا فهكذا يجب ان تكون مملكة السماء فاختاروا من اربابهم ربا اعظم واحدا هو رب الشعب الواحد ، أما سائر الارباب فهم له اعوان . فكانت هذه الخطوة الاولى نحو التوحيد . فمردق إله البابليين ، وأشور إله الآشوريين . ونيتب إله الحيثيين ، ورع آمون إله المصريين .

وعند هذا الحد من الترقي إلي معني الإله الواحد ، كان حسن التعامل بين الناس قد دخل في معني الدين وصار جزءا منه لا يتجزأ . كذلك دستور الناس الذي به يحكمون دخل في معني الدين فصار جزءا منه لا يتجزأ . وصار القانون كله لله ، والحكم كله لله . لا الله الواحد القهار الذي هو إله أهل الكتاب ، ولكن إله شعبي يحيطه وزراء من آلهة أخري دونه ، هم أسرته وأقاربه

ولعل أظهر صورة تتراءي فيها درجات هذا التطور الديني واضحة جلية هي تلك التي تركها الزمان مرسومة في

مصر في ظلام قبورها وحيطان قصورها ويعلون رمالها

ففيما قبل عصر الأسر كانت الأديان اختلاطا ، لا فهم بها ولا نظام فيها . ثم تأخذ آلهة المدائن تظهر . ثم يعمل قساوسة عين شمس على تقديم إلههم ، معبود الشمس رع ، حتى يتقدم الآلهة ، ومن ورائه ثمانية منهم . ثم تنتقل العاصمة المصرية من عين شمس Heliopolis إلي طيبة . وطيبة لها الهها آمون هو لها وحدها . إذا فآمون رع ، ورع آمون ، وإن اختلف اسماهما. ثم يأتي من بعد ذلك اخناتون ، فيريد أن يوحد آلهة الملك فيتخذ الإله آتون ربا واحدا ، رمز له بقرص الشمس تخرج منه اشعة عدة ، تنتهي بأيد عدة ، هي رمز لمناشط الإله في جنبات الحياة . ولم يرد أن يغضب رجال الدين أكثر مما فعل ، فأقر بالهتهم على أن تكون رمزا لتلك المناشط نفسها ، وان يكون الأصل الجوهر ربا واحدا . وأراد إخناتون أن يكون ربه روحا بلا جسم ، وفكرة بلا مادة ؛ وقرب له القرابين منحوتة فلم نجد عليها صورة لربه من إنسان أو حيوان .

فهذا هو الشأن في مصر . وهكذا كان الشأن في غير مصر . في بلاد الشرق الآخري التي شاد بها التاريخ وحفظت آثارها لنا الآيام . فقد كان أول الأمر عند السومريين والأكاديين والبابليين والأشوريين اخلاط من آلهة ، أو معان كأشباه الآلهة ، يختلط حابلها بنابلها ؛ ثم تتجسد الآلهة على القرون فتكون ذكورا وإناثا هي رموز وشارات لقوي الطبيعة في اختلافها ؛ ثم يتميز من بين هذه الآلهة إشتار ، " أمنا الأرض " ، ويتمثل فيها معني الخلق في الطبيعة والناس ، وتتمثل فيها على الزمن معاني الرحمة والغفران والعدل بين الخلائق . وتتألف حول بابل مملكة جامعة قويه متينة ، فيصبح مردق إله بابل ، وصاحب برجها ، رب الأرباب في المملكة جميعها ، أرباب الأرض وأرباب السماء . والأشوريون ، تنتهي بهم فكرة الرب في تطورها إلي أشور ، إلي الرب الواحد الذي

ليس كمثلة شيء ، إلي الرب الذي ليس برب مدينة ، وليس برمز لقوة من قوي الطبيعة ، بل هو رب اشورية كلها وكل ما اخضعته من أمم الأرض . والأشوريون أسياد الخلق ، فإلههم سيد الالهة ، فهو إله الناس أجمعين

ثم يأتي عهد بني إسرائيل ، ولهم ربهم يهوء بالعبرانية وكان ربا كمردق وآشور ، لا فرق بينهما وبينه . وكانوا في تعبدهم يتوجهون إلي الشمس والسماء . ثم يأتي موسي رسولا فيحسم الامر حسما ، ويقدم للناس ربا غير الذي عرفوه ، فرب موسي رب الناس اجمعين . وهو ليس برب الارباب ، فهو الرب الأوحد الذي ليس من رب سواء . وهو ليس بمادة ، وهو لا يتقمص المادة ليتشكل الأشكال ، بل هو قوة روحانية تملأ الوجود ، وتحكم الوجود . ولأول مرة في المعروف لا المقصوص من التاريخ صار الشرك كفرا . ولأول مرة صارت عبادة الطبيعة  قواها ومظاهرها ضلالة . ولأول مرة صارت عبادة الأوثان إثما وبغيا . وتتابعت الرسل من بعد ذلك لتزيد فكرة الله هذه الأخيرة ثبوتا .

وأخيرا جاء العلم الحديث فلم يدهش لشيء كدهشته لوحدة هذا الكون التي يراها في كل شيء ، فيراها في مضارب النمل في الأرض ومسارات النجوم في السماء

ولا يحسبن حاسب ان كشف العقل البشري فكرة الله كان أيسر من كشف البخار والكهربا . ولا يعيبن أحد رجال تلك القرون الأولى بأنهم لم يهتدوا إلي كشف الرب بخطى اسرع ، إلا إذا هو عاب أهل العصر الحجري بأنهم لم يكشفوا بخطي أسرع مخابئ الفحم من الأرض وما تضمنه صخر الأرض الأصفر وترابها الأحمر من حديد وكفي الإنسان الأول توفيقا أنه تدرج إلي معرفة الله بتأليه آثاره ، فما قوي الطبيعة إلا من آثار الله . وهل نحن في هذا العصر الحاضر نعرف من الله أكثر من آثاره ؟ وهل نحن في هذا العصر نعرف من الكهربا اكثر من آثارها ؟ وهل سبيل إلي معرفة الله ، وإلى تقديس الله ،

وإلي مزح كينونتنا بكينونة الله ، إلا بالتأمل والإمعان والاستغراق في آيات الله حيثما وجدت من هذا الوجود . " هو الذي انزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون . ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ، إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون . وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، إن في ذلك لآيات لقوم  يعقلون

اشترك في نشرتنا البريدية