أخى الأستاذ الزيات: ما هذا الذى نشرته فى مجلتك لبعض أدباء لبنان؟ وكيف جاز أن تقول:(إن فى الاطلاع عليه فائدة من جهة صوابه ومن جهة خطأه) وهو بعيد كل البعد من الصواب؟ أفى الحق أن أدباء لبنان ينافسون أدباء مصر؟
ليت ذلك كان صحيحاً. فقد شقينا من غير طائل فى البحث عن المنافسين حتى خشينا أن تفتر عزائمنا لقلة من نصاول ونقاتل من أقطاب البيان
إن ذلك الأديب اللبنانى دلنا على أن العقل فى بعض البيئات الأدبية فى لبنان لا يزال فى طور الطفولة البريئة، وكل شىء من الأطفال الأبرياء مقبول
ألم يقل إن مصر لم يصدر فيها كتاب واحد ذو قيمة لمؤلف مصرى صميم؟
فإن لم يكن هذا الحكم من أحكام الأطفال الأبرياء، فكيف تكون أحكام الأطفال الأبرياء؟
ولنفرض أيها الأخ أن مصر ليس لها وجود أدبى كما يتوهم بعض أهل لبنان، فهل لكم أن تدلونى على الأسباب الصحيحة التى قضت بأن يبذل المستعمرون ما يبذلون ليشوهوا سمعة مصر فى الأقطار العربية؟
هل لكم أن تدلونى على الأسباب التى قضت بأن يشقى المستعمرون فى الحيلولة بين مصر وبين الأقطار العربية؟ إن المستعمرين يعرفون أن مطامعهم فى الشرق لن تتحقق إلا يوم تضعف اللغة العربية ويضعف سحر المصحف؛ وهم يعرفون أن مصر تستقتل فى سبيل اللغة العربية وفى سبيل المصحف؛ ولبعض ساستهم الكبار كلمة مأثورة وصلت إلى أسماع من فى القبور
وإن لم تصل إلى آذان بعض الأحياء!
وأنا لا أتهم من يشوهون سمعة مصر الأدبية بأنهم يخدمون بعض الأغراض الشيوعية أو الاستعمارية، فذهنى لا يسيغ أن يكون فلان وفلان من أهل الضلال؛ ولكنى أرجو أن ينتبه فلان وأشياع فلان إلى أنهم يخدمون المستعمرين من حيث لا يشعرون. والغفلة قد تكون أقبح من الإثم الصريح
وما الذى يغنم بعض أدباء لبنان من الطعن فى الثقافة المصرية؟ أيستطيعون أن يدعوا لأن فى مقدورهم أن يمدوا أهل بلادهم بكل ما تتطلع إليه الأذواق والعقول؟
أيستطيعون أن يدعوا أن أهل بلادهم من القناعة والزهد بحيث يكتفون بما يصدر فى لبنان من مؤلفات وجرائد ومجلات؟
أيستطيعون أن يدعوا أن أدباء مصر لا يملكون من وسائل العناد والغطرسة ما يملك بعض أدباء لبنان يوم يستعر الجدال؟ أيستطيعون أن يدعوا أننا سنصفح أبد الدهر عن تطاول بعض الناس فلا نجزيهم عقوقاً بعقوق؟
لقد زرت لبنان، فماذا رأيت؟
رأيت الطبيعة ورأيت الناس، ويعز على أن أصرح بأن بعض الناس فى لبنان يصدون النفوس عن التطلع إلى جمال الطبيعة فى لبنان.
وما الذى يهمنا من الجبل وهو صامت لا ينطق؟ وما الذى يهمنا من جبل لبنان يوم يصح أن أبناءه يؤذون العروبة جاهلين أو عامدين؟
لقد تعقبتنى إحدى مجلاتهم وأنا فى بغداد فكتبت تقول: (سفير العروبة المصرية فى العراق يطعن صدر لبنان) وقد كتبت رداً مفحماً على ذلك المقال الجائر الظلوم، ثم طويته ترفقاً بلبنان الذى أرجو أن يظل بإذن الله من حصون اللغة العربية. وأنا مستعد لنشر ذلك المقال إن أذن أصدقائى الكرام من أهل لبنان
إن أدباء مصر يملكون من الثروة الذوقية ما لا يملك بعض الناس، فأدباء مصر هم الذين يشيدون بمحاسن الأقطار العربية، وهم الذين يضفون الجمال على كل بلد يحلون فيه؛ والى أقلامهم يرجع السحر الذى يتمتع به جبل لبنان
وأنا مع ذلك أشهد بأننا نرد إلى أهل لبنان بعض ما طوقوا به أعناقنا من وداد: فلمصر فى لبنان مكانة عالية. وفى أدباء لبنان رجال أبرار لا يذكرون مصر بغير الجميل؛ ومن أجل هؤلاء الرجال الأبرار تتسع صدورنا لما نسمع من فلان وأشياع فلان، لأننا نعرف أن المرء لا يمثل أمته حين يخطىء، وأنما يمثلها حين يصيب
ثم ماذا؟ قالوا: إن مصر مدينة فى بعض نشاطها الأدبى إلى ناس كان أجدادهم من لبنان
وهذا حق ولكنى أتحداكم أن تثبتوا أن لبنان نبغ فيه أديب واحد ولم يكن مصدر نبوغه الاتصال بالثقافة المصرية
أتحداكم أن تثبتوا أن فى مقدوركم أن تنقلوا إخوانكم فى مصر إلى مرابعهم فى لبنان
إن الأدباء السوريين واللبنانيين لم يذوقوا طعم المجد الأدبى إلا بعد أن شربوا ماء النيل، وفلان وأشياع فلان سيظلون من النكرات إلى أن يذوقوا ماء النيل
فتعالوا إلينا أيها الإخوان لنحولكم إلى رجال عظماء يسيطرون على الأدب والتاريخ
إن القاهرة تصنع بعقول العرب فى العصر الحديث ما كانت تصنع بغداد فى عصر بني العباس؛ فإن استطعتم طمس نور الشمس فامضوا فى عنادكم آمنين!
أتشتم مصر فى لبنان وبفضل مصر تنبه العرب إلى جمال لبنان؟
ثم ماذا؟ ثم زعم فلان وأشياع فلان أن أمثال الدكتور طه حسين والدكتور هيكل والأستاذ أحمد أمين والأستاذ لطفى جمعة لم يصنعوا شيئاً وأنهم فى مؤلفاتهم لم يكونوا مبتكرين
فهل يستطيع فلان وأشياع فلان أن ينكروا أن لهؤلاء الرجال فضلاً عظيماً فى نشر الثقافة الأدبية والعلمية والذوقية؟
هل ينكر أحد أن الدكتور طه حسين رجل موهوب وأن صوته وصل إلى المشرقين؟
هل ينكر أحد أن الدكتور هيكل من أعاظم المتحدثين عن شخصية الرسول؟
هل ينكر أحد أن الأستاذ أحمد أمين وضع أحجاراً متينة فى تاريخ الحضارة الإسلامية؟
هل ينكر أحد أن لطفى جمعة له أبحاث وفصول تعد من الروائع؟ ومن هو الأديب الذى يسمح له ضميره بأن يتجاهل أقدار هؤلاء الرجال؟
قد يتطوع أحدكم فيبعث ما كنت قلته في طه حسين وأحمد أمين وأنا أعرف أني قلت في هذين الرجلين ما قلت باسم النقد الأدبى، ولكنى مع ذلك أعرف أنهما من أقطاب هذا العصر، وليس لهما نظير فى لبنان أو غير لبنان، وسيكون لهذين الرجلين صدى مسموع فى الأقطار العربية يمتد إلى أجيال وأجيال
أحب أن أعرف لحساب من يتعب بعض الناس أنفسهم فى الغض من الثقافة المصرية؟ فمن المستحيل أن يكون هذا التحامل خالصاً لوجه الله والأدب. ومن البعيد أن تكون تلك النزوات بريئة من شوائب الأغراض
لقد آن أن نعرف أن الاستعمار يغزونا من كل جانب. آن أن نعرف أن الاستعمار يريد أن يتخلص أولاً من تفوق مصر فى خدمة اللغة العربية، لأنه يفهم جيداً أن سيطرة الثقافة المصرية تقوم بفضل اللغة العربية، وهو يرجو أن يخرس لسان العرب لتحتل مكانه ألسنة روما ولندن وباريس
الاستعمار يفهم أن القاهرة صارت محور الحركة العربية، ففيها تُعقد المؤتمرات، وفيها يلتقى العرب بعضهم مع بعض، وفيها تحل المعضلات، وإليها يرجع الأمر فى فض الخصومات العربية، وهو من أجل ذلك يبذل جهده الأثيم فى تنفير العرب من الثقة بالأمة المصرية
فكيف يغفل بعض إخواننا فى لبنان عن هذه الحقائق؟ كيف ينسى بعض إخواننا فى لبنان أن للمستعمرين مكراً يخفى على إبليس؟
كيف يجهل بعض إخواننا فى لبنان أن تلك الحركة قد تسوق أهل مصر إلى نفض أيديهم من صداقة لبنان؟ وهل يظنون أن أهل مصر من الملائكة وأنهم لا يعرفون فى جميع الأحوال غير الصفح الجميل؟
أرجو أن يعرف بعض إخواننا فى لبنان أننا نلاقى كثيراً من العًنت والمشقة فى تبديد ما يحيطون به أغراضهم من ظلمات وشبهات. أرجو أن يعرفوا أن قالة السوء قد تطِّوق أعناقهم إذا فكرت الصحافة المصرية فى دفع ما يوجهون إلى مصر من زور وبهتان
أرجو أن تعرفوا جميعاً أن يد الله مع الجماعة. أرجو أن تعرفوا أن العروبة تستطيع أن تنسى أن فى الدنيا بلداً اسمه لبنان يوم تثق بأنه يضع الأشواك فى طريق الوحدة العربية، ولكن ذلك اليوم سيكون مشئوماً لأن العرب يؤذيهم أن يضيع لبنان
هل تصدقون أنني دافعت عنكم فى دمشق وبغداد؟ هل تصدقون أن الحزن يفعم قلبى كلما تذكرت أن الدسائس الاستعمارية قد تبعدكم
عنا إلى غير معاد؟ هل تصدقون أنى طربت حين رأيتنى أُشتَم فى بعض مجلاتكم باللغة العربية لا باللغة الفرنسية؟
وأؤكد لكم أيها الإخوان أنى لا أتصدق عليكم بهذا العطف الصادق، فلو جُمع ما نُشر فى جرائدكم ومجلاتكم من الدعوة إلى الثقة بمصر لتكوّن منه محصولٌ أدبى نفيس. ونحن نعرف منزلتنا فى قلوبكم، ونحرص على أن تبقوا أصدقاء أوفياء، ولكنكم تعرفون أن الطبيعة الإنسانية يغلب عليها الضعف، فهي قد تذكر السيئات وتنسى الحسنات. فأرجوكم بالله ألا تحبطوا أعمالكم بمظاهر الغدر والجحود، فقد تلقون منا من يقابل العدوان بالعدوان
أما بعد فهذه كلمة صريحة أردت بها وجه الحق، وما أنكر أن فيها بَدَوات لا تخلو من خشونة وعنف، ولكن يعزينى أنى كنت فيها مخلصاً كل الإخلاص
ولكم أن تثقوا بأن مصر لن تقف إلا حيث تحبون، ولن تروا منها غير الصدق والوفاء.

