كان النظام المدرسى والجامعى فى عهد الاستعمار بتونس غير موحد وغير منسجم مع الواقع القومى ولا مع ما يقتضيه التطور الاقتصادى والاجتماعى الناشىء عن تقدم العلوم والفنون وعن انتشارها العظيم فى العالم .
وبالرغم من تنوع الدراسات التي كانت تعطى فى مختلف المعاهد ومختلف الدرجات من ابتدائى وثانوى وعالى ، وبالرغم من تعدد أصنافها كان هذا النظام ينتج نوعين متباينين من الثقافة وطرق التفكير
1_ النوع القديم الناتج عن التعليم التقليدى بالكتاتيب وبالمعاهد الزيتونية التى كانت محافظة على برامجها العتيقة بالرغم من التحويرات الخفيفة التى أدخلت عليها
2 - النوع العصري الناتج عن تعليم دخيل تنفقه مدارس فرنسية ، مدرسوها فرنسيون وبرامجها وطرقها منقولة من فرنسا الى بلادنا بدون ملاءمة مع واقعنا
وطالما استغل عهد الحماية لفائدته التضادد الذى تولد طبعا عن اختلاف هذين النوعين من المثقفين.
فكان خريجو الجامعة الفرنسية يتألمون من عتاقة نظام بلادهم الاجتماعى ويشعرون بشئ من الاستئصال من وسطهم الطبيعى . وكانوا يحتلمون بتطور بلادهم نحو الرقى ورفاهية الحياة العصرية.
وكانت تثور أنفسهم غضبا على مواطنيهم الزيتونيين وعلى تقليدهم الاعمى لنظم الاسلاف .
وكان الزيتونيون بدورهم ينكرون عليهم تفرنسهم وكفرهم بعوائدهم وعقائدهم .
وبالرغم من الاتصال وتبادل الآراء ، وبالرغم من محاولات كلا الطرفين فى شئ من الاستقاء من مشرب الآخر ، كان هذان الصنفان من أهل الثقافة ثابتين فى
اصرارهما على التضادد والتناطح ، وبقيت سلمهما للقيم البشرية متخالفة كل التخالف وكان الشق الاول يوجه أنظاره الى العالم الغربى وينادى بالالتحاق به في عدوته وراء الرفاهية المادية . وكان الشق الثانى يطمح فى احياء سلف ماجد واحياء حضارته البديعة المرتكزة على قيم أخلاقية وروحانية.
ومن ذلك فالبلاد التونسية عند ما فازت باستقلالها وجدت نفسها فى حاجة أكيدة الى العمل على تحرير تعليمها ، وقد اتخذ الموكلون على أمر هذا التحوير ثلاثة أهداف سياسية وهى :
1_انجاز هيكل جامعى موحد ، منتظم ، منسجم فى آن واحد مع الواقع التونسى ومع مقتضيات الحياة العصرية
2 - الاسراع فى انتشار التربية القومية انتشارا أفقيا ورأسيا ، وبالتالى رفع المستوى الثقافى للأمة وترضية حاجياتها فى الميادين الاجتماعية والاقتصادية والفنية
منح البلاد حكما مدرسيا وجامعيا يضبط الهيكل الجديد فى جملته وفى أجزائه .
أما الهدف الاول فتحقيقه يتوقف أولا على تعيين مذهب تعليمي وعلى توجيه كل صنف من التعليم - ويتوقف ثانيا على ضبط مستوى الدراسات ومدتها فى جميع الدرجات ، وعلى ترسيم توصيات عامة توضع بمقتضاها البرامج.
وقد وضعت هذه البرامج بحيث يرفع مستوى التعليم الى أرقى درجة ويكون موافقا :
أ ) الى تنوع المؤهلات والميول الفردية ،
ب ) الى الواقع الحالى للبلاد والى حاجاته في تكوين الاطارات المختلفة نوعا ودرجة ( اطارات الادراك والادارة والمراقبة والتنفيذ ) .
فكان من اللازم تأميم التعليم من جديد وذلك بارجاع اللغة القومية (العربية) الى مكانتها الشرعية ، وبتمكين الطفل من دراسة الوسط الطبيعي والاجتماعي الذي يعيش فيه وينمو ، كى يتعلم معرفته ويتعود حبه . ان هذا التوفيق مع واقع الطفل أساسى لمستوى الدرجة الابتدائية ، وذلك حتى من الوجهة البيداغوجية الصرفة . فتاريخ فرنسا القديم، ودراسة الكوم الجليدية ، ورقائق لغة « لافونتين » أو « موليير » ، وخصائص النبات والحيوان بفرنسا .... كل ذلك لا ايقاع له فى احساس الطفل التونسى ولا يصلح لتكوينه
وهذا التوفيق لازم أيضا فى مستوى التعليم الثانوى اذ الطفل يقطع اذ ذاك مرحلة من حياته يصير فيها شابا بعد ما كان صبيا ، ويتكون فيها كفرد وكعضو ووحدة اجتماعية في الكتلة القومية
ومن اللائق أن نلاحظ أن هذا الاتفاق مع الواقع الطبيعي ليس منافيا قط لفتح منافذ على العالم الخارجى ولا الى تطبيق تجارب الآخرين في ميدان البيداغوجية العامة والتربية . فلا نريد الا التحرى من عقم وخطورة التقليد و نقل نظام تربوى أجنبى لا يراعى وجودنا الذاتى ولا طموحنا الغريزى
وأما الوصول الى الهدف الثانى الذى يرمى اليه تحوير التعليم ، فهو يقتضى منح كل طفل قسطه الادنى من التربية والمعرفة ، الذى هو حق من حقوقه ، حتى يصير التعلم في متناول كل أحد بعد ما كان نعمة تتمتع بها أقلية من الامة
ويقتضى أيضا واجب تشجيع اندفاع الاطفال الى مواصلة تعلمهم بعد الابتدائى اذ هذا الاندفاع هو نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعى في العالم
لذلك وضعت الحكومة التونسية أسسا هامة لتصميم انتشار التعليم في جميع درجاته وذلك بمقتضى ما لديها من الوسائل
فوضعت برنامجا لايواء التلامذة فى المدارس الابتدائية، تراعى فيه الحالة الراهنة ونمو عدد السكان في كل سنة
أما بالنسبة للتعليم الثانوى فبرنامج التنمية والبناء هو الآن في حيز الدراسة النهائية .
وأما بالنسبة للتعليم العالى فالحكومة عازمة على انشاء جامعة تونسية في القريب العاجل ، حتى يتسنى للبلاد أن تكون الاطارات التي تعوزها الآن .
لا شك أن مشاكل عدة تعترضنا عند انجاز هذه البرامج ومن هذه المشاكل ينبغي أن نذكر أهمها اذ هو يشغل بالنا أكثر من غيره فى الوقت الحاضر ، أعنى مشکل انتداب ما يلزمنا من المدرسين الاكفاء
لا يخفى على أحد أنه ليس من اللائق أن نبقى فى حاجة الى الغير فيما يتعلق بالانتداب الاساسي ، خاصة بالنسبة للابتدائي والثانوى ، اذ ينجر عن هذا الانتداب - خصوصا اذا تعمم _ :
أ) الرضا بتضحيات مالية كافية لجذب المترشحين ودفعهم على قبول الخطط
ب) الرضا بحدود لاستقلال التربية القومية خاصة ولاستقلال البلاد عامة وذلك لان هذا الانتداب أمر حتمي وحيوى
(ج) الرضا بعدم الضمان بحسن النتيجة ، اذ الموظفون الاجانب لا يشعرون دائما بواقع مشاكلنا ولا بما نحتاج اليه بل يكتفون عادة بتطبيق ما عودهم عليه تكوينهم . ومن جهة أخرى فالذين يرضون بمغادرة وطنهم ليسوا دائما من العناصر الممتازة ، وكانت تجاربنا فى السنوات الاخيرة مخيبة من عدة أوجه .
ان انتداب المدرسين الاجانب أمر حسن فى ذاته ، اذا كان وسيلة لتكميل ما يوجد بالبلاد ، واذا كان مما يمكن الاستغناء عنه ، لا من الشروط الاساسية التي يتوقف عليها النشاط المدرسي والجامعي
ومن جهة أخرى فانتداب الاجانب لا يستحسن عادة الا في التعليم العالى
فالاختصاصيون الذين امتدت معارفهم فى ميدان لا يمكنهم السفر الى بلدان أخرى ليدرسوا ويفيدوا بمعارفهم الطلبة والمفتشين
فيتحتم علينا أن نفكر فى تكوين ما يلزمنا من المعلمين والاساتذة لكل من التعليمين الابتدائى والثانوى ، وبالتالى أن نشرع في انشاء جامعتنا وأن نعمل على تنميتها . وهناك مظهر من المظاهر الرائعة للصلة بين الجامعة والمجتمع
فالمجتمع التونسى فى حاجة ملحة الى الاطارات فى ميدان التعليم والاقتصاد وسيبذل أقصى جهد في ترقية جامعته الفتية الى درجات الازدهار العالية . لكن هذه الجامعة ، التى ترمى مثل كل جامعة الى التنمية الحرة ، هل ستقبل دائما الرضوخ الى مقتضيات المجتمع ؟

