الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 374الرجوع إلى "الثقافة"

اضطهاد

Share

الحياء علة من علل الإرادة وآفة من آفات الشخصية ، وقد عرفه أحد من توفروا علي بحث طبيعته - وهو الأستاذ ديجا الفرنسي - بأنه حاجة ماسة إلي العطف وجدت ما يصدها ويدفعها او ما يغرر بها ويخدعها ، والحي إنسا عاطفي يود أن يفتح قلبه وينفض ما في نفسه ، ولكنه يحجم عن ذلك ، فالحياء رغبة في الإفضاء بما في النفس ، ولكنها رغبة خائبة محرومة مدفعة مصدومة ، والحيي يشك في عواطفه وأهوائه ، ويستريب بأفكاره وارائه ، فهو في حاجة دائبة إلى ما يرد عليه ثقته بنفسه ، بل هو في حاجة إلي رعاية يتفيا ظلالها وعناية ينعم في بحبوتها ، وكما أن الملئات الأعصاب يبحث على الدوام عن سيد يحكمه ، وأستاذ يرشده ويعلمه ، فكذلك الحيي ما ينفك يبحث عن رفيق يفهمه ، ويبادله المودة والعطف ، ويمحضه النصيحة ويعينه في حل عقده ، وتذليل صمابه ، والحيي يكثر من النظر في نفسه ، والإكباب عليها ، والغوص في أغوارها السحيفة ، وعلاقاته بالناس في حالة من التوتر تجعلها كثيرة الاستهداف للانقطاع ، وعقليته ليست عقلية عملية ، ومن ثم تهوله كل عقبة تعترض سبيله فيعتصم بعزلته ويود لو عاش في جزيرة نائية أو في رأس شاهق .

والحياء شعور بشبه الخوف ، ولكنه يختلف عنه ، فالحياء شئ والخوف شئ اخر ، ولست اود ان أشرف المتوقحين المقاديم فأرفعهم إلي مصاف الشجعان ، ولا ان أسئ إلي من اتصفوا بالحياء فاسلكهم في عداء الجبناء ، والخوف ينشأ من اشياء مختلفة ولكن الحياء لا يثيره سوى الأشخاص ، وقد يخشى الناس من وهب بأسه وتتقي صولته كما يخشون الألم والموت والوحوش الضارية ، ولكننا قد يتملكنا الحياء بإزاء أشخاص لا يملكون لنا نفعا ولا ضرا ولا يخيفوننا بحال ، بل قد تعلم حسن تقديرهم لنا

وعطفهم علينا وإفضاءهم عن هفواتنا ومواطن ضعفنا ، والحيي يعلم انه لا يشقي من الرجال الذين يثيرون حياءه ، ولكنه يعلم في اعماق سريرته ان هؤلاء الرجال قد يمسون شعوره أويتلمون إباءه ، ويسيئون تقدير بواعثه ، كما يخشى أن يخطئ السبيل إلي ترضيهم ، والتقرب منهم ، أو ان يسيء . إليهم بغير قصد منه ، ومن ثم مخاوفه وأوجاله وهمومه وشجوته ؛ فالحياء شعور مجاور للخوف ولكنه مختلف عنه والأقصوصة الآتية - وهي للكاتب الفرنسي بوتيه - بطلها رجل قد اصطلح عليه الحياء والخوف ، فنكبته مضاعفة ، وبلواء عظيمة ، وقد جعلناه اضحوكة لزملائه وحربا على نفسه ، وأخلى الآن ما بينه وبين القارئ : اضطهدت بائعة الأزهار الصغيرة الستر بوان حينا من الزمن

ففي ذات مساء وقد غادر المصلحة التي يعمل بها رآها تشق طريقها في زحمة الجماهير ، وكانت فتاة ناشئة لا تتجاوز سنها الثانية عشرة أو الثالثة عشرة ، نابية الصورة ، مفرطة الدمامة ، شعرها القليل ضارب إلى الصفرة ، وعيناها المستديرتان بهما حول يجعلهما تميلان نحو انفها الأفطس ، وكان يعلو وجنتيها وانفها نمش ، وكان الثوب الرث الذي ترتديه يبدو كانه منتزع من غطاء فراش قديم بال ، وكانت أصابع قدميها تطل من حذائها الملىء بالمسامير ، وقد جمعت ثلاثة اغصان ذاوية من نبات غير معروف ، وكونت منها طاقة أزهار واندفعت بها ناحية انف المستر بولن وهرأت في وجهه بصوت منكر مزعج : " أزهار جميلة ياسيدي "

وكاد المستر بولن يمضي في طريقه لولا أن الفتاة أعادت الكرة واستأنفت الهجوم بصوتها المدوي وصراخها المملع ، ووقف الكتبة الآخرون المنصرفون من مكاتبهم ليروا ما نزل بالمستر يوان ، وكان المستر يوان رجلا مستطار الفؤاد حسم الحياء يخشى على الدوام أن

يسيء الناس فهمه ، ويفزع من أن يلفت انظار الناس ويسترعي اسماعهم ، وفتش جيوبه لبحث عن بنس يتخلص به من هذه الورطة ، ولكنه لم يجد سوى قطعة من النفود ذات ستة البنسات ، وانتظرت الفتاة فلم يجتريء على أن يخيب ظنها وأذعن للفضاء وأعطاها القطعة ذات البنسات الستة

وفي اليوم التالي وجدها مترصدة له في الوقت نفسه ، وقد جلست على قاعدة نصب تدكاري ، واستعملت نفس الاسلوب الذي هاجمته به الأمس وكانت محمل ضغثا من الأزهار كالذي حملته في اليوم السابق

فاستاء المستر بولن ، وتكدر صفوه وغام أفقه ، وبان على وجهه الضجر والملال ، وناولها بنسا واحدا وسار في طريقه ، ولكن الطفلة نبعثه وهي تصيح شاكية صاخبة مرتفعة العقيرة مما استرعي التفات الناس واستوقف السائرين في الطريق ، وكان منظر هذا الرجل الكهل وهو يهطع في سيره وقد أزعجته هذه الطفلة الدميمة وهي تجري خلفه صائحة صارخة مستغيثة مستنجدة ، من المناظر التى رفهت عن نفوس السابقة واشاعت فيهم المرح والسرور وحب المعابثة والدعابة

وقالت إحدي الفتيات العاملات لزميلة لها : " تأملي هذا الرجل البخيل الأنكد "

واعتقد المستر بولن أنه قد أصبح هدفا للسخربة ، ودربئة للكراهة والاحتقار ، فوقف مجهودا لاهثا واعطي الطفلة ستة بنسات كما فعل من قبل وكان هذا هو ما تريد ، الطفلة ، وأعطته لقاء ذلك حزمة الأزهار الذابلة

ومنذ ذلك ظلت في كل مساء تقف له في الطريق بإصرار وعناد ، ولا تقلع عن إثارة الضجة الضجة وإحداث الشغب حتى يؤدي لها المستر بولن ضريبة البنسات الستة ، ولحظ ذلك الكتبة الآخرون فأوسعوه سخرية واستهزاء وركبوه بالعبث والدعابة ، ولقي من ذلك الويل وعاني ابرح الالم ،

وأضيف إلي ذلك أن زوجته كانت شديدة الشح والحرص لا تفتأ محاسبه على ما ينفق حسابا عسيرا ، وتلزمه مراعاة الاقتصاد التام ، وكانت ضريبة البنسات الستة اليومية تثقل كأهل ميزانيته ، وترهقه عسرا ، ولم يستطع أن يغطي هذا العجز في بنود مصروفاته إلا بحرمان نفسه من تناول لفافات التبغ

وثقل عليه هذا الكابوس ، ونقص عليه حياته ، وأصبح الخلاص من هذه الطفلة شغله الشاغل ، ومشكلته المحيرة ، والهم الذي يقص مضجمه ويظالم عيشته ، ونبذ فكرة الاستعانة بالشرطة لانه لم يعرف على وجه التحديد ما يستطيع ان يتقدم به في شكواء ، وكان يخشى ما ينجم عن ذلك من الارتباكات والتعقيدات ، وفكر في ان يغادر المصلحة من باب آخر ، ولكنه لم يجتري على ذلك ، ومرت أسابيع وهو يؤدي الضريبة صاغرا ، وكانت الطفلة لا زال تتعقبه وتترصده ولا تكف عنه وصار يعطبها البناسات الستة قيل ان تبنس بكلمة او ترسل صيحة ، وكانت تتبعه نظرات زملائه الساخرة وهو يقدم لها الإنارة المعلومة ، وكان يود لو صارح الطفلة بأن تنتظره في مكان بعيد من الأنظار ولكنه لم يجتريء على ذلك

وساءه حرمانه لنفسه من لفافات التبيغ ، وكبر عليه ان يظل موضوعا للفكاهة والتندر ، وخشي أن يبلغ الامر مسامع زوجته ، وأخذ يستنبط الحيل ويستفرغ الجهد لتفريج هذه الأزمة وكشف تلك النقمة

ولما تزايد ألمه ، ولم يجد له حيلة ، بدا له أن يذهب إلي أحد أصدقائه بسأله الرأي ويلتمس النصيحة ، وكان هذا الصديق موظفا حازما جزل الرأي ، فأصغي إليه في شئ من السخرية العاطفة وهو يروي قصة نكبته المؤثرة في الامه المبرحة . " أريد أن أخلص منها ، ولكنى لا أود أن يحدث ما يدعو إلي الأسف ، ولا أريد أن يعلم أحد بأنني قدمت شكوي " .

فقال له سديقه : " هون عليك ، فالخطب يسير ، وهناك مؤسسات كثيرة من مؤسسات البر والإحسان ، ولن حدث شئ مكدر ، فاطمئن من هذه الناحية ، وسأتولي الأمر بنفسي واذهب إلي المكان الذي نقف فيه الطفلة مترصدة لك عند باب الديوان ، وسأعرف خبيثة امرها ، واري والديها - إن كان لها والدان - وسانقلها إلي المكان المناسب ، وستعلم هناك حرفة من الحرف . وسارتب الامر بحيث تستطيع كسب شئ بطريقة مباشرة ، وسيكون هذا خيرا لها وأجدى عليها من التسول في الشوارع والطرقات " .

فشكره المستر بولن شكرا مستفيضا حارا ، وتركه مطمئن النفس عظيم الثقة ، وفي مساء ذلك اليوم أعطاها البنسات الستة راضيا مغتبطا ، بل نظر إلي معذبته نظرة تنطوي علي العطف ، لأنه ربما كانت هذه آخر مرة يراها . وهكذا كان ؛ ففي اليوم التالي لم يلح له شبح الفتاة بالمكان المعهود ، وشعر المستر بولن بأنه رجل حر ، وتنفس بطلاقة وارتياح ، وأحس أن الحمل الذي أثقل كتفيه قد زال ، فأشعل سيجارة وسار إلي منزله يحتال في برد جديد من الشباب والفتوة ، ومر عليه يومان وهو هادىء البال امن السرب ، ونسي كابوسه الضاغط وهمه الملازم ، وفي مساء اليوم الثالث خرج من الديوان في الوقت العادي ، ولما بلغ الشارع تلقي صدمة شديدة ، طاش لها لبه ، ووهن جأشه ، وامتقع لونه ، ووقف حائرا لا يكاد يصدق عينيه ، وأسقط في بدء ، وتخاذل واضطرب ، وجمد مسكانه ، فقد رأي الفتاة الناشئة هنالك ، على الأقل إذا لم تكن هي بالذات فقد كانت طفلة تشبهها الشبه كله حذوك النمل بالنمل ، وأبصر المستر بولى نفس العينين الصغيرتين المحولتين ونفس النمش الذي يعلو الوجه ، والشعر الأصغر . ومهما يكن من الأمر فقد كانت هذه الطفلة أصغر سنا ، وكانت يتدلي حول جسمها ثوب بال متخذ من غطاء فراش رث

قديم  ، وكان حداؤها الثقيل المسمر لا يكاد يحتوي قدميها ، وقد أقبلت من ناحية قاعدة النصب التذ كاري حيث كانت ترقب قدومه ، فلما أبصرته أسرعت إليه وهي تلوح بطاقة من الزهر الذابل غير المعروف ، وصاحت بصوت يصم وإن كان يسمع :

" أزهار جميلة باسيدي ! " " حسن . . حقيقة ! "تمتم قائلا : " ما هذا . . ماذا في الأمر ؟ " وغلب على امرئ وتراخت قواه ونقدت حيله وارتبك

وقالت الطفلة في حماسة وجرأة : " إني اختها - أتعرف الحظ الحسن الذي صادفته سلينا ؟ لقد أخذوها إلي بيت محصل فيه على رزقها ، ولقد سر ذلك والدتي، وقالت لي سلينا : " هناك سيد ينتظر في كل مساء طاقة من الزهر ، ويدفع ثمنا لها ستة بنسات ، ولا يستطيع الإنسان ان يتخلي عن مثل هذا السيد ، ويتركه في حيرة من امره " وكلفتني بالبحث عنك ووصفت لي ملامحك وسماتك ، وانا كما ترى صغيرة لا احسن مهنة من المهن ، ولذا أخذت مكانها في بيع الأزهار " .

وأخذت تهز الطاقة في ثقة واطمئنان ، ولم ير المستر بولن مندوحة عن الاستجابة لامرها والنزول على إرادتها ، واخد بفتش جيوبه باحثا عن قطعة من النقود ذات ستة بنسات

اشترك في نشرتنا البريدية