تحدثت إلى كبير من رجال الحكومة في اقتراحي هذا ، بعد أن آنست منه ميلا أكيدًا إلى الإصلاح ، وعرضت له
اقتراحات عملية تحقق غرضه . وقد سمعت منه أقوالًا لا تصدر إلا عن مفكر عالم حساس . فقال هذا الكبير العالم ردًا على ما عرضت :
إن هناك ثلاث مسائل يجب أن تسير معًا لتحقيق ما ترجوه . " فأولى هذه المسائل تخفيض سعر فائدة القروض المؤمن وفاؤها بحقوق عينية على الأراضي الزراعية . فالفائدة الحالية على هذه القروض تكاد لا تبقي شيئا من الريع أو الإيجار الذي يتقاضاه ملاك الأراضي الزراعية في الوقت الحاضر . فتخفيض قيمة الإيجار وبقاء الفائدة مرتفعة يوقع هؤلاء الملاك في الإفلاس .
" وثانية هذه المسائل هي أجر العامل الزراعي الضئيل فخمسة وعشرون مليمًا يوميًا ، هي مع ذلك لاتستمر طوال أيام السنة ، لا تكفي إعاشة فرد واحد ، وهي على التحقيق دول حاجة رب العائلة الضرورية . فتخفيض قيمة الإيجار مع بقاء هذه الأجور على ضآلتها يفيد منه المستأجر دون العامل " أما ثالثة المسائل فهي وضع حد أعلى لقيمة الإيجار وهذا طلب عادل ، بشرط تحقق المسألتين الأوليين"
ثم قال في مرارة تكاد تخفيها رزانة العالم ورصانة الحاكم : " يجب أن تذكر أن اقتراحك هذا وما أشرت إليه أنا يمس الأغنياء ، وأن الحكام أصدقاء الأغنياء . فهذا ، مع ظروفنا الخاصة وحاجتنا إلى التمويل ، يدعو إلى أخذ الأمور بالهوادة والرفق " .
ومع احترامي لهذه الشخصية النبيلة وتقديري لظروفنا المحلية ، لا أرى بداً من مناقشة الاعتراض ، على طريقتى الإحصائية . فالديون العقارية على الأراضي الزراعية لا تتجاوز ثلاثين مليونًا من الجنيهات . فإذا قسمت على ستة ملايين فدان أصاب الفدان الواحد خمسة جنيهات ؛ وليس هذا بالدين المرهق لأن فائدته بين ٢٥٠ م و ٤٥٠ م في العام عن كل فدان . على أن هذا الإيراد فيه شيء من التساهل . فصغار الملاك يعز عليهم - مع فقرهم-
الاستدانة . فأملأ كهم مطهرة من رجس الدين . وعلى هذا الاعتبار يصيب الفدان الواحد ، في حال كبار الملاك ، عشرة جنيهات في المتوسط ، وفائدة هذا الدين بين ٥٠٠ مليم و ٩٠٠ مليم في العام ، ومتوسطها ٧٠٠ مليم في العام . نعم هناك ملاك استغرقت الديون جل قيمة أملاكهم ، فبلغ الدين عن كل فدان نحو ٥٠ ج . لكنا لا تعنينا هذه الطائفة لان دعوتها ناتجة عن أحد أمرين :
الأول : إسراف جنوني في ضروب الترف واللهو العابث . والثاني : شراء الأراضي الزراعية بثمن مرتفع نتيجة عدم التدبر ، والإستدانة لوفاء الثمن.
ومع أن حماية جميع الأفراد من واجب الجماعة ، فإن حماية البريء الذي لا يجد كفاف العيش أولى وألزم ، خصوصًا إذا كان غالب السكان من هذا النوع .
على أننا لا نجد ما يحول دون إصلاح الحال بتناول الأمور جميعها ، مبتدئين بأسهلها وألزمها ، وهو تحديد قيمة الإيجار ، واتخاذ تقدير لجان الحكومة المشار إليها أساسًا لهذا التحديد ، لأنه أساس عادل اشترك في وضعه رجال من الملاك والمستأجرين ، ومن رأينا أن هذا التدبير يشجع الأجراء على الاستئجار والعمل لحسابهم ، فيقل العمال الأجراء نسبيا ، وترتفع أجورهم تبعا لهذه القلة وبنسبتها . ومع هذا فلا مانع من وضع حد أدنى للأجور الزراعية ، فالمسألة في الواقع جوهرية . وقد سبقنا الغربيون بعدة أجيال في تحديد حد أدنى لأجور عمال الصناعة وحاطوها بالضمانات الحائلة دون التلاعب والاتفاق الصوري .

