الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الثقافة"

اعترافات . .، جان جاك روسو

Share

(أنا اليوم قادم علي أمر ثم يسبق إليه سابق ، ولن يلحق به لاحق . أنا مزمع على أن أجلو لأخواني بني الإنسان إنسانا على حقيقته ، وفي صميم عليته ، وهذا الإنسان هو أنا .

) أجل ، أنا دون سواي . وإني بنفسي لشاعر ، وبالناس خبير . فأما لم اخلق على مثال احد ممن رايت ، بل احسبي لم اخلف على مثال احد ممن خرجوا للوجود وإذا لم أك خيرا منهم ، فأنا على الأقل غيرهم . أما ان الطبيعة أحسنت أو أساس صنعا بتحطم القالب الذي فيه أفغني ، فذلك أمر لا يتأتي فيه البت قبل قراءة صحيفتي .

( ولتأنين الساعة حين تأتي ، وينفخ في الصور يوم الحساب الأخير ، في يومئذ ات وفي عيني هذا الكتاب فأمثل بين يدي الديان هاتفا هذا يا رب ما قدمت يدي ، ودار في خلدي ، وما كنت عليه . لقد ذكرت الحسن وذكرت القبيح بالصراحة نفسها ، وما من سيئة سكت عنها ولا حسنة زدتها . وإذا انفق ان اصطنعت حلية من عرض القول ، فخاشا أن يكون ذلك إلا سدادا الفجوة مما أعقبه خذلان الذاكرة . وجائز أن اكون قد سقت في سباق الصحيح شيئا اعرف احتمال وقوعه . ولكنه لا موضع قط لشئ أعرف عينه وبطلانه . لقد طلعت على الناس كما أنا ، حقيرا دنيئا حين كنت كذلك ، كريم الخليقة ، أريحي الطباع ، على المروءة حين كنت كذلك . لقد كنت عن ذات نفس سريرتي ،

بكما اطلعت عليها سحانك جل شأنك فاحشر الفم الخفي من بني آدم حولي ، ولبسمعوا إلى اعترافاني وليتحسر والمشائي ، وليسحيوا من مساوئي ، ثم ليفتح كل منهم قلبه . واحدا بعد الآخر . عند أعتاب عرشك تمثل أمانتي ، وليقل فرد واحدها بعدها إذا استطاع : (لقد كنت خيرا من هذا الرجل *)

بهذه العبارات القوية الحارة ، استهل جان جال روسو كتاب " الاعترافات " ولقد انقضي نيف ومائتان وستون سنة علي وفاز الرجل ، وانصرف الأدباء وجمهرة القراء عن بطالعة (العقد الاجتماعي )و (اسيل ), و (هلوازا الجديدة ) ولكنهم لم ينصرفوا ولن ينصرفوا عن متابعة اعتراقاته . ذلك ان الآراء في السياسة والاجتماع والتربية والأخلاق يدخلها التغيير والتبديل ، ويجري عليها ما يجري علي الازياء فتبطل هذه وتشيع تلك ، ثم لا يلبث القديم ان يعود باسم جديد ، مع هنة محذوفة هنا ، وحرف هناك مزيد . ومع هذا فانها أبدا مذاهب

متطاحنة متناحرة . أما تجاوي النفس البشرية فهي أبدا هي ، نتعرف في غرائز رجل الكهوف ما تحسه في اعماقنا . فكيف إذا كان صاحبها مثل صاحب الاعترافات أقرب إلي عصرنا بثقافته ، وإن كان أشبه بأهل الفطرة في صراحته ؟

ولد روسو في مدينة جنيف عام ١٧١٢ ، وماتت امه عقب ميلاده بأيام معدودات ، وهو يقول في كتاب الاعترافات : " ولدت سقيما عليلا ، وقد كلفت امي حياتها فكانت ولادني فاتحة مصائبي وشقاوتي " وهكذا حرم روسو مما يستمتع به الطفل من محبة المرأة الأولى في شخص الأم الرؤوم الحانية . ولا جرم يجد طلاب التعليلات النفسية في هذا الحرمان سر اتصاله من اتصل بهن من النساء وينعرفون نوع العاطفة التي كان في قرارة نفسه يلتمسها منهن .

ولقد تلقي هذا اليتيم منذ نعومة أظفاره تربيته على صورة عجيبة ، فقد كان - فيما يرويه  - في سن السادسة يسهر الليالي بقرأ مع أبيه القصص الأدبية التي كانت مطالعتها محببة إلي امه ، حتى إذا بزغ الصبح ولاح عموده واستهلت تغاريد العصافير ، احس الوالد بالنعاس يداعب جفنيه وقال لولده الصغير :

- هلم ننم . إنني طفل اكثر منك . ويعترف روسو نفسه في " اعترافاته " ان ما كانت تحدثه هذه المطالعات في نفسه من انفعالات ، وما كانت تستدره نكبات أبطال قصصه من عبرات ، خلفت له خواطر عن الحياة غريبة خيالية .

فلما بلغ السابعة سنحت له مطالعات أدنى إلي الجد ، فيما تركه شقيق من اسفار قيمة ، ومن بينها " سير العظماء " للمؤرخ الإغريقي بلوتارخ ، وليس من شاهد علي مبلغ اثرها في تكوينه أبلغ من قوله : الله ومن هذه الصفحات الممتعة ، وما كان يقوم بشأنها من مذاكرات يبني وبين

أبى ، تكونت لي هذه النفس الحرة ، وهذا الخلق الشموس الآبي ، الذي لا يعرف الاستكانة ولا يعنو لقهر ، ولا يصير على نير ، ولا يقيم على مذلة ، والذي كان مصدر نوفزي وعذابي طوال حياتي . . فكنت دائم الشغل بروما وأثينا ، أعايش عظمائهما الأماجد . وإخالني اغريقيا أو رومانيا ، واندمج في شخص من اقرا حياته ، وأستحيل إياه ، ويروغني وصف خصال الشباب والإقدام ويلايمسني ، حتى ليلتمع ناظري وتشتد نبره صوتي).

ولا يغيب عنا ما في هذه الفقرة من خطر في تاريخ الثورة الفرنسية ، لأنها تدل على مدى تأثر دعائمها ، وعلي رأسهم روسو ، بسير عظماء الرومان واليونان ، وعن القوالب التي اخرجت بعد ذلك فحول الثورة من امثال دانتون وروبسببير ، ممن حفزتهم كتابات روسو ، وتشبعوا مثله يسير بلونارخ.

وأخيرا نشير إلي مؤثر آخر ساهم بنصيبه في تكوين فتانا روسو . ونعني بذلك عمته التي قامت منه مقام امه . فلقد كانت لا تكف عن الغناء " بصوت رقيق جد رخيم مرددة عددا عديدا من الأغاني والأهازيح . وما برح روسو وهو شيخ يفن يذكر هذه الأغنيات في ايام شبابه الخوالي ، فيدندن بها مستعمرا باكيا كالطفل" فالي هذه العمة المؤنسة يدين روسو بحبه للموسيقي ، بل شغفه الشديد بها.

ولما بلغ روسو العاشرة اضطر والده فجأة إلي مغادرة جنيف على اثر شجار مما يقع بين السكارى . وقضي الفني بضعة اشهر عازلا في الريف بسفح " ساليف" عند القنس لامبرسبيه وهنا اشرب قلبه محبة الطبيعة ، وافتتن بها فتنة ثم تحمد جذوتها اخر العمر ، كما تنهت نزعته الحسية الباكرة تنبها مضطربا . وكانت مدموازيل لامبرسبيه أخت القس أولى من كان لهن شأن في حياته الغرامية الحائشة بالعواطف والمواقف .

ثم رؤي إعداده لمهنة في المحاكم فوكلوا به إلي كاتب محكمة . إلا أن روسو كان أشد كبرياء واستقلالا من أن يعنو لاستبعاد الوظيفة ويقر في قيد المكتب ، فلم يلبث ان فصل .

وأدخلوه بعدها عند حفار ليشتغل صبيا له ويتعلم علي يديه صنعته ، فكان على المعلم على مقتضى السنة المتبعة في ذلك العصر " ان يربي صبيه وينشئه على مخافة الله وعلى الأدب كما هو الواجب المفروض على كل أب " . ولكن الحفار تجاوز الحد في قسوته ، فكان بوسعه ضربا لأنفه الأسباب ، ويحرمه باستمرار من الحلوي ، حتى ساءت طبيعة الفتي واصبح فاسدا ولصا فاجرا ، و كره عمله ويرم به . وكانت سلواه مطالعة كتب يستعيرها بالأجر ، ناسيا بها حال بؤسه وشقاوته ، مستغرقا فيما بصوره له وهمه وينسجه خياله . واخيرا في السادسة عشرة من عمره أبق من عند الحفار ولاذ بالفرار .

وتقدم إلي قس من الكهول ، فرأي هذا ان يكل امر هدايته إلى سيدة في اننسي نفي مدام وران . وكان روسو يتمثلها " عجوزا من الفاتنات المتزمتات " فإذا هو امام " محيا افرغت عليه المحاسن إفراغا ، وعينين دعجاوين كلهما حلاوة ، وبشرة ناصعة البياض رفافة ، وحيد لطيف الصوغ يسبي اللب ؟ . فانبهر ناظره وعاش بعدها ما عاش فلم ينس تاريخ هذا اليوم بين الأيام وهو " أحد الشعانين " عام ١٧٢٨.

وعطفت مدام وران على الفتي الشريد المنقد النظرة ، فصار يدعوها هذا المحب " يا أماه "؟

وأريد به في بادئ الأمر أن يتخرج قسا للقرية ، ثم سرعان ما تبين انه لا ميل عنده لغير الموسيقى ، فدفعوه إلي معلم الموسيقى في الكنيسة الكبرى . وهكذا توطنت الموسيقى في قلب روسو متوطنا لم تبرحه قط ، فلما ان تعاطي الكتابة في مستقبل أيامه سرت إلي نثره هذه الروح

وأشربته بموسيقية عجيبة لا عهد لأحد بها من قبله .

وكان معلم الموسيقي مدمنا للخمر مصابا بالصرع ، وقد شجرت بينه وبين قساوسة الكنيسة مشادة جعلته بصم العزيمة على تركها . ولما كان روسو يحب الشرود والمغامرة فقد انطلق معه . وبينما هما في ليون أخذت المعلم نوبة صرع في قارعة الطريق ، وتكا كانت الدهماء حولهما ، وفزع روسو ودب في قلبه الخوف ، فاغتنم تزاحم الناس وتدافعهم ، وترك الصربع المسكين ومضي لا يلوي عليه . وذلك بلا مراء تصرف صبياني ، وروسو وفئذ لم يك إلا صبيا ، بيد أنه ظل طوال حياته هذا الصبي .

ثم تداولت عليه صبوات ليست بذات شأن ، كان فيها كعادته الهيابة الحوار . وهام بعدها في سويسرا يعيش عيشة الكفاف والشفلف من دروس يعطيها في الموسيقى ، ويصحب الشذاذ الأفاقين . وقد وقع عليه سفير فرنسا فسعى له في عمل بباريس ، ولكنه لم يطل مقامه في العاصمة الكبرى ، وعاد إلى سافوا عند مدام وران . فهو ما زال يحبها ، بل زاد عبادة لها هي قدر بعده عنها ، ذلك انه خيالي يحلم بالأميرات البعيدات .

بيد أنهما اتصلا في هذه المرة صلة العشاق في شاميري عام ١٧٣٤ . وكان روسو يعطي دروسا في الغناء لصويحباتها الغواني ، وبقرأ لهن في مؤلفات الأدب ، ولكنه لم يلبث أن نزع إلي السفر والوحدة ما دامت مدام وران لا تخصه وحده بحبها .

ولما كان روسو متهافت الصحة دائم الشكاة ، فقد وقر في وهمه - بعد مطالعته كتابا من كتب الطب - أن به سرطانا في القلب . فرحل إلي مونبلبيه لمشاورة أحد الأطباء الآساتذة ممن نسميهم اليوم بالإخصائيين . وكان قد ورث بعض المال وتيسرت له الحال هنيهة ولا حاجة إلي القول إن أطباء مونبلبيه بعد كشفهم عليه اتسموا لتشخيصه لدائه وطمأنوه على نفسه . وقد خطر له

برهة أن يتلقي في الكلية دروسا في التشريح ، ولكنه لم يطق الصبر على رائحة الجثث في الحجرات المعدة لذلك.

ولم تمض أشهر قلائل حتي عاد إلي مدام وران ، وقد استقر بها المقام وقتئذ في الريف في شارمت بالقرب من شامبرى . وكان قد خلقه على حبها هاشق اخر ، فار فضي منها بأن يكون الصديق ، وهنا عاش روسو اياما سعيدة في وسط المروج والغياض وبين مجاني الكروم والبساتين ،

واستغرق في دراسة الطبيعيات ، وما وراء الطبيعيات ، والفلسفة ، والفلك . واخذ يحلم بطلب المجد الأدنى ، ويؤلف الأوبرات المؤثرة . واخيرا اجمع العزم على النزوح إلي باريس ، تاركا وراءه من كان يدعوها " أماء " وتاركا معها شبابه .

واستقبلته باريس فأحسنت استقباله ، بفضل ما كان يحمله من التواصي . إلا أن رسالته في موسيقي العصر لاقت معارضة من بعض المشاهير ، ولم تظفر مما كان مقدرا لها من نجاح ، وغلب أمل روسو ، فانطوي ثانية علي نفسه ، وأاوي إلي عزلته ، ووجد اللذة المريرة في الاعتكاف

والقبوع كالدب في جلده ، والتسكع في حدائق لكمبرج يطالع فيها الأشعار .

بيد أن بعض العقائل اهتممن بشأن هذا الموسيقى الشاب ، على الرغم مما كان يبدو عليه من الربكة وقلة اللباقة في مجالسهن . فارتحل بفضل وساطتهن في عام ١٧٤٣ إلي البندقية سكرتير السفير فرنسا . فأبلي في وظيفته زهاء السنة بلاء حسنا ، حتى استوحش السفير من ناحية ، وداخلة الحدر منه على مركزه وعمل على استقالته ، فعاد إلي باريس موغر الصدر ناعما علي الناس وعلي المجتمع.

وفي ذلك الحين التقي في النزل الذي نزل فيه بخادمة ساذجة طيبة ، وهي تيريز ليفاسير ، فأصبحت القرينة الملازمة له طوال حياته . فماذا تراه قد حببه في هذه الجاهلة التي لا تكاد تعرف ساعات النهار ، والتي لم تعرف قط مواقع الشهور من السنة ؟ إن الذي قد حبيبه فيها ولاشك هو هذا الجهل نفسه . فإنه وهو الفقير ذو الحياء والكبرياء كان يرتاح إلي ابنة الشعب هذه ، وإلى وتوقها به واطمئنانها الأعمى إليه . ثم إنها كانت تتعهد بغير اشمئزاز مرضه بالمثانة ، وهو داؤه القديم الملازم الذي ما برح يزداد سوءا على سوء، كما انها كانت تحسن طهي الطعام ، وانضاج افخاذ العجول الدسمة ولحم الطير الشهي . وقد بلغ من استمساكه بتبريز انه ارتضى من أجلها اطعام أهلها ، وكلهم أكول نهم ، طويل الأنياب حديدها ، ولا سيما امها اللصة ، وأخاها الآفاق .

فكان لا بد له من كسب المال ، فسعى ان تمثل رواياته على غير جدوى ، فالتحق باحدي كرائم السيدات كاتب سر لها ، وهي مدام ديان ، وكانت تضع كتابا تضمنه خواطر كلها عميقة من طراز قولها : " ليست الازهار كلها ورودا " إلي غير ذلك مما هو بسبيله . كما كان يعمل في مؤلف كبير في الكيمياء لابن اخ السيدة كان يتوق إلي تقديمه المجمع العلمي .

ولكنه حين قفل إلي باريس ساءه ان علم بأن تبريز حامل على وشك الوضع . فإنه كان لا يتصور في نفسه المقدرة على ان يكون رب اسرة ، فهو شديد الكلف بالأستقلال وعدم التقيد ، فما كاد الطفل يولد حتي ألقى به إلي ملجأ اللقطاء أعني إلي الموت ، فقد كانت العناية بالأطفال اللقطاء سيئة بحيث لايرجي لهم معها حياة وتكرر حمل تبريز ، وهو في كل مرة يفعل هذه الفعلة .

وقد انقسم النقاد حيال هذا الاعتراف فرقا ، فمنهم من يعترف لروسو بأنه كان شديد الشعور بأن أولاده حقا هي مؤلفاته وليدة فكره ونتاج قريحته ، وانه لذلك كره الاشتغال بالولد عن التفكير . ومنهم من يذهب إلي ان روسو كما هو المتعارف عن اضطراب قواه الجنسية كان عاجزا عن النسل ، فشاءت له كبرياؤه نفى هذا العجز بدعوي انه نسل ، وانه تخلص من ابنائه على الوجه الذي يرويه في اعترافاته ، مع ما فيه من مجافاة للانسانية ومناقضة للعاطفة الأبوية .

والعجيب ان يكون روسو بعد هذا مؤلف كتاب " اميل " فيما ينبني للأولاد من عناية في التنشئة والتربية: الملهم إلا إذا زعمنا مع الراهمين ان هذا الشعور نفسه بالتبعة في تربية الولد هو الذي حدا به إلي أن يفعل بهم ما فعل.

ومهما يكن من الأمر ، فإن السيدات مازلن طوال حياة روسو يعطفن عليه ، ويحنين على قلبه الحساس . ومن اولئك مدام دي ايبتاي وصديقتها مدام دي هودنوت -

ولقد تعرف روسو في الوقت نفسه إلي فلاسفة العصر ، ديدرو ، وجريم ، ودالمبرت ، ولكنه لبث بعيدا عن هؤلاء ، المتشككة الملاحدة بإيمانه الثابت في الله .

وفي هذا العهد كتب رسالته فجمع ويجون في الموضوع الذي طرحه المجمع للمباراة عما انتشر العلوم والفنون من أثر في تهذيب الأخلاق ، وفيها نهى روسو علي الحضارة وحبذ الرجعة إلي الطبيعة ، وأطري رجل الفطرة المتوحش.

استحفاظا بالرجل المتمدن وظاهره المموه . وكان روسو متحمسا لموضوعه ، جائش النفس به ، حتى إنه كتب رسالته بجرة قلم واحدة في ليلة واحدة . وقد فازت رسالته بالجائزة ، فإذا هو ما بين ليلة وضحاها على بقاع المجد . ومن ثمة بدأت حياته الكتابية وحياته العامة .

ومع هذا فإنه لم يزهد في الموسيقى . فألف عام ١٧٥٢ اوبرا باسم " عراف القرية " مثلت في قصر فونتابليه في حضرة الملك وقد ارادوا تقديم المؤلف إلى جلالته املا في إجراء معاش عليه . ولكن المؤلف المستوحش بلحيته الرسلة وشعره المستعار الأشعث ، أبي المتول بين يدي لويس الخامس عشر . وفضلا عن ذلك فقد كان مرضه شديد الوطأة عليه ، فلم يكن يطيب له غير التفرد والوحدة .

وقد كتب في معتكفه " هلواز الجديدة " وأتم كتابيه " اسيل " و " العقد الاجتماعي" . وكانت اعصابه ملتائة مجهدة ، فهو في خصام مع فولتير وديدرو وكثيرين غيرهما ، ولما ان ارتحل إلى انجلترا عام ١٧٦٦ حيث قوبل بالتجلة والإكرام ، لم يلبث أن تخاصم مع هيوم ووليول وجميع من احتفوا به. واشتد به الهوس حتى انقلب إلي توهم الاضطهاد والهذيان بالمطاردة . وفي السنة التالية قفل راجعا إلي فرنسا .

وهنا عاش روسو منزويا مستخفيا ، إذ كان يري المكايد تنصب له في كل مكان ، ويخشى على نفسه ان يداف له السم ، ولم يعد له سرور في غير اجترار الأعشاب وكتابة سفره الأخير "أحلام سائر وحيد".

وفي عام ١٧٦٨ عقد زواجه على تبريز الوفية التي كانت تتبعه حينما ذهب . وأخيرا ختم مؤلفاته بكتابة اعترافاته . وقضى نحبه عام ١٧٧٨ وهو يغمغم : " ياعلي يا عظيم ، يا الله . . السماء صافية ، ليس فيها غيمة واحدة . . إن ينتظرني"

وهكذا انتهت من صاحب " الاعترافات " حياته التي ابرز لنا بين دفتي كتابه صفحتها ، بما فيها من عار وفضيلة وما فيها من جنون وعبقرية.

اشترك في نشرتنا البريدية