الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 410الرجوع إلى "الثقافة"

:اقتراح صغير خطير, !ثلاث سنوات لا خمس

Share

نظرة واحدة إلى السنوات الماضية تكشف لنا عن حقيقة فذة لا أظن ان لها مثيلا في بلاد كثيرة فقد توالى على البلاد فيما بين عام ١٩٣٨وعام ١٩٤٦ عدد من الحكومات يبلغ مثل عدد السنوات تقريبا . ولكل من يشك في هذه الحقيقة أن يعد على أصابعه أسماء الوزارات واحدة بعد واحدة منذ وزارة المغفور له محمد محمود باشا عام ١٩٣٨ إلى وزارة صدقى باشا الأخيرة عام ١٩٤٦ . وإذا رجعنا إلي ماقبل ذلك وجدنا هذه الظاهرة نفسها تقريبا تقريبا فيما بين عام ١٩٣٠ .وعام ١٩٣٧

فالحقيقة التي يدل عليها هذا الاستقراء هي أن الوزارات كانت ولا تزال تتوالي على الحكم سريعا بحيث لا يبلغ متوسط حكم الوزارة الواحدة أكثر من عام واحد تقريبا وهناك ظاهرة أخرى تدل عليها تجارب السنوات الماضية أيضا ، وهي أننا لم نر يوما أن وزارة من الوزارات سقطت من الحكم على أثر موقف البرلمان منها بل إن الذي كان يحدث دائما هو أن الوزارات هي التي كانت تسقط البرلمانات دائما . ومن السهل جدا على كل من أراد التحقق من هذا الأمر أن يستعيد في ذاكرته كل الوزارات التي تعاقبت على الحكم ، ويري هل سقطت واحدة منها لأنها تقدمت إلى أحد مجالس النواب فعرضت عليه اقتراحا بالثقة كلما رأت أنه يخذلها جمعت حقائبها وخرجت من الحكم واضعة ذيلها بين أرجلها كما ينبغى . فمما لاشك فيه أن كل الوزارات كانت تموت بالسكتة وهي متمتعة بثقة برلمانها ، ثم تأتي بعدها وزارة أخري تسقط البرلمان القائم وتأتي بغيره على .أثر انتخاب جديد

والظاهر من كل هذا أن طبيعة بلادنا أو طبيعة

الظروف التي تجتازها البلاد في هذه السنوات تجعل استمرار .الحكم لمدة طويلة متعذرا كل التعذر إن لم يكن مستحيلا  ولسنا بصدد دراسة هذه الأسباب التي ادت إلى قصر مدة الحكم وإلى سقوط البرلمانات بدل سقوط الوزارات ؛ فإن دراسة هذه الأسباب يحيط بها كثير من التعقيد والإبهام وفيها كثير من مواطن الحرج ، فلا حاجة بنا إلي اقتحام هذه المخاطر ، وحسبنا أن ننظر في النتائج نفسها لعل فيها دلالة تؤدي إلي فائدة . وإنا نعتقد ان هذه الحقائق التي يكشف الاستقراء عنها لها في ذاتها خطورة ينبغى لنا ألا نتجاهلها . هذا هو الشعب المصري ، وهذه هي حكوماته ، وهذه هي الحقائق الثابتة التي لا على الحكابرة فيها . فماذا تدل عليه هذه الحقائق ؟

إذا كانت البلاد لا تطبق الصبر على وزارة واحدة لمدة تزيد على سنة ، وإذا كانت البرلمانات دائما تسقط قبل أوانها ولم تستطع يوما أن تسقط وزارة واحدة ، فمن العبث أن نقلد البلاد الأخرى في دساتيرها ، لأن البلاد الأخرى أطول منا نفسا وأكثر منا استقرارا علي دساتيرها ؛ فالأمة الإنجليزية مثلا تستطيع أن تصبر على الحكومة الواحدة لمدة سنوات طويلة قد تزيد على خمس أو ست . ومجلس النواب في انجلترا لا يحل إلا إذا وافاه الأجل المقدر ، ولم تجرؤ وزارة في هذه العصور الحديثة على حل برلمان قائم قبل أوانه فالدستور الإنجليزى الذي يجعل مدة البرلمان خمس سنوات دستور معقول ، لأنه قائم على هذه الطبيعة الإنجليزية التي تستطيع أن تتحمل الحكم في صبر لمدة طويلة ، والأمه الإنجليزية تستطيع أن تصبر على البرلمان حتى يحين وقت الانتخاب الجديد ، ثم تقلبه إذا شاءت وتختار غيره من نواب مخالفون نواب البرلمان السابق كل المخالفة . فقد استطاعت مثلا أن تصبر على برلمان المحافظين منذ سنوات طويلة حتى انتهت هذه الحرب ، فإذا بها تقلب المحافظين في الانتخابات الجديدة وتأتي بمجلس جديد أكثر من

العمال الذين هم في الطرف الآخر من المبادئ المتناقضة .لمبادئ المحافظين

فللأمة الإنجليزية العذر إذا كانت تجعل فترة الانتخاب خمس سنوات ، لأن الاستقراء يدل على أنها تستطيع الصبر ؛ ولكنا معشر المصريين لسنا من الإنجليز ولسنا أيضا من الأمريكين ، فما السبب الذي يرغمنا على أن نجعل فترة الانتخاب خمس سنوات ؟ هذا هو السؤال الذي حاولت فى كل هذه المقدمات أن أصل إليه . فما دامت ظروفنا العامة وطبيعة أحوالنا وحالة نفوسنا في الوقت الحاضر تجعل من العسير علينا أن نتحمل حكم الوزارة الواحدة لمدة طويلة  وتجعل من المتعذر بقاء البرلمان الواحد المدة المعينة له فى الدستور . فلماذا لا نتجرأ ونقل هذه المدة فيكون ذلك تمشيا مع الحقائق التي حتمت علينا سلوكنا في هذه السنوات العشرين ؟ فإذا استطعنا أن نجعل فترة الانتخابات ثلاث سنوات مثلا فانا نعتقد أن حالتنا النفسية تصير أكثر هدوءا ؛ لأننا إذا وجدنا أن الانتخابات أسفرت عن وجود غالبية من حزب معين وقامت على أثر ذلك حكومة من ذلك الحزب ، فإن قصر فترة الانتخابات تجعل الأحزاب الأخرى أكثر قبولا الموقف ، لأنها تعرف أن الحزب الحاكم إذا أساء التصرف أمكن التخلص منه بعد مدة قصيرة نسبيا في الانتخابات الجديدة التي يكون فيها .الرأي العام قد وقف على كل أخطاء الحكومة القائمة  فيكون من السهل استفتاء الأمة في الانتخابات ، وعند ذلك تسنح الفرصة لكل حزب أن يحاسب غيره وان يتقدم إلي الأمة بحسابه ليستنصر بها على منافسيه وقصر فترة الانتخاب له فائدة أخرى ، وهي أن الحكومة القائمة تكون دائما حريصة على تبرير عودتها إلي الحكم فتلزم .جانب الحذر في تصرفها ، وتتجنب الشط بكل ما أمكنها  وهناك فائدة ثالثة ، وذلك أن قصر فترة الانتخاب تحمل المتقدمين للانتخاب على أن يقتصدوا في تضحياتهم

المالية في سبيل الظفر، لأن المدة القصيرة لا تستحق كل .التضحيات التي تسخوبها نفوسهم من أجل المدة الطويلة  لكل هذا نقترح على البلاد أن نجد مخرجا من الأزمات التي نتعرض لها بتعديل فترة الانتخاب وجعلها ثلاث سنوات بدلا من خمس ولعلها إذا عمدت إلي ذلك التعديل تجنبت تكرار المنف في حل مجالس النواب ، فان حلها لا يكون عند ذلك نتيجة شك في تكوينها ، بل نتيجة الاتجاه الجديد الذي يقصد به الرجوع إلى الأمة في .مدد متقاربة

وإذا كان بعض الأحزاب التي قد تكون مجالس النواب يخشى ان تضيع منها بعض المقاعد في الانتخابات القريبة فلما لها مخفف من وقع هذا على انفسها بأنها سوف تجد فرصة جديدة للرجوع إلى الأمة بعد مدة قصيرة تكون الأمة قد رأت في أثنائها من أعمال الحكومة الجديدة .ما يهديها في انتخابها المقبل بعد زمن يسير أليس هذا اقتراحا ممكنا ؟ إلا يمكن أن ينظر قادة ،الرأي في البلاد في تعديل الدستور تعديلا مثل هذا  خروجا من الحرج الحاضر والتماسا لتجربة جديدة قد تكون لها فائدة محسوسة فى احوالنا ربما تهدأ النفوس وتستقر الأمور فنعيد النظر مرة أخرى عند ما نرجو أن تكون فترة السنوات الخمس هينة الحمل على النفوس ؟

اشترك في نشرتنا البريدية