الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 272الرجوع إلى "الرسالة"

اقتراح على الشعراء

Share

تغلي أطراف العالم العربي والعالم الإسلامي لأنهم يوقدون على  قلبهما بالحديد والنار والمكيدة في فلسطين، وتسجل الأيام أروع  قصة من قصص البطولات والإباء والتضحية في التاريخ كله،  وتصبحنا الأنباء وتمسينا بما يبسط قلوبنا ويقبضها سرورا بانتصار  إخواننا أو ألما من اندحارهم  

وتلتقي مشاعر المسلين والعرب لقاء عجيبا في هذه البقعة  المقدسة من الأوطان العربية مما جعل الثورة الفلسطينية مبدأ عهد  لتكوين الشعور الإسلامي والعربي، ومدار ذكرى ومداولات  حول النفس العربية وتاريخها وخصائصها وجهادها ومستقبلها  

فكيف تمر بنا هذه الحوادث الجسيمة، وتعرض على أعيننا  وقلوبنا هذه المشاهد والمشاعر الفذة ثم لا تسجل تسجيلا فنيا  خالدا في مطولات و(ملاحم) كما كانت حروب (طروادة)  مدار أناشيد الإلياذة اليونانية؟  

إن في شخصيات باعثي هذه الثورة وفي قوادها وفي جنودها  رجالا ونساء وفي شرفهم وسمو أخلاقهم وفي الأهوال التي تحيط  بهم. . . معاني روائية نادرة ومنابع إلهام لذوي الأقلام  

فمن يا ترى تنتدبه الأقدار وتصطفي قلمه لكتابة هذا الديوان  الخالد كما اصطفت قلم الشاعر الكبير أحمد محرم لكتابة ديوان مجد  العرب والإسلام الذي نرجو له التوفيق فيه؟  

إني أخشى أن أشير بإصبعي في هذا المقام إلى بعض الشعراء  الذين أعرف في خيالهم الواسع قدرة على ملء الفجوات التي  بين الحوادث، وقدرة على تلوين الشخصيات والأحداث، وعلى  الربط و(الحبكة) الفنية في الإخراج، وعلى خلق شخصيات  خرافية عند اللزوم  

أخشى هذه الإشارة حتى لا أصد بعض الذين قد يقعدهم أن  ذكرهم نبأ عنه القلم في هذا المعرض. ولعل طبعهم الشاعر قد سما  ونضج بالثورة الفلسطينية، و(قد يسمو الطبع الخافت لأن  حادثة ما تحمله إلى الأفاق العليا من التفكير والأفتنان، كما تعلو  العاصفة بالهشيم والريش إلى حيث تحلق ذؤابات الدوح وأجنحة  النسور). كما يقول الأستاذ العقاد

ومن منا لم تسم بمشاعره حوادث فلسطين وتفجر في طبعه  الشعر النفسي الذي يفيض على القلوب في بحوره المرسلة؟  

إني لم أتمن أن أكون من رجال الشعر المنظوم الذي يرضي  نفسي إلا اليوم حتى أظفر بهذا الشرف العظيم  

فيا شعرائنا عشاق الخلود! ليس التغزل في جسد جميل أو كأس فاتنة، ولا البكاء  المزري بالرجولة من نفس هلوك على حبيب هاجر وخدين غادر،  ولا الخواطر الكزة الضيقة في مناسبات الحياة الشخصية الأنانية،  ولا الوصف التقليدي للطيارات والقطارات والإبل والأشجار  والأطيار، ولا. . . ولا. . . إلى أخر المكرور المعاد من العناوين  المتوارثة كما تورث الأوعية والآنية ليصب فيها. . . ليس كل أولئك  شيئا ذا خطر ورجاحة في ميزان المواريث الأدبية الخالدة، لأنها  لا تقترن بالنفس العربية العامة الواحدة في كل الأشخاص  والأمكنة والأزمنة. . . وما لم يكن على الأثر الأدبي هذا الطابع  طابع العموم والشمول فلن يحظى بالخلود  

وفي الثورة الفلسطينية أوتار تتصل بكل قلب عربي ومسلم،  فمن استطاع أن يجمع هذه الأوتار في يده، وأن ينشد عليها بإيمان  وفن واستغراق، فسيذهب نشيده مرددا في كل يوم وفي كل  مكان وبكل لسان. . .  

وإذا مرت الثورة الفلسطينية من غير شاعر واحد يرصدها  ويغني لها ويندب. . فأخشى أن يحكم المستقبل على شعرائنا أنهم  (قليلو الملاحظة: يذهبون إلى الغابة للبحث عن وقود ثم

يرجعون فارغي الأيدي!) كما يقول المثل الإنجليزي. . . أو أنهم  يجرون وراء السراب ويتركون الأنهار المتفجرة. . .  

اشترك في نشرتنا البريدية