الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

اقصوصة موسيقى

Share

للكاتب الشكوسلفاكى الكبير كارل بيك

تعريف : مؤلف هذه القصة أشهر كاتب تشكوسلفاكى معاصر ، بلغ ذروة الشهرة منذ عشرين عاما ، ثم عرفته انكلترا فى السنين الأخيرة من حياته بأقاصيصه ورواياته ومسرحياته التى أخرجت إحداها على مسارح لندن ، وله فى سجابا الإنكليز كتاب يهزل فيه بأسلوب رشيق دعاء ( رسائل من انكلترا ). . وقد توفي عام ١٩٣٨ في العقد الخامس من عمره .

حدثنى " كالينا " ضابط الإيقاع والموسيقى ، قال : - إنه لشىء مؤلم أن نجد فى نفسك الرغبة على أن تعين أحدا ، ثم لا تستطيع ذلك ، وهذا ما حدث لى ذات مرة حينما دعيت إلي لفربول لأقود حقلا موسيقيا يقام هناك .

إنك لتعلم بعجزى عن النطق بالإجليزية ، ولكننا معشر الموسيقيين يمكن أن يفهم بعضنا بعضا وخاصة كلما قبضت أيدينا علي العصا القصيرة تلوح بها ، فما عليك إلا أن تقرع بها ، وتتفوه بشئ وتلوح بيديك وتعيد ذلك مرارا ... حتى أشد المشاعر إرهافا يمكن أن يعبر عنها كذلك ، فمثلا إذا ما لوحت بيدى هكذا ، فإن كل امرئ يمكنه أن يرى في ذلك معنى بتحرير النفس من إسار الهموم وأثقال الحياة وانطلاقها فى عالم روحى غامض .

حسنا . . حينما وصلت إلى لفربول كان أصدقائى الإنكليز ينتظروننى على المحطة، ولقد ذهبوا بى فور وصولى

إلي نزل لكيما أرتاح فيه وأستجم ما افقدنيه السفر من نشاط ، ولكننى ما إن أخذت حماما حتي ألفيت فى نفسى رغبة فى التجوال . . فكان ذلك ، على أننى ضللت سبيلى بعد ذلك .

إن أول ما أعنى به كلما حلت فى بلد ، أن أبحث عن النهر الذي يمر به أو يقطعه ، إن النهر ليعطيك فكرة عما أسميه ( إيقاع المكان ) . إنك لترى فى جانب كل ضجيج الشوارع من الطبول والأبواق النحاسية الضخمة بينما تجد فى الجانب الآخر وهو النهر ، رنين الأوتار وعزف القيثار ونغم الكمان ، هنالك تستطيع أن تصغى إلي المدن بأجمعها فى آن واحد . ولكن النهر الذي يمر بلفربول والذى لا أعرف اسمه قذر آسن ، على أنه ينساب هادئا ويهدر وبتقصف ماؤه ويصطخب كلما ارتطمت أمواجه بالبواخر والرفاسات والسفن والمخازن والأرصفة والرافعات . . ولقد قلت لنفسي : حسنا ، دع ذلك كله ، لا بد

أن يكون النهر محيطا بهذا الركن فلأذهب إليه هناك حيث ينساب ، فسرت وسرت ساعتين ، ولا شئ يمر فى أو أمر به غير المخازن والظلال والأر صفة . . وهنا وهناك قد ترى بواخر شاهقة كقبة الكاتدرائية . لقد بعث ذلك إلى نفس كثيرا من البهجة والمرح ، ولكن الليل كان قد هبط آنذاك ، وكنت قد بلغت فى سيري مرتفعا رمليا ، وكان هناك ضوء خافت إشع من من منزل بقابلتى وأنوار صئيلة النور قلقة تخفق على بعد . . ربما كانت تصدر من البحر .

ثم جلست على كوم من الدوح ، وأحسست بفيض من البهجة يغمرنى لعزلتى هذه ولضلالى . . ولقد أصغيت بكل جوارحى إلي هدير الأمواج ولسماعها حتى أحسست بالصداع ، ثم جاء شخصان . رجل وامرأة . لكنهما لم يربانى ، ولقد جلسا فوليانى ظهريهما وراحا يتحدثان بخفوت ، ولو أنى كنت أفهم الإنكليزية لكنت قد سملت لأشعرهما بأنني سامع لحديثهما ولكنى لما كنت لا استطيع أن أنطق منها بغير كلمتى الفندق والشن فقد عدلت عن ذلك . . واضطجعت .

لقد كان حديثهما أول الأمر خافتا رقيقا ، وكان الرجل يتحدث إليها بأنة وروية لكأنه يخشى أن تفوت أذنيها كلمة مما يقول ، ثم راح بعد ذلك بغتة يهدر بصوته متهجما مغتاظا

ولقد صرخت المرأة فزعة مرناعة ، وفاهت ببضع كلمات ترد بها عليه بعنف ، ولكنه أخذ بعد ذلك بكلامها من بين أسنانه حنقا ، لم يكن هذا حديث هو مما يجرى بين حبيبين . كلا ، وليس هو فى شىء من إغراء حبيب لحبيبه على فعل شئ أو إقناعه به . إن لكل ذلك أنغاما أخر ليست من هذه الألفاظ المتوترة الجافة التى كانا يتراشقان بها فى شئ . إن لنجوى المحبين لهما حبيبا هادئا عميقا ، ولكن حديث هذين كان ذا نغم هادر وإبقاع موحد ، كأنما كان الرجل قد لبث بعيد ويكرر جملة واحدة . . لقد أحسست آنذاك بذعر وفزع مما أصغي إليه . . لقد كان الرجل يغالب المرأة فى أقواله . . ولقد شرعت تبكى بعد ذاك وتعول ، وبين حين وآخر كانت تصرح فزعة كما لو كانت تأبى شيئا أو ترفضه ، ولكنه كان يحاول إقناعها ، وكان فى صوتها شئ من حنان صوت المزمار وعذوبة نفسه ، ولم يكن فى نيرانها ما يضىء عن سنها ، ولكن صوت الرجل أخشوشن وغلظ ، كأن فى نيرانه ما يدل على أنه يأمرها بشىء أو يتهددها بما هو أبعث على الفزع منه ، فكان أن شرعت المرأة تتوسل وتتضرع بيأس وتلهث فزعة مرناعة ، وبعد ذلك أخذ صوت الرجل بهدر فى خفوت ، فى نغمة صافية والهة ، ثم استحال

تحيب المرأة إلى شهدات عميقة متقطعة ، فكان معنى ذلك أنها لم تعد تقوى على أن تقاوم بعد . أو أنها خضعت لوعيده ولكن صوت ( البوق ) عاد بعد ذلك يرتفع مدويا ، مضيفا جملة إلى جملة فى مقاطع مبثورة فى حزم ولحاجة ، وقد رافق هذا صوت المرأة تنوح أو تتهد مستسلمة بائسة . إذ لم تعد ثمة مقاومة تبين فى صوتها ، خلا نيرات تدل على الخوف والفزع ، ليس من الرجل نفسه ، ولكنه فزع غامض من أمر سيقع . ثم سكنت حدة الرجل وآضت ثورته إلى حديث عميق ووعيد خافت كما آض نواح المرأة ونحيبها إلي تهددات بائسة هادئة . وبصوت خافت سألها الرجل بضعة أسئلة ، يظهر أنها أومأت إليه مجيبة عنها . إذ لم يعد ذلك يلحف أو يتوعد . ثم نهضا بعد ذلك وافترقا . .

إنك لتعلم أننى لا أعتقد بالأوهام ولكنني أعتقد بالموسيقى فحينما كنت أصغى إلى حديثهما ذلك المساء ، أيقنت كل اليقين أن ذلك ( البوق ) الصحاب إنما يحاول أن يقنع ذلك ( الزمار ) المذب النغمة الحنون على أن يكون شريكا فى جرم ، وأيقنت ، أيضا ، أن هذا ( المزمار ) سيخضع لما يراد منه .

لقد أصغيت إلى ذلك كله . . ولقد كان لى إصغائى ذاك ، أكثر من فهمى لما قالاه . . لقد أدركت أن ثمة جريمة على وشك أن ترتكب . وعرفت ماذا ستكون .

لقد عرفت ذلك كله من الفزع الذى كان يشوب صوتهما ، من سمتيهما ، من نعم حديثهما ومن سكونهما وتوقفهما عن الحديث . أرأيت ؟ ! أن الموسيقى أدق وأبلغ من الكلام ، إن ( المزمار ) العذب النغمة الحنون كان بسيطا فلم يقو علي شئ ، ولكن ذلك ( البوق ) الهادر الصاخب كان يستطيع فعل كل شئ . . بينما كان ذاك ( المزمار ) بريجف ويضطرب .

لقد اندفعت إلى الدينة معتقدا بأن شيئا على وشك أن يقع ، وأن على أن أحول دون وقوعه . ولكن .. إنه لشئ مخيف أن تجد نفسك وقد تأخرت كثيرا . .

لقد وجدت آخر الأمر شرطيا فى ركن من الشارع ، فاندفعت إليه وأنا ألهث فزعا :

( انظر . . هنالك جريمة تدبر في هذه المدينة ) . ولكنه هز كتفيه وفاه بشىء لم أفهمه . ولقد قلت لنفسى : ( رحماك يارب . . إنه لا يفهم كلة مما أقول ) ويرغم ذلك رحت أصرخ فى أذنيه كما لو كان أصم : ( إنها جريمة .. ألا تفهم ؟ إنهم سيقتلون امرأة تعيش وحيدة ، وشريكهم في ذلك الخادم أو البواب ، آه يارب افعل شيئا بحق السماء ) . ولكن الشرطى هز رأسه وفاه بشئ ثم افهمه ، ومع ذلك حاولت أن أشرح له الأمر ، وكنت مهناجا بغلى فى السخط والفرع : " الآن

أصغ إلى . ستفتح تلك المرأة المسكينة الباب لحبيبها ، تستطيع أن تراهن بحياتك على ذلك ، كل ماعليك . أن تمنع هذا . ابحث عنها " . . ولقد تذكرت آنذاك أننى لا أعرف شكل المرأة ، وحتى لو كنت أعرف ذلك فلا استطيع أن أصفها له . . آ . بارب ، إنه لعدوان أن يحدث ذلك .

ولقد اقترب منى الشرطى الإنجليزى وراح يحاول أن يهدئنى ، ولكى قبضت على رأسي بيدي وصرخت : أنت مجنون . ثم قلت لنفسى . حسنا سأتولى الأمر بنفسى . لقد كان ذلك محض جنون ، ولكن كما ترى ، حينما تهدد حياة إنسان فلا بد من جهد يصونها . . ولذا فلقد اندفعت فى شوارع لفربول طول الليل علنى أرى أحدا يحاول أن ينسل إلي دار . . إنها لمدينة عجيبة . ساكنة فى الليل كالأموات .

ولما انبلج الصبح ، ألقيتنى جالسا على حجر اتنهد متعبا ، ولقد وجدنى الشرطى هناك ثم قادنى إلى المنزل . لا أعرف كيف قدت الجوق فى تجربة الحفلة ذلك الصباح ، ولكنى حينما قذفت بالعصا أخيرا إلى الأرض واندفعت إلى الشارع ، كان بائع الصحف ينادى بصحف المساء .

ولقد ابتعت واحدة كان فيها عنوان بارز ( حادث قتل ) وفى أسفله صورة امرأة ذات شعر أبيض .

( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية