الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 49الرجوع إلى "الثقافة"

اقــــــــــــــــــــــــــــــــتراح

Share

هذه وزارة الشؤون الاجتماعية بدأت حياتها تنظر فى اختصاص الوزارات المختلفة ، وتستعرض أعمالها ؛ فما رأته يمس اختصاصها من قريب أو من بعيد طالبت به وسعت أن تضمه إلى اختصاصها ، وتستتأثر به دونها ؛ فنجحت حيناً ولم تنجح حيناً ، طالبت بالفرقة القومية ، وطالبت بالسجون ، وطالبت بالملاجئ ، مما يطول شرحه . فأجيبت إلى بعض ، وردت عن بعض . فهل لها أن تصغى إلى لأدلها على عمل جديد مبتكر ، لم تلتفت إليه وزارة من الوزارات ، مع وضوحه وجلائه ، ومع الحاجة الشديدة إليه ، يغنيها عن أن تقف من الوزارات موقف السائل يحسن إليها مرة ، ويردها مرات ؟

وهذا الأستاذ توفيق الحكيم يكتب في الصحف والمجلات ، يعلن تارة أنه عدو المرأة ، وتارة أن ليس في مصر إمرأة مثقفة ، ولا زوجة صالحة؛ فيظن السذج أنه يكره المرأة أشد الكراهية ، ولا يحب أن يراها ، ولا أن يسمع عنها ولا منها . ولو درسوا قليلا من علم النفس لعلموا أن الإكثار من القول فى الشئ - على أى نحو كان - دليل الاهتمام به ، سواء كان القول هجوما أو دفاعا ، وإعلانا للحب أو للكراهية ، وللصداقة أو للعداوة ، وأن إعلان العداوة والكره والخصومة ليس إلا أسلوبا شيطانيا من أساليب المنافاة ، كالمرأة تصد لتصل ، وتكره لتحب ، وتعرض لتقبل ، وتبكى لتبسم ، وتشتد لتلين .

وها هو بحمد الله قد تولى منصبا خطيرا فى وزارة الشؤون الاجتماعية " منصب الدعاية " ، والدعاية كما تكون

للرجل تكون للمرأة ؛ والوزارة لم تنشأ لاصلاح الرجل دون المرأة ، ولو قد انشئت لإصلاح الرجل وحده لاضطرت إلى إصلاح المرأة كوسيلة لاصلاح الرجل ؛ فهل له كذلك أن يصغى إلى اقتراح برضى رغبته الباطنة فى الحديث عن المرأة وما يتصل بالمرأة ؟

     هو اقتراح بسيط جدا وخطير جدا ، هو : إنشاء مدرسة اسمها " مدرسة الزوجات " فهو كفيل أن يلفت النظر إلى وزارة الشؤون الاجتماعية من جهة ، وهو أهم وسيلة من وسائل الدعاية من جهة أخرى ، وهو يحقق مصلحة من أكبر المصالح ، وحاجة من أهم الحاجات من جهة ثالثة .

وكل ما أخشاه أن يقول " المتقرنجون " إن أوربا لم تنشئ مدرسة كهذه ، وهى أعرق في الحضارة ، وأسبق إليها منا ؛ فكيف نجرؤ على ما لم تجرؤ هى عليه ؟

وهو قول مردود جدا ودليل على سخافة المنطق جدا ؛ فمتى كان مقياس الحق والباطل والصواب والخطأ هو عمل أوربا ، فما عملته فصواب ، وما لم تعمله فخطأ ؟ إن هذا منطق العجزة ، ومنطق الفقر العقلى ، وإن كان هو المنطق الذى نسير عليه فى أكثر شؤوننا ؛ فالقانون الصحيح ما وضعته أوربا ، والتعليم الصحيح ما سارت عليه أوربا ، والدستور الصحيح ما سنته أوربا ، والبدع الجديد فى الأزياء ما ابتدعته أوربا ، والقول الفاسد ما لم يقل فى أوربا ، والنظام الفاسد ما لم تسر عليه أوربا ، وهكذا . فإن عرضت أمرا من الأمور أو نظرية من النظريات ،

فأسرع وقل إنه قال بها وسار عليها علم من أعلام أوربا ، أو دولة عظيمة من دول أوربا .

    وقد كان علماؤنا رحمهم الله يقولون إن الأدلة أربعة : الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، ولكن هذا القول عقلية القرون الوسطى فى الشرق ، أما فى القرن العشرين فالأدلة خمسة : هذه الأربعة ، وعمل أوربا ؛ فإن أنت أخذت بحظ أوفر من المدنية فليست الأدلة خمسة ، وإنما هى واحدة تغنى عن كل ما عداها ، وهى عمل أوربا ؛ فهى الكتاب وهى السنة وهى الإجماع وهى القياس .

ولكن - يا أخى - أرجو ألا تكون قد بلغت هذه الدرجة من المدنية ، فتصغى إلى اقتراحى " مدرسة الزوجات " ، ولو لم تعمله أوربا ، أليس من اقتراحى أن تتبع هذه المدرسة لوزارة الشؤون الاجتماعية ، وهذه الوزارة نفسها مبتكرة ، فلا أعلم دولة من دول أوربا لها وزارة بهذا الاسم ، فإذا كان الأصل مبتكرا فلم لا يكون الفرع مبتكرا ؟

على كل حال أريد أن تصغى إلى اقتراحي إلى النهاية ، وأنت حر بعد فى قبوله ورفضه ؛ فقد نظرت فوجدت لكل شأن من الشؤون الاجتماعية مدرسة ؛ وجدت للحرب مدرسة ، وللبوليس مدرسة ، وللهندسة مدرسة ، وللقانون مدرسة الخ ؛ ووجدت للطبيبات مدرسة ، وللخدم مدرسة ، وللتراجمة مدرسة ؛ فقلت : أليس الزواج شأنا من الشؤون الاجتماعية ؟ فلم لا يكون له مدرسة كذلك ؟ بل إنه شأن الشؤون ، فلم لا تكون مدرسته مدرسة المدارس ؟ إن الزواج السعيد هو الذى ينجب الطفل السعيد ، فالرجل السعيد ؛ وهل الوزارات كلها ومنها وزارة الشؤون الاجتماعية إلا لإيجاد الانسان السعيد ، فما بالنا ننشئ المدارس للفروع ونترك الأصل ؟

       قال المخذلون : إنك لم تأت بجديد ، فقد سبقك بالفكرة وزارة المعارف ، فأنشأت مدارس الثقافة النسوية

ومدارس التدبير المنزلى ؛ وهل تحتاج الزوجة لشئ غير الثقافة والتدبير ؟

    قلت : نعم ، هذا كله ليس إلا مقدمة لمدرستى ، فالثقافة والتدبير ليسا إلا وسيلتين من وسائل ترقية البنت ، كالدراسة العامة فى المدارس الثانوية للبنين والبنات قبل التخصص لشأن من الشؤون الاجتماعية .

قد كان يكون هذا صحيحا لو أن فشل الزواج يعود فقط إلى ان المرأة غير مثقفة وغير مدبرة ، أما وهذه أقل أسباب الفشل ، فالمدرستان لا تكفيان .

       وقد يكون بعض هذا صحيحا ، لو أن من درست في مدرسة الثقافة كانت مثقفة حقا ، ومن درست التدبير كانت مدبرة حقا ؛ أما ودراسة الثقافة والتدبير فى جانب ، والثقافة الحقة والتدبير الحق فى جانب ، فالمدرستان ايضا لا تكفيان ؛ ولو كان الأمر هينا بهذا القدر ، لعددنا كل من درس الأخلاق فى المدارس الثانوية ذا خلق كريم ، وكل من درس الاقتصاد فى " الحقوق " مقتصدا ، وكل من درس الآداب في كلية الآداب أديبا ، وهكذا ؛ وقد عودتنا المدارس أن نرى الدروس فيها للامتحان ، وليست الدروس للحياة ، وأن الدراسة نوع من الزخرف أكثرها لا يمس جوهر العقل ولا جوهر القلب . فدراسة الثقافة النسوية والتدبير المنزلى لا تغنى شيئا عن مدرسة الزوجات .

إن أكبر سبب فى فشل الزواج هو أن المرأة لا تنظر إلى الزواج نظرة جدية تتطلب واجبات وتحمل أعباء ، فهى مطالبة بتهيئة المنزل الصالح والمنزل السعيد والاستعداد للأمومة السعيدة ؛ ولكنها تنظر إلى الزواج على أنه لعبة وعلى أنه متعة ، وليس تعلم إسعاد البيت وإسعاد الرجل مقصورا على ثقافة المرأة ومعرفتها بالجغرافيا والتاريخ والحساب وأخذها دروسا في إمساك الدفاتر ؛ ففن الاسعاد وراء كل هذا وإن اعتمد بعض الاعتماد على هذا . إن

أكثر ما يفسد الزواج هو تصوره على أنه شعلة ملتهبة من اللذائد التى لا حد لها ، فإذا ثم ولم تلتهب هذه الشعلة أو خمدت - وهى لابد أن تخمد - ضاع الأمل وفسدت الصورة الفنية البديعة التى رسمت قبل الزواج وأحس كل خيبة الأمل . أما تصوره على أنه واجبات وتبعات غايتها الاسعاد الدائم ، واللذائذ الهادئة الدائمة ، وتوزع العبء على الزوجين ، والتضحية المتبادلة للسعادة الدائمة ، فهذا هو ما ينتج الزواج السعيد ، وهو - أيضا - جزء من برنامج مدرستنا .

إن وسائل السعادة من إجادة عزف على البيانو وثقافة علمية واسعة ومال يواجه الحاجات ونحو ذلك ، لا يصح أن تكون وسائل حقة إلا إذا عرفت الزوجة كيفية استخدامها ، وإلا فلا قيمة لها ؛ وهذا سر ما نرى من توفر الأسباب وفشل الزواج .

وإن من أكبر أسباب الفشل أيضا عدم التوافق بين مزاجى الزوجين ، فقد يتزوج خمسة بخمس وكلهم فاشل ، فاذا أعيد التوزيع كان كلهم سعيدا ، ككتب خمسة بعضها فى القانون وبعضها فى الرياضة وبعضها فى الأدب ؛ فلو أنك أعطيت القانونى كتابا فى الرياضة والرياضى كتابا فى القانون والطبيب كتابا فى الهندسة لشقى الجميع ، ولو أحسنت التوزيع لسعد الجميع .

والزواج الآن مهما أدخل عليه من التحسين نوع من " النصيب " لا نتيجة امتحان ودرس وتفكير ، وإنما يكون أسعد حالا بقدر ما يقلل فيه من قدر " النصيب " ويزاد فيه من الاختبار ، وهذا أيضا جزء من برنامج مدرستنا .

تسألنى : ولماذا لم نجعل للأزواج مدرسة أيضا ، فيكون هناك مدرسة للزوجات ومدرسة للأزواج ؟

وجوابى عن ذلك أنه لو كان لوزارة الشؤون الاجتماعية عدو الرجل ، كالأستاذ توفيق الحكيم عدو المرأة ، لاقترحت هذا الاقتراح .

وفوق ذلك فانى أعتقد أن مهمة الزواج خلق ((البيت)) ، و البيت السعيد من صنع المرأة أكثر منه من صنع الرجل ، فالبيت بمطبخه وترتيب أنانه ونشر النظام والراحة والطمأنينة فيه من صنع المرأة ؛ فهى التى تحتاج إلى مدرسة تتعلم فيها كل ذلك ؛ أما الرجل فكل ما يطلب منه شيئان ، الكسب وحسن العشرة ، وطرق الكسب هى ما يتعلمه فى مدرسة حرفته ، وحسن العشرة هو ما يتعلمه كانسان . فإن كان إنسانا طيبا كان زوجا طيبا ؛ أما المرأة فليس يكفى أن تكون إنسانا طيبا لتكون زوجة طيبة ، بل لابد لها من " فن الزواج " وهو ما ستتعلمه فى مدرستنا أيضا .

تسألنى بعد ذلك : وما برنامج المدرسة التفصيلى وما عدد الدروس ، وما عدد سنى الدراسة ، وما مؤهلات الدخول فى المدرسة ، وما الحدود التى ترسمها لاتصال من يريد الزواج بالمدرسة ؟ وهل تشترط فيها قدرا من الجمال أو القبح ؟ وكيف تحتاط حتى لا يتحول الطالبات من طالبات زواج إلى طالبات وظائف ؟ وهل تبيح الانتساب ؟ وهل تبيح الدراسة من الخارج ؟ وهل تعمل البرنامج وحدك أو تشكل لجنة ؟ وكيف تضع نظام الامتحان ؟ وهل تقول بنظام الملحق ؟ وهل يحكم على من رسبت بأنها لا تصلح زوجة ؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التى لا تنتهى .

فأجيب : إنى أضن بوقتى أن أضيعه فى مثل هذه التفاصيل قبل أن أسمع من وزارة الشؤون الاجتماعية رأيها فى قبول هذا الاقتراح أو رفضه .          وإلى اللقاء . . .

اشترك في نشرتنا البريدية