الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 188 الرجوع إلى "الرسالة"

اكروبوليس اثينا، ومعبد بارتنون Parthenon

Share

يرى الواقف فى وسط اثينا على بعد ليس بقليل , مرتفعا أشبه بتل منبسط القمة ، تعلوه مبان ظاهرة ، أكثرها ارتفاعا معبد بارتنون .

والقاصد إلى هذا المرتفع يعرج إلى جهته الغربية ليستطيع الوصول اليه , فتنتهى به الطريق إلى مدخل بروييلين المعتبر من أكبر الأعمال البنائية في اثينا , مبنى كله من الرخام . بين سنة ٤٣٧ وسنة ٣٢ ق . م , على آثار بناء قديم , تحت إشراف المهندس منيسيكلس , Mnesikles واستغرق بناؤه زهاء الخمس سنوات . وهو بحالته الحاضرة لايزال يعطى المشاهد أنموذجا فذا لعصر البناء الفنى فى اثينا ,

فضلا عن أنه مثال رائع جمال البناء على مر القرون . وهو بوضعه أشبه شىء بجبين الحسناء فى نظر المتجه إلى اكروبوليس ,

لأنه فى مقدمة مايرى الداخل إلى المرتفع , يمر منه للوصول إلى المعابد . وكانت شهرة برويلين وبارتنون شهرة فاقت كل وصف فى ذلك الحين , ومع ان عمل التجديد به لم ينته بعد , إلا أن الزائر لا كروبوليس لا يمر منه دون أن يأخذه العجب من عظمة إخراجه وإتقان بنائه وجمال أجزائه .

ويتكون الجزء الاوسط منه من مداخل بعضها خلف بعض على جانبيها أعمدة من الطراز الدورى تحمل سقفا جملونى الشكل يبدأ بأفريز شمل نقوشا ورسومات دون تماثيل , كما ذكر ذلك كل من سبن وهيلر Sponn & Wheler اللذين زاراه سنة ١٦٧٥

ويلاحظ المشاهد للمدخل آثار الألوان وماء الذهب على أجزاء من رؤوس اعمدته , كما يرى ان الردهتين الأمامية والخلفية تتجهان بستة أعمدة دورية إلى الشرق والغرب , وبينهما يقع المدخل بفتحات كبار كانت فى ذلك الحين مما يمكن إغلاقه وفتحه حسب الرغبة بواسطة أبواب أشبه بأجنحة.

وعمل المدخل المؤدى إلى الباب الأوسط بحيث يتصل بالردهة

الغربية , وله أيضا ثلاثة أعمدة يونية الطراز على كلا الجانبين , وتتصل الصالة الداخلية من الشمال والجنوب ببناءين صغيرين زاداهما قوة وهيبة جعلت من المجموع الكلي لبروبيلين فخامة ظاهرة , وطرازآ أنيقا أما البناءان الصغيران فيسمى الأيمن منهما بيناكوتيك لانه كان شاملا لمجموعات صور الفنانين فى ذلك الحين . والايسر اصغر بكثير من الايمن نظرا لما طرأ على العمل من التعطيل بسبب حرب البلوبونيس ولمعارضة حزب الكهنة فى امتداد البناء خشية أن يصل إلى حدود معيد اثينا نيكا وارتميس بروروبيا فيقلل من شانهما ،كلاهما يكمل الجمال الانشائى لبروبيلين .( انظر ش١ من المقال السابق )

وهناك ردهات أخرى لم يتم بناؤهاكما كان مفروضا وفق التصميم الذى وضعه منيسكليس للأسباب المشار إليها .

يسير المشاهد بعدئذ إلى معبد بارتنون الخالد الذى يعد أبهى بناء فنى فى العصر القديم كله , فهو وحيد فى مظهره العام وأبهة بنائه وعظمة تجسمه وضخاته دون خروج على أصول الانسجام فى أكمل معانيه .

وإذا شاهدت كل آثار اثينا فلن ترى من بينها بناء يفوق وارتون ؛ ومع أن الفارق بين مظهره الحالى ومظهره القديم شاسع جدا إلا أنه لا يزال يشع جمالا خالدا يملأ الروح بهجة ويفعم العقل روعة .

يقع بارتنون فى وسط جنوب المرتفع , فهو بموقعه هذا يشغل نقطة أشبه بمركز قوس دائرى يلتف حوله كل ما قام على المرتفع من مبان زادت فى عظمته وقوته ( انظر ش1 من المقال السابق ). كان أساس الحوائط وما يعلوه قليلا من الرخام الخالص عند ما هاجم الفرس أثينا وأشعلوا النار بالمرتفع , ولكن أدركه عصر بركليس فجدد بناؤه وجعل كله من الرخام .

قام بركليس ببناء هذا المعبد كما تولى بنفسه الانفاق على تكاليفه . أما استاذا بنائه فكانا اكتينوس Aktinos وكاليكراتس Kallikrates وتعد حليات البناء الخارجية من أروع القطع الفنية التى عملها الفنان العظيم فيدياس Phedias فكانت معجزة سميت باسمه إلى اليوم ، وضع تصميمها وأشرف على عملها واشترك فيها بيده ونفخ فيها من روحه . كان فيدياس صديقا مقربا لبركليس , فاقادت هذه الصداقه إلى حد بعيد فى إخراج معبد بارتنون علي هذه الصورة من الجمال والروعة،

وأقيم هذا البناء كما تشير الكتابات الخاصة به فى القرن الخامس عام ,٤٣٨ وافتتح عام ٤٤٧ ق . م ومن هذا يتضح انه تم فى عشر سنوات بعد مجهود جبار استغرق كل ايام السنين العشر . وإذا علمنا ان هذه الاعجوبة البنائية الرائعة شملت ٦٢ عمودا  كبيرا و٣١ عمودا صغيرا وحوالى الخمسين تممثالا بحجم الانسان الطبيعى لتحلية

الموضعين المثلثى الشكل من الناحية الأمامية والخلفية المحمولة على الأعمدة لتكوين واجهتى السقف الجمالونى وبأفريزه البالغ طوله 160 مترا وحول البناء من نواحيه الأربع , واثنين وتسعين مستطيلا صغيرا انحصرت بين رؤوس الأعمدة وقاعدة السقف فكونت الافريز ؛ واخيرا تمثال اثينا الذى يبلغ ارتفاعه ثلاثة عشر مترا وصنع كله من العاج والذهب ؛ إذا تمثلنا كل هذا الانتاج الفنى الهائل فى بناء واحد تناسقت كل أجزائه واندجمت كل مشتملاته , وجدنا أنفسنا أمام عظمة قل أن يجود الزمان بمثلها مرة أخرى .

أنظر إلى الأعمدة المتكررة دون املال ودون تشابه (ش-١), وتصور إلى أى حد وصل فنانو الاغريق , و إلى أى درجة بلغت القدرة فى الانتاج الفيلم الذى يعد بحق آية من آيات القدرة الانسانية في أبهى ماوصل إليه تفكير ها وشعورها بالوجدان والجمال . والاعمدة كما ترى عملت مسلوبة من أعلاها ،كما أنها لم تكن مستديرة صماء حفرت على طولها قنوات متوازية سارت على ارتفاع العمود فزادته حسنا واكسبته حياة . حملت الأعمدة السقف الجمالونى الذى لم يبن فوقها مباشرة , بل ارتفع قليلا ليترك مكانا إلى المستطيلات الصغيرة الملتفة حول محيطه الخارجى البالغ طوله 160 مترا كما سبق القول . وترى على هذا المحيط الافريز الشامل لتلك المستطيلات المملوءة بالمناظر البارزة الأخاذة لبصر المشاهد المدقق . اشتملت كلها ما يمثل كثيرا من حياة الاغريق العامة والخاصة والمجال هنا لا يسمح بالتوسع فى التكلم عنها أو الاتيان بمعظم صورها . ولما كانت دراستنا

وفى هذا المقال اجمالية , فاننا نأتي ببعض هذه القطع .

فإذا تاملت المتسابقين بخيولهم (ش٢) أخذتك روعة غريبة تملك عليك مشاعرك عند ما تعلم ان هذا ما استطاع الفن الاغريقى إبداعه قبل المسيح بخمسة قرون .

انظر إلى الانشاء الكلى للقطعة وتصور أن هذا منحوت على الرخام ومع ذلك ظهر بهذه القوة التي مثلت صورة تنبض بالحياة . انظر إلى الخيل وهى جامحة و إلى تفاصيل أجسامها وهى فى غاية من الدقة , و إلى بروز عضلاتها التى لا تخالف أصول التشريح تم تامل الفرسان واذكر قدرة فيدياس فى عظمة إخراجه لهم دون تناظر ودون تماثل , لاشك ترى أن هذا دليل الغنى الفنى إلى ابعد حدوده تأمل عيون الفرسان وعيون الخيل تر اليقظة الكاملة فى الاولى , والوثوب التام فى الثانية .

والصورة ٣ أوضحت لنا أربع نساء تحمل كل منهن آنية , ظهرت اجسامهن كاملة مغطاة إلى أعناقهن بملابس امتلات بالحياة , فالتعاري والتفاصيل التى شملتها هذه الملابس لا ترى لها نظيرا فى قوة الإخراج ولم يترك الفنان رؤوسهن متشابهة , بل جعلها تختلف الواحدة عن الاخرى مسجلا بذلك الحالة كما كانت , فضلا عما ينجم عن ذلك من تقوية درجة الاستمتاع النظري , فجعل اليمنى تربط الشعر يرباط

رفيع , على حين جعل الثانية بذوابة صغيرة ظهر بروزها من خلف رباط الرأس , وتركت الثالثة شعرها مسترسلا على ظهرها ، أما رابعتهن فقد أخفت الشعر تحت غطاء هرمى الشكل.

أما تفاصيل الوجوه فهي مع كونها تعبر عن جمال المرأة الافريقية فانها تمثل الخشوع إلى حد بعيد ؛ إنهن يحملن ما بايديهن بقصد التوجه إلى المعبد . أما نبل الإخراج فهر ظاهر من طريقته فى تكوينهن الواحدة وراء الأخرى فى انسجام .

وصورة حاملى الأوانى (ش4) تريك , فوق قوتها الفنية البعيدة إلى أى حد استطاع المثال أن يجعل من حركة سير الثلاثة رجال صورة رائعة لقدرته على الإخراج - تامل صدر الرجل الاوسط ترالفنان لم يتركه دون حياة , فوضوح خطوط العضلات وبروزها مع ما تراه شاملا للقطعة من حسن التصوير ودقة الثنايا , كل هذا جدير بالاعجاب , إن غنى مادة فيدياس ظاهر واضح عند ما تحقق من الكيفية التي سار عليها المثال فى تكوين ذراعي كل رجل وكيفية حمله الآنية فوق رأسه وسندها بيمينه .

ومن قطع بارتنون الرائعة ايضا اللوحة (ش٥) حيث ترى إلى أقصى اليسار رجلا جالسا يتحدث إلى شاب بجواره . مشيرا له بيسرآه إشارة المستمر فى الحديث , وهو ينصت اليه , و إلى اليمين ترى ولدا عاريا يستند إلى ركبة أمه وهى تشير إليه لافتة نظره إلى شىء معين , وكأن مجاورتها تشترك معهما فى النظر , وهى فى مجموعها وأوضحت ما أراده الفنان من تمثيلها آلهة العدالة

أما صورة تيسويس Theseus ( ديونيزوس ) الجالس عاريا فهي وحدها درس كامل لجمال الانشاء وصدق التعبير وقوة الإخراج ، فكل ما برز فيها من تفاصيل تشريحية مملوءة بالحياة وان المتحف

البريطانى ليفخر بوجود هذه القطعة وغيرها من تماثيل بارتنون التى لا تزال إلى الآن النماذج الفذة لفن النحت . ومهما يكن من شىء فان بارتتون أعظم بكثير من أن يسجل بين سطور لا يتجاوز ما جاء فيها قطرة فى محيط فنه وجماله .

( لها بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية