الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649 الرجوع إلى "الثقافة"

الأبطال بين الماضى والحاضر

Share

الاهتمام بأمر القادة الأعلام والزعماء الأفذاذ البارزين فى التاريخ أو الحياة العامة الراهنة من المسائل التى لا تفتأ تتجدد ويثور حولها الجدل والنقاش ، وقد تختلف وجهات النظر فى تفسير التاريخ وتفهم حوادثه واستنباط النتائج من حركاته وأحواله . فيعزو البعض خطوات التاريخ ووثباته ونهضاته وانقلاباته إلى العناية الإلهية المشرفة على سير الحوادث ومصاير البشر ، ويرى فريق آخر أن الإدارة البشرية وحدها هى التى تخلق كوائن التاريخ وتصنع حوادثه ، وقد يذهب بعض المفسرين للتاريخ مذهباً آخر فينسب الفضل فى الحركة التاريخية إلى هذا الشئ الذى لا يخلو من غموض ويسمونه " روح العصر " وقد يرد فريق آخر الحركة التاريخية إلى ما يطلق عليه إسم " الديالكتيك " ولكن مهما اختلفت الآراء فى تفسير التاريخ فإن مشكلة تقدير مكانة الأبطال أو القادة العظماء ثابتة فى مكانها ، وأنصار فكرة روح العصر يقولون إن الأبطال قد بلغوا مكانة البطولة لأنهم أقوى من غيرهم تعبيراً عن روح العصر ، وأصحاب فكرة العناية الإلهية يقولون إن العناية قد اختارتهم للقيام بتحقيق أهدافها واتخذتهم وسيلة للإعراب عن إرادتها وتنفيذ خطئها

وقد اهتمت الإنسانية بالأبطال قديماً وحديثاً ، والعناية بأمر الأبطال ، والإعجاب بهم فى عصرنا من الأمور الواضحة المألوفة ، وقد يبدو ذلك متناقضاً مع ما اعتدنا أن تسميه دمقراطية العصر الحديث وحرصه على المساواة ، ولكن عصرنا الحديث من ناحية اخرى من العصور القلقة المضطرية ، وفى عصور القلق والاضطراب يكثر تلفت الناس إلى هؤلاء الرجال الأعلام الذين نسميهم الأبطال .

وتكاثر المشكلات فى شتى نواحى الحياة يحدث لما حيرة وارتباكا ، ولذا نلتمس تفريج أزماننا على يد الزعماء والقادة ، ونخلع عليهم لقب البطولة ، ونستدنى الكواكب لتنظمها لهم عقود مدح ، لأن المعجزات ستحدث بفضل زعامتهم ، ولأنهم سيصارعون المشكلات ويصرعونها ،

وهؤلاء الزعماء يحملون الأمانة ، ويتعرضون لمشكلة خطيرة يحجم عن الإقدام عليها الضعفاء المترددون - وهم للأسف الأغلبية والكثرة المكاثرة - وهى مشكلة البت فى أمورنا والفصل فى مصيرنا .

ومن مزايا الدمقراطية أنها تشجع المواهب والملكات فى مختلف مبادئ النشاط الإنسانى ، وتفسح المجال لظهور ألوان العبقرية والنبوغ ، ولكن هذا من ناحية اخرى يمهد السبيل لظهور زعامات فى الفن والأدب والعلم والصناعة ، ولكن أمثال هذه الزعامات فى الأغلب الأعم لا تبلغ مبلغ الزعامات السياسية ، والزعامات السياسية أقوى منها نفوذاً ، وربما كانت لذلك أبعد منها تأثيراً .

ومما يلاحظ فى العصر الحديث بوجه عام أن الأبطال أو الزعماء أعلى صوتاً وأبعد أثراً من أمثالهم فى العصور الحالية ، وذلك لأن التقدم العلمى والصناعى الحديث قد يسر للزعماء وسائل لم تكن موجودة من قبل ، مثل الصحافة والنشر والإذاعة ورقى المواصلات وأساليب النقل ؛ ولقد كان غاية ما يطمع فيه الزعيم قديماً من إشاعة الذكر واشتهار الأمر هو أن يصنع له تمثال يقام فى ركن من الأركان ؛ أما الآن فإن الزعيم تؤخذ له الصور الشمسية فى الأوضاع المختلفة ، والحالات المتلونة ، والمواقف المتعددة ، وتذاع فى جميع الأنحاء ، ويستمتع أتباعه وانصاره باستماع خطبه الرتابة وكلماته الجامعة وبلاغاته الرائعة فى المذياع والميكروفون ، ويتأثرون بنيرات صوته وملهب حماسته ؛ وواضح من ذلك أن أمثال قيصر والإسكندر وكرومويل ونابليون لم يسيطروا على نفوس أنصارهم سيطرة زعماء العصر الحاضر ، فقد كانت تنقسم الوسائل التى هيأها العلم الحديث لزعماء العصر الحديث وأبطاله .

وأبطال العصر الحديث فى استطاعتهم أن ينشئوا الجيل الجديد على النمط الذى يريدون ، لأن أوامرهم ونواهيهم تتغلغل فى نواحى التربية والتعليم والتهذيب والتثقيف . وهم بطبيعة الحال لا يخلفون العبقريين فى الميادين التى يرغبون

أن تزدان بالعبقرية ، لأن العبقرية هبة من السماء ولا تصنع فى الأرض ، ولكنهم يستطيعون شيئاً آخر ، وهو شل حركة النوابغ الذين لا يلبون طلباتهم ، والقضاء على العبقريين الذين يقاومون إرادتهم ؛ والانسحاب من الحياة أو اعتزال العمل لا يكفى فى العصر الحديث للخلاص من طغيان الأبطال . لأن الاعتزال يبعث الشبهة ، ويستدعى الغضب والنقمة ، ويثير ظنون الدولة وريبها ، وبنبه عيونها فيضرب حول المعتزلين نطاق من الملاحظة والمراقبة وتحصى  عليهم حركاتهم وسكناتهم .

وفى البلاد الشديدة التمسك بالنظام الدمقراطى تعد الزعامة مسئولة أمام نواب الأمة ، معرضة لنقداتهم الشديدة وحملاتهم الشعواء . ورقابتهم الساهرة ؛ ولكن مما يلاحظ بوجه عام فى البلاد الديمقراطية أن السلطة التنفيذية قد اتسمت واشتدت ، ومن أسباب ذلك الرغبة فى مقاومة الدول التى انبعث نظماً سياسية مخالفة للدمقراطية من ناحية ، ثم الاتجاه إلى ما يصح أن تسميه رأسمالية الدولة من ناحية أخرى . ومهما كانت الأسباب فإن الشاهد فى العصر الحاضر حتى فى الدول العريقة فى الدمقراطية أن نفوذ رؤساء الوزارات أعظم وأقوى مما كان من قبل .

وتاريخ كل أمة يمثل لصغارها الناشئين أعمال العظماء . ويروى لهم أخبار بطولتهم ومخاطراتهم ومواقفهم المشرفة ، سواء كانوا حقيقيين أو أسطوريين . وقديماً كان يسمى البطل " أبا الشعب " أو منفذه ومخلصه وعاديه ومرشده ، ورغم ما طرأ على أساليب التربية من التغيير والتعديل فقد ظلت محتويات التربية التاريخية على حالها ، وربما كان السبب فى ذلك الحرص على استيفاء التأثير الدرامى الذى يثير خيال الطفل ويحرك عواطفه إذا عرضاً عليه التاريخ فى صورة مخاطرات شخصية للأبطال . ومعروف أن الخرافات والأساطير والأخيلة تترك اثراً فى نفوس الناشئين لا يزول ، والانتقال من الفرد إلى النظم الاجتماعية والمؤثرات الفكرية معناه الانتقال من الخاص والعين إلى التجريدات ، وليس هذا الانتقال من الأمور السهلة ، وهذا هو السبب فى أن الكثيرين يميلون إلى تشخيص " القوى الاجتماعية " و " القوانين الاقتصادية " و" أنواع الحضارات " وينسبون لأمثال هذه التجريدات أعمالاً كالتى يعزونها إلى الأبطال .

وقد حاول بعض المؤرخين المحدثين أن يغللوا من أثر الأبطال فى التاريخ ، ويهونوا من أمرهم ، وقد عمدوا إلى توضيح أثر العوامل الاقتصادية فى التاريخ ، ولكن فريقاً من هؤلاء المؤرخين قد خدعوا أنفسهم من حيث لا يشعرون ؛ فقد جهدوا فى إبعاد الملوك والقادة والسياسيين من التاريخ ، ولكنهم أقاموا مكانهم أساطين الصناعة ، وقهارمة المال ، وكبار المفكرين فى الفلسفة والعلم ، وفى هذا التبديل لون من ألوان التقدم ، وشئ من التجديد واتساع آفاق النظر والتقدير ، ولكن الإشارة بالعظماء بوجه عام لا يتفق مع مذهبهم التاريخى القائم على انتقاص قيمة العامل الفردى فى التاريخ .

والموقف الآن سواء فى الدول الدمقراطية أو فى الأمم الآخذة بالنظم الديكتاتورية ملائم لتقوية عقيدة الايمان بالأبطال والتلفت إليهم والتعلق بهم ، والتقدم الفنى ملائم كل الملامسة لترسيخ هذه العقيدة وتمكينها من الوصول إلى العقل الباطن للأفرار والأمم ، فكل وسيلة طوعها العلم تستخدم الآن لتثبيت مكانة الرغيم ، وتفخيم أمره ، وإعلاء شأنه ، وإبعاد شهرته ، وإسماع كلمته ، وكل تقدم بنسب له ! فهو باعث النهضة ومصدر الخير والبركة ، والموقف قبل قدومه كان باعثا على اليأس موجباً للتذمر والسخط ، وبعد مجيئه وإشراق طلعته أعطيت القوس باريها ، وقاد السفينة ربانها الخبير الماهر ، وزعيم العصر الحاضر وليد اليأس والحاجة والتخبط والتردد والحيرة تلقاء المشكلات السياسية والاقتصادية ، فإذا جاء وألقيت إليه مقاليد الأمور ظل فى حاجة إلى العاضدة والتأييد ليست قوته . ويحتفظ بنفوذه حتى يستطيع بعد ذلك أن يوجه الرأى العام الوجهة التى يريدها ، ويغذيه بالتعلات والأمانى التى يحمله يؤمن برسالته ويعجب بقداسته

ومن الأفكار الغالية السائدة فكرة أن البطل وحده هو الذى ينقذنا من الورطات ويجنبنا الأخطار والمهالك والأزمات الجازية التى تحار فى علاجها العقول ، وكما تكاثرت الشدائد وتوالت الملقات اشتد الشعور بالحاجة إلى هذا البطل المقدامة ، وكل أمل فى صالحة مشكلة من المشكلات مرتبط بالتفكير فى بطل من الأبطال يتولى هذا العلاج ، ويحل العقدة بقدرته الحارقة ، وكلما اشتدت الأزمة وتعقدت الأمور قوى الشوق إلى هذا البطل وطال الحنين إلى اجتلاء محياه وترقب قدومه .

وحتى الدين يقولون بالجبرية التاريخية لا يستطيعون أن يكتبوا التاريخ ويهملوا فيه أمر الأبطال الذين يتولون القيادة فى الأوقات العصبية والأزمات المحرجة ، وبلعبون دوراً حاسماً فى توجيه الحوادث وصناعة التاريخ .

والأزمات التى تنتاب الأمم تتفاوت فى القوة والشمول ولكن إذا حكمنا على تاريخ الأمم بما نعلمه عن ماضيهم نجد أن تاريخ كل أمة لم يخل فى عصر من عصوره من الأزمات والشدائد والمشكلات ، وتاريخ الأمم يكاد يكون تاريخ الأرمات المتوالية والشدائد المتلاحقة ، ومهما كانت القوى الاجتماعية الفعالة فسيظل الشعور بالحاجة إلى البطل قوياً ، وكما يفتقد البدر فى الليلة الليلاء . فكذلك سحتاج دائماً إلى البطل للبدء والتنظيم والقيادة والتوجيه . وربما كان من دواعى الأسف أنه كلا اشتدت الحاجة الماسة إلى ظهور البطل قلت كفاية المرشحين للبطولة !

ويرى المفكرون السياسيون أن المجتمع الدمقراطى أقل تعرضاً للأزمات المحتاجة من غيره من المجتمعات ، وعندهم أن الدمقراطية تختار أبطالها فى تبصر وبعد التجربة والامتحان ، والدمقراطية الفطنة اليقظة تتعاون مع أبطالها تعاوناً خالصاً صادقاً ، ولكنها فى الوقت نفسه لا تغمض عينيها على الفذى ، ولا تغفل عن مراقبة النفوذ الممنوح له والسلطة التى خولته إياها ، وهى مشكلة عسيرة ، ولكن لا بد من مواجهتها وقهرها ، وإلا أصبحت الدمقراطية حقل تجارب للطغاة أو مدرسة لتخرجهم .

وقد شغل موضوع الأبطال فى التاريخ المؤرخين والمفكرين الاجتماعيين منذ آثاره كارلايل فى القرن التاسع عشر ، وكار لايل قد غالى فى آرائه التى بسطها فى كتابه عن الأبطال وعبادة البطولة ، حتى اضطر صديقه الكاتب الأمريكى الكبير إمرسن إلى أن يرد عليه رداً صامتاً فى كتابه القيم العميق الذى سماه " الرجال الممثلون " وكشف فيه عن فضل الجماعات فى خلق الأبطال وإعداد المسرح لظهورهم ؛ وقد خالف كارلايل فى رأيه الماركسيون ، كما نقض آراء ... الفيلسوف الإنجليزى المعروف هربرت سبنسر ؛ ولكن الذين خالفوا كارلايل بالغوا فى الطرف الآخر . وكارلايل يرجعهم على الأقل فى بلاغة أسلوبه وقوة عرضه الشائق لنظريته ، وقد يخالف الإنسان كارلايل في آرائه التى عرضها بكتابه ولكنه مع ذلك يستمتع مجال أسلوب الكتاب

وما تضمنه من كلمات جامعة وأفكار مضيئة لامعة ؛ وقد حمل الفيلسوف الأمريكى وليام جيمس على آراء سبنسر ومن يلقون لغه فى هذا الموضوع حملة شديدة وفند آراءهم تفنيدا قوياً فى مقالة الضافى الذى جعل عنوانه " العظماء وبيئتهم " ويذهب وليام جيمس إلى أن كل تغيير اجتماعى له شأن كان من عمل فرد من الأفراد الممتازين ، وأن الظروف التي تجعل هذا العمل اليوم مقبولاً هى كذلك من عمل أفراد متقدمين . وإذامنا بأحوال البيئة لا يكفى فى تفسير ظهور أمثال هؤلاء الأفراد الأفذاذ وتعليله .

ولفرويد رأى خاص فى اتجاه أفكار الناس وأمانيهم إلى الزعيم الذى يقودهم ويحمل عنهم التبعة ، ومضمون هذا الرأى أن معظم الناس يبحثون دائما عن الوالد - أو الوالدة - الذى يحميهم ويبعث فى نفوسهم الطمأنينة والاستبشار ، ويهبهم الثبات النفسى والاستقرار العاطفى ، فى بواكير شبابهم ومطالع حياتهم ، وهم فى الغالب لا يتجاوزون هذه المرحلة من مراحل الحياة النفسية ، ولذا يظلون يعتمدون على والديهم ومعلميهم ، وكل من يستطيع أن يقوم فى حياتهم بدور تهدئة مخاوفهم ، وتغذية أوهامهم ، والإجابة عن تساؤلهم ، والحاجة النفسية إلى طلب الأمن والسلامة والخلاص من رهبة المخاوف والقلق النفسي تتفاوت بتفاوت العصور وأزمانها وتختلف بإختلاف مستويات التربية والنضج والثقافة ؛ ففى الأوقات الهادئة المستقرة ، وفى الأمم التى أخذت بنصيب وافر من الثقافة والتعليم تضعف الحاجة إلى هذا البديل من الوالد ويؤثر الناس الاعتاد على أنفسهم .

وهكذا اختلف آراء المؤرخين والمفكرين الاجتماعيين والفلاسفة فى تقدير قيمة البطل فى التاريخ ؛ ففريق منهم يرون فى الرجل العظيم أو البطل مجرد عنوان ورمز للجبرية الاجتماعية ، وفريق آخر يرونه وسيلة من الوسائل لتحقيق اتجاهات العصر وإظهار سلطان القانون التاريخيى ، وفريق ثالث يرى أنصاره أن معظم حركات التاريخ من وحى الأفراد الملهمين الأفذاذ الذين يحار العقل فى تفسير ظهورهم ، وتحليل تفوقهم ونبوغهم ؛ وهناك فريق آخر وسط بين هذه الفرق المتعادية المختلفة يحاول أنصاره أن يوقفوا بين قوة الظروف والملابسات وتأثيرها وظهور الأبطال والعظماء .

اشترك في نشرتنا البريدية