الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 156الرجوع إلى "الثقافة"

الأبوة فى الأدب

Share

في الادب المقارن :

حاولنا في مقال سالف ان نبحث عاطفة الأبوة ، ورايناها ظاهرة في وجوه عدة من ادب المصريين القدماء والأغريق والفرس ، وفي الأدب الحديث عند شكسبير . ونحن نحاول اليوم ان نتأثر هذه العاطفة في ادب العرب والأدب العربي تملؤه القصص ، لكنه يخلو من الملاحم والمسرحيات . لذلك تستطيع ان نطلع على تلك العاطفة في الشعر الغنائي الذي يمثل الأدب العربي القديم والحديث ، وفي القصص القديم الذي سلم لنا من عصور البداوة .

والقبيلة العربية كانت هي الوحدة التي تميز هذه العصور . ورب القبيلة كان دائما هو الحاكم الأعلى والمشرع الاكبر وكان لعلائق الدم كل الوزن في حياة مثل هذا المجتمع . بل لقد كان القضاء الأعلى ويرتكز على

الأخذ بالثأر ، والمطالبة بدية القتيل . لذلك امتلأ الشعر العربي بالتحدث عن علائق الأبوة والبنوة والأخوة والغريب في كل ذلك انه لم يكن للأمومة وزن ، لان مكان الأب كان قد طني على مكان الأم

وفي قصص العرب الكثير من أخبار الحرب . ولعله لم تشن حرب واحدة إلا كان الاب او الابن هو الذي آثارها فإذا قتل في قبيلة شيخ أو غلام كان على ابن الشيخ او ابي الغلام ان يثأر . وتنشب بعد ذلك حرب تطول ثم تطول حتى نتفاني فيها القبائل ، وفي هذا الصراع الذي يكافح فيه الأبطال الأبطال كان الشعر يسيل فيضا من افئدة الشعراء . وحرب البسوس من اكبر الحروب التي شفت ، والشعر الذي قاله فيها الحارث بن عباد من أجل ما تحويه كتب الأدب العربي . وأجل هذا الشعر هو الذي قاله الحارث حينما سمع بمقتل ابنه بجير . فقد قالوا إنه لما بلغ الحارث قتل ابنه قال : " نعم القتيل قتيلا اصلح الله به بين ابني وائل فقيل له : إن مهلهلا أجهز على بفعل كليب وهو يقول : " بو بشسع نعل كليب " ! فغضب الحارث وقال وهو يتجهز لقتال المهلهل أبياته المشهورة التي أولها :

قسريا مربط النعمامة مني لفسحت حرب وائل عن حهال لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صال لا بجير أغني قتيلا ولا رهط كلبي تزاجروا عن ضلال يا بجير الخيرات لا صلح حتي أملا السهل من رءوس الرجال بل لقد كان شعور النجدة بين الأخ وأخيه وبين الآبن وابيه ، هو الذي يمثل العصبية البدوية في بلاد

العرب وقد نقل عن دريد بن الصمة أنه كان له أخ اسمه عبد الله . وكان دريد وعبد الله قد اقارا على بني غطفان . واستافا إيلهم ، ونزلا في بعض الطريق ليقتسما الغنيمة ؛ فأدركهما قوم من بني غطفان وقتلوا عبد الله وأراد دريد إنقاذه فلم يغن عنه ، وبقي حياته حزينا يرثيه حتى لامته في ذلك امرأته فطلقها

ومما قاله دريد في أخيه هذه الآبيات الصافية الحارة : دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بمقعدد أخ أرضعتني أمه من لبانها يثدي صفاء بيننا لم يجدد فجئت إليهه والرماح تنوشه كوقع السياسي في النسيج المعدد وكنت كذات البوربعث فأقبلت إلي قطع من جلد بن مجلد فطاعنت عنه الخيل حتى تنههت وحتي علانى حالك اللون أسود قتال امرئ آسي أخاء بنفسه ويعلم أن المرء غير مخلد

والذي قاله الحارث بن عباد في مجير ، والذي قاله دريد ابن الصمة في اخيه عبد الله ، كان يعبر عن عاطفة من عواطف النفس ، ما زالت تقيم لنا نماذج في شعر الجاهلية والأسلام . وقد كونت مرائي الابناء والأخوة أمثلة للشعور السامي ، يأخذك منها صدق المعنى وإخلاص الروح . ولست اريد ان احدئك عما قالته الخنساء في رثاء اخيها صخر فذلك مشهور ، ولكن انظر إلى ما قاله أبو ذؤيب الهفلي في أولاده الخمسة ، وكانوا قد هاجروا إلي مصر فهلكوا جميعا في عام واحد

أودي بني فأعقبوني حسرة  عند الرفاد وعبرة لا تقلع

فالعين بعدهم كأن حداقها    كحلت بشوك فهي عور تدمع فغدرت بعدهم يعيش ناصب  وإخال أني لاحق مستتبع سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع

وقد رزي ابن الرومي يموت أولاده الثلاثة : يخطفهم الموت واحدا بعد الآخر ، فكان له في كل واحد منهم شعر يعبر عن المه الدفين . وقد فجمع أول ما فجع في اوسطهم محمد ، فنظم فيه داليته المشهورة التي يقول منها :

توخي حمام الموت أوسط صبيتي فلله كيف اختار واسطة العقد على حين شمت الخير في لمحاته وانست من أفعال آية الرشد وهو يصف محمدا في مرضه فيقول : - لقد قل بين المهد واللحد لبثه فلم ينس عهد المهد اوضم في اللحد ألح عليه النزف حتي أحاله إلي صغرة الجادي عن حمرة الورد وظل علي الأيدي تساقط نفسه ويذوي كما يذوي القضيب من الرند

وهو يري اخويه يلعبان فيهيجان حزنه الدفين وهو يتفجع من كل ما يري ويسمع ، فيخاطب محمدا ذاكرا أخويه : محمد ماشئ توهم سلوة  لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد أري أخويك الباقيين كليهما يكونان للآحزان اوري من الزند إذا لعبا في ملعب لك لذعا فؤادي مثل النار من غير ما عمد فما فيهما لي سلوة بل حزازة بهيجانها دوني وأشقي بها وحدي

على أن التفجع على الأبناء لم يأت في معرض رثائهم فحسب .

بل قلما تري رثاء شاعر لزوجه إلا ذكر أبناءه وتفجع عليهم . ذلك بأن الارتباط بين الرجل والمراة كان دائما يتمثل في ذريتهما ، ولان ضعف الابناء بعد موت امهاتهم معني شعري يزيد في حزن النفس وبهيج الالم فيها . واقرأ هذه الآبيات التي نظمها محمد بن عبد الملك الزيات في رثاء زوجه ، وستري انه ذكر ابنه ووصف حالة ليرثي زوجه ويتفجع عليها :

ألا من رأي الطفل المفارق أمه بعيد الكري عيناء تنسكبان رأي كل أم وابنها غير أمه  يبيتان تحت الليل ينتحبان وبات وحيدا في الفراش نجنه بلابل قلب دائم الخفقان فلا تلحياني إن بكيت فانما  أداوي بهذا الدمع ما تريان فهبني عزمت الصبر عنها لأنني جليد ، فمن بالصبر لابن ثمان ؟

لكن هذه العلاقة بين الرجل والمرأة وأبنائهما لم تأت في معرض الرثاء فحسب . ولعلك تري معي جمال هذه القطعة التى قالها ابن دراج القسطلي فقد قال قصيدة يصف وداعه لزوجه وولده الصغير ، وهي من اجمل الشعر العربي ، لما يتسلسل في ابياتها من معاني الرحمة ومن آيات

الحب والحنان :

ولما تدانت للوداع وقد هذا   بصبري منه أنه وزفير تناشدني عهد المودة والهوي وفي المهد ميغوم النداء صغير عبي بمرجوع الجواب ، ولفظه بموقع أهواء النفوس خبير تبوأ ممنوع القلوب ومهدت  له اذرع محفوفة ومحور

وطار جناح البين بي وهفت بها جوانح من ذعر الفراق تطير

وكان لا بد لشعراء العرب أن يذكروا العقوق البنوي ؛ وما دام هناك ابناء وأباء ، فلا بد ان يكون هناك كفر بأنعم أولئك أو هؤلاء ، وقد سالت قصيدة في ذلك مما قاله امية بن أبي الصات يتحدث فيها عما كان يعانيه في تربية ابنه ، ويذكر فيها عقوقه وكفراته ، ومنها غذوتك مولودا ومتنك يافعا

تعل بما اجني عليك وتنهل إذا ليلة نايتك بالشجو لم أبت لشكواك الا ساهرا اتململ

فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدي ما كنت فيك أؤمل ، جعلت جزائي غلطة وفظاطة    كأنك أنت المنعم المتفضل

ومن ابلغ ما قيل في هذا المعني ما قاله الدينوري وهو يشكو وفيه

ربيته وهو فرخ لا نهوض له    ولا شكير ولا ريش يواريه حتى إذا ارتاش واشتدت قوادمه وقد رأي أنه انت خوافيه مد الجناحين مدا ثم هزهما     وطار عني فقلبي فيه ما فيه

أما في العصر الحديث ، فانك تري مثل هذا الشعر الذي ذكرت لك وللبارودي قصيدتان : إحداهما في رثاء ولده على ، والآخري في رثاء أبيه ، وكذلك تري ان علائق الرحمة بين الابناء والآباء قد كونت جانبا كريما من إنتاجنا الأدبي ( بني سويف )

اشترك في نشرتنا البريدية