مقدمة: بين المعرى والبارودي عصر أدبى مديد قد نسى اليوم أو كاد، فمحى من برامج التعليم عندنا، وحكم عليه جملة واحدة بأنه عصر انحطاط فى الأدب وجفاف فى القرائح، وضعف فى الإنشاء، وقحط فى الرجال، وانصرف عنه الناس - إلا الخاصة من أهل الأدب - وزهدوا فيه، وارتضوا لأنفسهم الجهل به، وانقطعت الصلة بينهم وبينه، فلا تقرأ لأحد بحثا فيه، ولا تحليلا لشاعر من شعرائه. ولا تسمع اسم رجل من رجاله يتردد على أطراف ألسنة الخطباء، وأسلات أقلام الكتاب، كما تردد اسم بشار والبحترى والمتنبى والمعرى، فى حين أن هذا العصر الطويل قد أنجب شعراء إذا هم لم يضارعوا الفحولة السابقين، فليسوا خالين من كل مزية، ولا عاطلين من كل حلية. بل إن فيهم لشعراء فحولا، زودوا الأدب العربى بزاد قيم، وأورثونا أدبا جما، وشعراً كثيرا من حقه أن يحفظ وينظم، ويدرس ويحلل. لا سيما ونحن فى إبان نهضة أدبية شاملة. . . وقد أحببت أن أفتح هذا الباب فى "الرسالة" لأنها اليوم بمثابة الإمام فى الأدب العربى، ولأن فى يدها دفة السفينة فهى التى توجهها الوجهة الصالحة إن شاء الله. ولست أسوق هذه الكلمة على أنها دراسة كاملة لهذا الشاعر. ولكن على أنها كلمة موجزة عن نفسيته وشعره، بمناسبة ذكرى وفاته، عل هؤلاء الشعراء المنسيين يبعثون كما بعث بن الرومى من قبل. فيقام للأبيوردى بعد سنتين مهرجان كمهرجان المتنبى بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاته. . . (ع) قال الأبيوردى:
تنكر لى دهرى ولم يدر أننى ... أعزّ وأحداث الزمان تهون
فبات يُرينى الخطب كيف اعتداؤه
وبتّ أريه الصبر كيف يكون
والأبيوردى هو أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردى المعاويّ الأموى العبشمى الذى يقول:
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت لنا رغبة أو رهبة أُمراؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا شدائد أيام قليل رخاؤها
وكان إلينا فى السرور ابتسامها فصار علينا فى الهموم بكاؤها
وصرنا نلاقى النائبات بأوجه رقاق الحواشى كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت علينا الليالى لم يدعنا حياؤها
هذه نفس الأبيوردى، وهذا شعره قال الشعر فأكثر، وسار فيه على سنن من تقدمه وعاصره، فمدح وهجا وتغزل، واستنفد المدح أكثر شعره، وعُنى بالصناعة البديعية، وغاص على المعانى المبتكرة، والتوليدات الدقيقة؛ وكان شأنه فى ذلك شأن جمهرة الشعراء المداحين لم يأت فيه بجديد، ولم تكن له ميزة فى شىء منه، ولكن ميزته فى شىء وراء ذلك كله، هو أن له شخصية قوية واضحة تشبه شخصية المتنبى فى كثير من نواحيها، وإن هذه الشخصية تظهر فى شعره كله، فى المدح وفى الهجاء وفى الغزل
وستفهم هذه الشخصية، وترى مبلغ ظهورها فى شعره حين تعرف نسبه وأخلاقه، وتقرأ ما سأعرض عليك من شعره أما نسبه فقد علمت أنه يتصل بأبى سفيان بن حرب بن أمية ابن عبد شمس جد الخلفاء الأمويين، الذين ملكوا الدنيا، وفتحوا المشرق والمغرب؛ وقد كان الشاعر معتزاً بهذا النسب لا ينساه ولا يكتمه، ولا يحجم عن أن يواجه به الخلفاء من بنى العباس، وأن يفاخرهم به فى وجودهم
كتب مرة إليّ أمير المؤمنين المستظهر بالله رقعة على رأسها الخادم المعاويّ، فغضب الخليفة وأخذ الرقعة فكشط الميم من المعاويّ وردّها إليه. . .
وكان مرة يمدح الخليفة المقتدى العباسى، ففخر أمامه بنسبه الأموى، ووازاه بنسب الخليفة، ولم يزد على أن جعل جدّ الخليفة العباسّ "ساقى الحجيج" ندا لجده وقريعاً، قال: وقد ولدتنى عصبة ضمّ جدّهم ... وجدّ بنى ساقى الحجيج عروق وإنى لأبواب الخلائف قارع بهم ولساحات الملوك طروق ولم يكن يمتنع من أن يفخر بأجداده الأمويين، ويملأ الدنيا ثناء عليهم، ويفضلهم على الناس كلهم، على مسمع من العباسيين أرباب السلطان وأولياء الأمر، وأن يعرض فى فخره بالدولة
العباسية وزوالها ، قال
أنا ابن الأكرمين أباً وجداً وهم خير الورى عماً وخالا
أشدّهم إذا اجتلدوا قتالا وأوثقهم إذا عقدوا حبالا
وأرجحهم لدى الغمزات عوداً إذا الخفرات خلين الحجالا
(إلى أن قال):
وهم فتحوا البلاد بباترات كأن على أغرتها نمالا
ولولاهم لما درّت بفىء ولا أرعى بها العرب الفصالا
وقد علم القبائل أن قومى أعزّهم وأكرمهم فعالا
وأصرحهم إذا انتسبوا أصولا وأعظمهم إذا وهبوا سجالا
مضوا وأزال ملكهم الليالى وأية دولة أمنت زوالا؟
أما أخلاقه فقد كانت أخلاق الصيد من الملوك، لا أخلاق المداح من الشعراء، فقد ذكروا أنه كان عالى الهمة، عزيز النفس، متكبراً تيّاهاً، ذا بأو وصلف وعجب، وكان يتخذ العبيد والغلمان، ويأمر من يمشى بين يديه بالسيف فعل الملوك، وكانت له آمال سياسية، كان يرجو أن يبلغها من طريق المرتبة والولاية، فطلبها وألح فى طلبها؛ فلما أيس منها عزى نفسه بأنه سيطلبها بالسيف، فهو يشبه فى هذا المعنى المتنبي شاعر العرب الأكبر؛ يدلّ على آماله السياسية وطموحه إلى الملك شعره الذى سيمر بك عما قريب، ودعاؤه عقب كل صلاة: " اللهم ملكنى مشارق الأرض ومغاربها" ، وتيهه على ممدوحيه من الملوك والوزراء، وفخره بنفسه بين أيديهم أما الشعر فكان ينظمه ترويحاً عن نفسه، وترجمة عن أدبه، ويمدح به من يمدح للأدب لا للنشب، وللوفاء لا للعطاء:
ولم أنظم الشعر عجباً به ولم أمتدح أحداً من أرب
ولا هزّنى طمع للقر ض ولكنه ترجمان الأدب
إنى بمدحك مغري غير ملتفت إلى ندى خضل الأنواء مطلوب وكان يترفع عن أن يستجدى بالشعر، وأن يعد من الشعراء السؤّال. ويرى نفسه نداً لممدوحيه. فهو ينظم لهم هذه القصائد المعجزة. يبتغى بها ودهم وإخاءهم لا نوالهم وعطاءهم:
ولولاك لم تخطر ببالى قصائد هوابط فى غور طوالع من نجد
لحقت بها شأو المجيدين قبلها وهيهات أن يؤتى بأمثالها بعدى
فهن عذارى مهرها الود لا الندى
وما كل من يعزى إلى الشعر يستجدى
ولم يكن يسلك سبيل شعراء المدح فى الكذب والغلو والمبالغة. ولكن سبيله وصف ما يرى من صفات ممدوحيه
وخلالهم وصفاً صادقاً، لا كذب فيه ولا اغراق:
وصدق قولى فيك أفعالك التى أبت لقريضى أن أوشحه كذبا
لا زلت تلقح آمالاً وتنتجها مواهباً يمتريها كل محروب
وتودع الدهر من شعر أحبره مدائحاً لم توشح بالأكاذيب
وكان عارفاً بقيمة شعره، مؤمناً بعلو منزلته وجلالة قدره، فهو يوجه إليه أنظار ممدوحيه ويدل به عليهم، ويمن على من يمدحهم بأن ملوك الأرض يتمنون أن يمدحوا به، ولكنه لا يتنازل إلى مدحهم، ولا يعرج عليهم، ولا يلتفت إليهم :
قليل إلى الرى الذليل التفاته وان كثرت للواردين المناهل
فدونك مما ينظم الفكر شردا سلبن حصى المرجان كل نظام
تسير بشكر غائر الذكر منجد يناجى لسانَى معرق وشآمى
ويهوى ملوك الأرض أن يمدحوا بها
وما كل سمع يرتضيه كلامى
وكم ماجد يبغي ثناء أصوغه ولكننى عن مدح غيرك أزورُّ
ويودع سيداً كبيراً فلا يجد ما يأسف عليه عند وداعه الا هذا الشعر الذى يضيق به الحساد، و (تكبو دونه الشعراء) وتنشده الأيام، أن يضيع بعد رحيله ولا يبقى له أهل يخاطبون به
رحلت فالمجد لم ترقأ مدامعه ولم ترق علينا المزن أكبادا
وضاع شعر يضيق الحاسدون به ذرعاً وتوسعه الأيام إنشادا
فلم أهب بالقوافى بعد بينكم ولا حمدت وقد جربت أجوادا
وإذا أنت سألت الشاعر عن منزلته فى الشعر لما تردد فى القول بأنه فاق الشعراء وبذهم؛ فإذا عجبت منه كيف يعجز الشعراء ويبذهم وهو واحد منهم، أجابك جواب المطمئن المؤمن بما يقول: المعتد بنفسه قائلاً:
فقت الأعاريب فى شعر فأنت به كأنه لؤلؤ فى السلك منضود
إن كان يعجزهم قولى ويجمعنا أصل فقد تلد الخمر العناقيد
فمن كان له هذا المجد التليد، ينم عنه هذا المنطق المبين:
ينم بمجدى حين أفخر منطقى ويعرب عن عتق المذاكى صهيلها
ومن كان سليل الملوك، وشاعر العصر، وذا المجدين: المجد
الموروث وهو هذا النسب العالى النبيل، والمجد المكسوب وهو هذا البيان الصافى الأصيل، كان له أن يقوم بين أيدى ممدوحيه مقام العزيز الشامخ بأنفه، وأن يصرخ فى وجه الوزير، وقد قام مادحاً له، فنسيه وذكر نفسه، فانقلب منافراً مفاخراً :
وسل بى المجد تعلم أيّ ذي حسب فى بردتى إذا ما حادث هجما
يلين للخل فى عزّ عريكته محض الهوى وله العتبى إذا ظلما
من معشر لا يناجي الضيم جارهم
نضو الهموم غضيض الطرف مهتضما
والدهر يعلم أنى لا أذل له
فكيف أفتح بالشكوى إليه فماً
وكيف يشكو الدهر، وشعره غرة فى جبين الدهر:
وكيف يشكو الدهر من شعره على جبين الدهر مكتوب؟
أو لست تذكر المتنبى شاعرنا الأكبر، حين تقرأ للأبيوردى فخره بنفسه وتمدحه بادلاجه فى الليل، وانفراده في الفلوات ترنو إليه النجوم وهو ساع ليكسب قومه عزاً وفخراً فى مطلع قصيدة يمدح فيها ويهنئ بالعيد. قال:
وبى عن خطة الضيم ازورار ... إذا ما جدّ للعلياء جدّى
فهل من مبلغ سروات قومي ... مصاحبتى على العَزّاء غمدى
وإدلاجى وجنح الليل طاوٍ جناحيه على نصب وكدّ
وقد رنت النجوم إلى خُوصاً بأعين كاسرات الطرف رُمد
لأورثهم مكارم صالحات شفعت طريفها لهم بِتَلْدِ
وهو لا يزال أبداً يحب أن يجمع إلى المجد التليد مجداً طريفاً وأن يؤيد المجد الموروث بمجد مكسوب، لا يقنع بعلو نسبه ورفعة أجداده:
فشيدت مجداً رسا أصله أمت إليه بأمّ وأب
ولا يزال يمدح بهذه الخلة من يجدها فيه من ممدوحيه. قال:
مقتل السن عقيد النهى تقصر عن غاياته الشيب
والملك لا يحمل أعباءه من لم تهذبه التجاريب
شيد ما أثّل من مجده والمجد موهوب ومكسوب
أبو على له فى خندف شرف لف العلى منه موهوباً بمكسوب وهو لا يقنع من المجد بالشعر والأدب، ولا بالمال والنسب، ولكن له أملاً سياسياً بعيداً، فهو يألم لما يرى من تفرق الأمراء
وغلبه الأعاجم، وينتظر (رجل الساعة. . .) المصلح المرتقب، الذى يجمع شمل الأمة، ويعيد لها شبابها، فيدعو لذلك الملوك، ويهيب بهم، فلا يجد هذا البطل الأروع فرّاج الغمة، محى الأمة :
دهر تذأب من أبنائه نقد(1) وأوطئت عرب أعقاب أعلاج
وأينع الهام لكن نام قاطعها فمن لها بزياد أو بحجاج
وكم أهبنا إليها بالملوك فلم نظفر بأروع للغماء فراج
فيفتش فى أمراء العرب وملوكهم فلا يجد فيهم من يرجى إلا الأمير أبا الشداد، فيقصده بقصيدة يستثيره ويستفزه، ويهيج فى نفسه الحمية العربية، ويسأله كيف يرضى :وهو اليوم أمل العرب وملجؤهم بأن يقنع العرب بصحراء زرود ورمال حاجر، بينما يأكل الأعاجم الدنيا، ويتناهبون الثراء والمجد، ويحضه على أن يثيرها داحسية شعواء :
فآيهٍ أبا الشداد إن وراءنا أحاديث تروى بعدنا فى المعاشر
أترضى وما للعرب غير ملجأ توسدهم رملى زرود وحاجر
فأين الجياد الجرد تخطو إلى العدى على عَلَق تروى به الأرض مائر
وفتيان صدق يصدرون عن الوغى وأيدى المنايا داميات الأظافر
وحاجتهم إحدى اثنتين من العلى صدور العوالى أو فروع المنابر
فإذا يئس من أن يجد فى الناس هذا الرجل، تقدم ليحقق أمله بنفسه، فكانت حاله كحال المتنبي، يسعى إلى رتبة أو ولاية يتخذها سلماً إلى مثله الأعلى، فيطلبها ولا يراها بدعاً ولا عجباً، ولا يراه خلق إلا لها. . . واسمعه يقول لمؤيد الملك:
إليك أوى يا ابن الأكارم ماجد له عند أحداث الزمان طوائل
تجر قوافيه إليك ذيولها كما ابتسمت غبّ الرهام الخمائل
وعندك ترعى حرمة المجد فارتمى إليك به دامى الأظلين بازل
قليل إلى الرى الذليل التفاته وإن كثرت للواردين المناهل
وها أنا أرجو من زمانك رتبة يقل المسامى عندها والمساجل
وليس ببدع أن أنال بك العلى فمثلك مأمول ومثلى آمل
كان هذا أمله فى حله وترحاله، وغايته من اغترابه عن بلده، ونأيه عن أهله، وما كان يطلب مالاً ولا ثروة، وما كانت به حاجة
للمال ولا ضاقت أرضه برزقه، ورزق عياله، واسمعه يقول لسيد الوزراء أحمد بن الحسين:
ولم نغترب مستشرفين لثروة فمرعى مطايانا بيبرين مبقل
ولكننا نحمى ذمار معاشر لهم آخر فى المكرمات وأول
ومن سلبته نوشة الدهر عزه فنحن لريب الدهر لا نتذلل
ولو هو أراد الغنى لناله، لا سؤالاً واستجداء، ولكن على ظبى السيوف وأطراف الرماح، ولكنه يريد غاية بعيدة، دونها جرع الردى وحياض الموت، يسعى إليه بفتيان "من أمية " هم موقدو الحروب ومطفئوها:
ومن خاف أن يستصعر الفقر خده وفى بالغنى لى أعوجى (1) ومنصل
ومكتحلات بالظلام أثيرها وهن كأشباح الأهلة نحّل
ولا صحب لى إلا الأسنة والظبى
بحيث عيون الشهب بالنقع تكحل
وحولى من روقى أمية غلمة بهم تطفأ الحرب العوان وتشعل
سريت بهم والناجيات كأنها رماح بأيديهم من الخط ذبَّل
فحلوا حُبَى الليل البهيم بأوجه سنا الفجر فى أرجائها يتهلل
وخاضوا غمار النائبات وما لهم سوى الله والرمح الردينى معقل
يرومون أمراً دونه جرع الردى تعلّ بها نفس الكمىّ وتنهل
فبتنا وقد نام الأنام عن العلى
نسارى النجوم الزهر والليل أليل
وتمر الأيام وهو لا يصل إلى شيء مما يؤمل، ويضيق بحالة الذل والمهانة، فيلوم نفسه على قعوده، ويعزم العزمة الفاصلة التى تكون فيها المنى والمنايا:
تقول ابنة السعدي وهى تلومنى أمالك عن دار الهوان رحيل
فان عناء المستنيم إلى الأذى بحيث يذل الأكرمون طويل
وعندك محبوك السراة مطهم وفى الكف مطرور الشباة صقيل
فثب وثبة المنايا أو المنى فكل محبّ للحياة ذليل
وثبة أموية، ينال بها عزّ أجداده الأمويين ومجدهم. فليس العز إلا أن يغامر المرء ويحمل نفسه على الخطة التي تبقى ذكره فى الناس أبد الدهر، فأما أن يموت فيقال لله دره، وإما أن يكتب له الظفر :
ألم تعلما أنى على الخطب إن عرا صبور إذا ما عاجز عيل صبره
فلا عزّ حتى يحمل المرء نفسه على خطة يبقى بها الدهر ذكره
ويغشى غماراً دونها جرع الردى فان هو أودى قيل: لله درّه
ولا بدّ لى من وثبة أموية
بحيث العجاج الليل والسيف فجره
ولا يثنيه عن وثبته الأموية بعد المدى، ووعورة الطريق، وما يعتور السبيل إليها من أخطار وخطوب أهونها الموت، لأنه ألف حمل الخطوب، وتعود الصبر، وأعد للنائبات عزائم تروض إباء الدهر إذا شمس الدهر، ولم يحفل بالدنيا وهى غضة غريضة ولم يبال بها، أفيقبل عليها وهى جافة ذابلة، وهل تثنيه عن مرامه لذاذاتها؟
أسمعه حين يقول:
سل الدهر عنى أى خطب أمارس وعن ضحكى فى وجهه وهو عابس
سأحمل أعباء الخطوب فطالما تماشت على الأين الجمال القناعس
وأنتظر العقبى وإن بعد المدى وأرقب ضوء الفجر والليل دامس
وإني لأقرى النائبات عزائما تروض إباء الدهر والدهر شامس
وأحقر دنيا تسترق لها الطلى مطامع لحظى دونها متشاوس
تجافيت عنها وهى خود غريرة فهل أبتغيها وهى شمطاء عانس
ولى مقلة وحشية لا تروقها نفائس تحويها نفوس خسائس
ولا يثنيه عنها رقة حاله، ورثاثة أطماره، فهو كالسيف القاطع البتار، لا يضره الغمد، وهمته كامنة فى ضمير الدهر، ولا بد للضمير المستتر أن يظهر:
رأت أميمة أطمارى وناظرها يعوم فى الدمع منهلاً بوادره
وما درت أن فى أثنائها رجلاً ترخى على الأسد الضارى غدائره
أغر فى ملتقى أوداجه صيد حمر مناصله بيض عشائره
إن رث بردى فليس السيف محتفلاً
بالغمد وهو وميض الغرب باتره
وهمتى فى ضمير الدهر كامنة وسوف يظهر ما تخفى ضمائره
وكأنك تسأل بعد هذا كله، ألم يلق الشاعر شدة وعناء وهو يصرح بذكر الوثبة الأموية، ويدعو إليها علناً فى ظلّ الحكم العباسى، ألم يتنكر له أولو الأمر، ويزوروا عنه ويناوئوه العداوة، ويبطشوا به؟ وها هوذا الشاعر يخبرك بأنه لقى أذى كثيراً، وشراً مستطيراً، فريع من غير أن يذنب، وجفى من غير أن يخون؛ ولكنه اعتصم بالصبر، ولاذ بالحزم، ولم يلن ولم يشك ولم ينهزم
وقد طرقتنى النائبات بحادث لو أن الصفا يرمى به لتصدعا أراع ولم أذنب وأجفى ولم أخن وقد صدَّق الواشى فأخنى وأقذعا ولست وإن عض الزمان بغاربى أطيل على الضراء مبكى ومجزعا إذا ما أغام الخطب لم أحتفل به وضاجعت فيه الصبر حتى تقشعا
ولماذا يذل ويخضع، وهو إن ضاقت عنه بلدة فستتسع له أخرى، وحسب البلدة عاراً أن يرحل الشاعر عنها، وإن أدلت عليه بابل بسحرها الحرام، فهو يدل عليها بسحره الحلال، ويجعل من شعره حيثما حلّ بابل . . .
أبابل لا واديك بالرفد منعم لدينا ولا ناديك بالوفد آهل لئن ضقت عنا فالبلاد فسيحة وحسبك عاراً أننى عنك راحل وإن كنت بالسحر الحرام مدلة فعندى من السحر الحلال دلائل قواف تعير الأعين النجل سحرها فكل مكان خيمت فيه بابل وأى فتى ماضى العزيمة راعه ملوكك لاروّى رباعك وابل
وبعدُ. . . فاسمع الشاعر نفسه يصف لك شخصيته، ويخبرك أنه يمدح ويأخذ، ولكنه أعزّ من أن يملكه الملوك بثوابهم ونوالهم، وأنه لا يستسيغ الذلّ ولا يحب أن يتمرغ فيه ظهراً لبطن، ولا يألف حياة الدعة والأمن فى ظل الروض بين الكأس والطاس، ولا يفرق من المنايا ويخشى المهالك، ولكنه يريد أن يثيرها حرباً عواناً فى سبيل غاياته ومطامحه :
سواي يجرّ هفوته التظنى ويرخى عقد حبوته التمنى ويلبس جيده أطواق نعمى تشف وراءها أغلال منّ إذا ما سامه اللؤماء ضيما تمرّغ فى الأذى ظهراً لبطن وظلّ نديم عاطية وروض وبات صريع باطية ودنّ وأشعر قلبه فرق المنايا وأودع سمعه نغم المغنى وصلصلة اللجام لدى أحرى بعز فى مباءته مبنّ فلست لحاضن إن لم أقدها عوابس تحت أغلمه كجنّ
وهأنا أوسع الثقلين صدرا ولكنّ الزمان يضيق عنى
هذه شخصية الأبيوردى وهذا شعره، أفيستحق أن يهمل وينسى؟. .
(دمشق)

