الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 477 الرجوع إلى "الرسالة"

الأب أنستاس ماري في عيد ميلاده،

Share

احتفل الشيخ الجليل الأب أنستاس ماري الكرملي في ٥ آب  بعيد ميلاده السادس والسبعين، منزوياً في صومعته الهادئة،  منصوفاً إلى العمل الذي وقف عليه حياته

إن سيرة الأب الكرملي مثال حي للفكرة التي تتسلط  على ذهن الإنسان فتعلق بشغاف قلبه، وتغدو جزءاً من أجزاء  نفسه؛ وأية فكرة هذه التي ملكت لب الأب وهيمنت  على جوارحه منذ حداثة عهده؟

هي اللغة العربية، وأكبِرْ بها فكرةً ينزع إليها العقل،  وتروَى عنها النفس، تراءت له وهو فتى لم يكد يبلغ أشده،  فبهره منها الحسن والسناء، وقطع لها راضياً عهد المودة والوفاء.  وهاهو ذا بعد ستين سنة أو تزيد لا يزال وفيّاً بالعهد، متحمساً  للغة الضاد حماسة الشباب الفوَّار، مخلصاً لها إخلاص الشيخوخة  المحنكة الحكيمة

كانت اللغة العربية مذ وجدت - ولن تزال - وسيلة  للخطاب والتفاهم، تحمل الأفكار من ذهن إلى ذهن، وتنقل  الأخبار من جيل إلى جيل، حتى قرَّبت بين الناس، ووصلت  بين الأزمنة الغابرة والحاضرة. وإذ أصبحت بعد تهذيب أطرافها  وتنميق أسبابها أداة الآداب الرفيعة، لم تخرج عن كونها وسيلة  لا غناءَ فيها إلا بما اتخذت له من غاية الإفصاح والتبيان. لكن  لكلماتها وتراكيبها - مع ذلك - جِرْساً في الأذن، ورسماً  على القرطاس حبباها أحياناً إلى النفوس، وقرباها من الأذهان  بصرف النظر عن مدلولها ومؤداها

ولقد أشار إلى ذلك أناتول فرانس في كتابه:   (الحياة  الأدبية)  عند الكلام على معجم جديد ظهر في اللغة الفرنسية،  فقال إن بودلير كان يقرأ معجمات اللغة، ويبتهج بقراءتها، وأن  تئوفيل غوتييه كان مولعاً بالكلمات يحبها حباً جماً، وأن جوزه  ماريادي هريديا كان يجهر بان مطالعة المعجم تستشيره وتدخل على

نفسه من اللذة والسرور ما لا تدخله قراءة رواية   (الفرسان  الثلاثة) . وأضاف أناتول فرانس قائلاً بأسلوبه الساحر:  (أما أنا فلا أجد عادة للكلمات معنى يفوق المعنى الذي تجعله لها المصطلحات، فقد كنت في أغلب الأوقات أهيم في معاجم  كبيرة، كأنها الرياض الملتفة. وسبب ذلك أني أرى أن الألفاظ  إنما هي صور، وما المعجم اللغوي سوى عالم قد رتب بحسب  ترتيب حروف الهجاء. وإذا نظرنا إلى الأمور نظرة صادقة فإننا  نجد أن معجم اللغة إنما هو الكتاب الذي لا يفوقه كتاب،  فإنه يشتمل على التصانيف بأجمعها، فما عليك إلا أن تستدرجها  منه. . . وإني لأشعر في قلبي بحنوّ عظيم إزاء كل كلمات اللغة.  إني اشعر برأفة كبيرة أمام طائفة التعابير البسيطة والفخمة.  إني أحبها كلها، فهي تستميلني وتستفزني، وإني لأمس  الكتاب الذي يضمها مساً شديداً ينم على مبلغ تأثري وارتياحي)

غير أن هذه الوسيلة التي يستعملها الناس في خطابهم،  ويستعين بها الأدباء في أداء رسالتهم، قد أصبحت غاية في حد  ذاتها للعلماء الذين انقطعوا إلى دراستها، ووقفوا حياتهم على  استجلاء غوامضها.

فلا عجب أن نهج لغوينا العربي نهج من سبقه من علماء  اللغة الأعلام، من أبي منصور الأزهري صاحب التهذيب،  وأبي نصر الجوهري صاحب الصحاح، ومجد الدين الفيروزابادي  صاحب القاموس، إلى البستاني، والشدياق، والشرتوني، وسواهم  من المحدثين، وأن ترسم خطى من سلف من أئمة التدقيق  والتحقيق من أمثال جونسن ووبستر، وأميل لِتْره، فاتخذ  من اللغة غاية ما بعدها غاية، يكب على نقد مفرداتها نقد الصير

وما أشبه لغوينا من بعض الوجوه بزميله الإنجليزي ضموئيل  جونسن الذي سبقه بنيف وخمسين ومائة سنة! فغيرة الأب على  اللغة العربية تشبه غيرة جونسن على لغته الإنجليزية، وأسلوب  الأب المتين اللاذع يعدل أسلوب جونسن   (وأن يكن هذا  الإنجليزي الصميم لم يرض قط أن ينزل إلى ميدان المساجلات والمناظرات بالرغم عن الحملات التي كثيراً ما حملت عليه.)   ومجلس الأب شبيه بالمنتدى الأدبي الذي أنشأه الدكتور جونسن

وصحبه وحضره مؤرخه بُوزْوِل، فسجل مباحثاته ومداولاته.

ومقام لغوينا العراقي بين أقطاب العربية معروف مرموق،  وجهاده في سبيل الفصحى مرئي مسموع، ورأيه في التمسك  بأهدابها مقبول متبوع. ولنا عليه أن يكلل مساعيه الموفقة  في خدمة اللغة الشريفة بإخراج معجمه الكبير الذي وسمه    (بالمساعد) ، فيتفرغ لإنجازه وتنقيحه وتبيضه، فهو عصارة  سعيه وخلاصة جهده.

(بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية