لا يهمنا نحن القراء موضوع هذا الجدال العنيف بين الأب أنستاس الكرملي والأستاذ محمد مندور . ولا يهمنا أن نعرف من منهما تغلب على خصمه .
ولكن الذي نحب أن نشير إليه هنا هو أسلوب الأب أنستاس الكرملي في جداله
يظهر لنا أن الأب الجليل يعتمد في جداله على أسلوبين : الأول : أسلوب الأب الروحي مع رعيته .
الأب الروحي إذا قال كلمة فعلى رعيته أن تتلقاها بالإذعان كأنها منزلة من السماء . وإذا بلغت القحة من أحد أن يعترض فجزاؤه أن يفصل عن الكنيسة أو أن يقدم كفارة .
لم يقل الأب الجليل للأستاذ مندور : " نرجو منك ألا تعود إلى مثل هذا وأن تعوض
عنه مما يغفر لك سيئتك هذه " ، كان الأستاذ مندورا من رعية الأب الجليل وكأن الأب الجليل منه أبو اعترافه . .
الثاني : الأسلوب السفسطائي ، أي أنه لا يهمه في جداله الوصول إلى الحقيقة والخضوع لها أكانت في جانبه أم كانت في جانب خصمه ، ولكن الذي يهمه قبل كل شئ هو أن يغلب خصمه .
موضوع الجدال تحقيق كلمة . فما باله يحاول تحقير خصمه والتهكم به فلا يذكره إلا قال :
" الأستاذ مندور المدرس بكلية الآداب في مصر " ومعنى ذلك إما أن هذا الأستاذ لا شيء فكيف يشغل هذا المركز العالي ، وإما أنه شئ ولكنه بالنسبة إلى الأب الجليل لا شئ ، فكيف يتجرأ على انتقاده . وليسمح لي أن أقول إن كلامه لا يخلو مما يشبه أن يكون وقيعة في الأستاذ مندور عند طلابه ورؤسائه .
اسمعه يقول : " كنا نود أن يرأف الأستاذ مندور بأجداده العرب
أهذا هو إكرامك للعرب أجدادك وأنت تنشئ تلاميذ عربا ؟ ! كيف تتمكن بعد ذلك من تعليمهم احترام أسلافهم ؟ نلتمس من حضرتك ان تكرم بني مصر الإكرام اللائق بهم .
إذا لم يكن هذا وقعة فماذا يكون ؟ ! فأنت ترى أنه تدرج في جداله من تحقيق كلمة إلى
تحقير خصمه ، إلى ما يشبه الوقيعة فيه سيدي الأب أنستاس الكرملي . .
تحي القراء نحترم علمك ، ونعجب بسعة اطلاعك ، ووفرة جلدك على التنقيب . ولكننا لسنا نكتمك - والعفو من شيم الكرام - أننا لا نحب أسلوبك . ( القدسي )

