رأيت بالأمس - فيما يري النائم - حلما عجبت له كل العجب ، استولي على مشاعري وأحاطني بجو كله غموض وإبهام حاولت ان اجد له تفسيرا ، بل على الأصح حاولت أن أعلل وقائعة ، فاستلقيت بعد يقظتي زهاء ساعة من الزمن ارتب أفكاري وأنظمها ، على أصل إلي النقطة التي بدأ منها الحلم وعلي أية صورة انتهي . ولولا ثقتي بأنه يطوي بين حوادثه فكرة جديدة بالنسبة لي على الأقل - لما أجهدت نفسي هذا الجهد ، ولتركته كباقي الأحلام ، تمر علي دون أدنى اهتمام
أقول إنني ارتبت في بادي الأمر في تفكيري ، فلم أستطع التمييز بين البداية والنهاية . فلما قلبت الوضع ، وبدأت في ترتيب حوادثه وجعلته على صورة معكوسة رأيت نفسي استنتج أشياء لم أكن أعرفها ، بل لم أكن أتوقعها ولم يخطر لي على بال في يوم من الأيام
لست أذكر علي أية صورة بدأ الحلم ، ولكن وجدت نفسي فجأة أمام حشد هائل من الناس ، ممسكا بيدي عددا من الكلاب الممتازة كالتي تعرض بين وقت وآخر في معارض أوربا . وكنت اسير فخورا بها بين منافسين ينظرون إلي نظرة ملؤها الحسد والطمع ، يتمنون أن يمتلكوا ما أملك
ولكن حدث في اللحظة الأخيرة ، وكنت على وشك التقدم إلي هيئة من المحكمين ، ان وثب كلب من كلاب جاري بتحريض من سيده على كلب من مجموعتي النفيسة ، وقضم بأنيانه ذنبه . فصرخ هذا الأخير صرخة كلها ألم وغيظ ، ورد على منافسه التحية بأحسن منها وما هي إلا لحظات حتى تشابك الكلبان ، وتحول السكون إلي جو كله نباح يصم الآذان .
إلي هنا انقطع الحلم باستيقاظي من النوم فجأة على صوت نباح كلب على باب غرفتي . وكانت الساعة إذ ذاك
تقرب من الواحدة صباحا . استيقظت فزعا لعلمي أنه ليس بالمنزل كلب أو كلاب . ولكن ما تبينته فيما بعد هو ان كلب الجيران دخل منزلنا خطأ واغلق عليه الباب ، ولما أحس الغربة ولم يجد لخروجه منفذا نبح نباحا شديدا ، أيقظني وأيقظ من بالمنزل .
هذا ما حدث في تلك الليلة ، وقد حاولت - كما ذكرت سالفا - أن أجد له تأويلا علميا صحيحا .
فهل تنبأت أثناء الحلم بوجود الكلب في المنزل ، وانه بفضل هذه النبوءة استيقظت على نباحه في الوقت الذي كان كلبا الحلم بتشاجران وينبحان ؟ إن هذا الفرض يحتم حدوث الحلم قبل نباح الكلب . ولكن كيف اتفقت الحوادث وانتهت بنتيجة واحدة في وقت واحد ؟
أم تري أن الكلب قد نبح مرات عديدة قبل يقظتي وفي خلالها ترادي لي هذا الحد ؟ إن هذا الفرض أيضا يحتاج إلي كثير من التفكير ؛ إذ أن أهل المنزل جميعا استيقظوا دفعة واحدة مما يرجح أن الكلب لم ينبح إلا مرة واحدة .
يقول "موري" في كتابه " النوم والأحلام " : إن المدة التي تستغرقها قصة طويلة في الحلم لا يحتاج في الواقع إلي أكثر من جزء لا يذكر من الثواني . وإن سرعة تكوين الأفكار والحوادث لا يمكن قياسها وليس لها ضابط يحكمها . وهو يثبت كلامه بحلم مفزع حدث له أيام شبابه ، وقد دونه على الصورة الآتية .
" كنت في تلك الليلة تعبا خائر القوي ، فاستلقيت على سريري ، وسرعان ما دب السكرى إلي جفني . فرأيت في نومي أني أعيش في منزل في قلب باريس أيام الثورة الفرنسية ، أيام القتل والنهب ، أيام روبسبير ومارات وفوكيبيه . وجسدت نفسهم في مسائل تتعلق بالأمة الفرنسية ، وأعارضهم في تصرفاتهم. فغضبوا علي : ومع أني كنت عالما بمصيري إذا استمررت في معارضتهم فقد تشبست بوجهة نظري ، والقيت كل اللوم عليهم
وعلى أتباعهم . وبعد بضع حوادث لا أتذكرها ولا أظن أني تذكرتها عند يقظتي ، رأيت نفسي وسط حشد كبير من الناس في ساحة واسعة وضعت في وسطها مقصلة ، ثم رأيت اثنين من أصدقائي يتقدمان نحوي بخطوات ثابتة فيعصبان عيني ويضعان رأسي علي اللوحة المميته . وهنا تسقط السكينة بما حملت من اثقال على عنقي فتفصل الرأس عن الجسم في مشهد يقشعر منه البدن . استيقظت من نومي في حالة ذعر وفزع عظيمين . ومحركة آلية لا شعورية تحست عنقي للتأكد من أني كنت في حلم ، فوجدت لشدة دهشتي قطعة من الحديد قد انفصلت من السرير فسقطت على عنقي كما سقطت من قبل سكينة المقصلة "
يقول " موري" : إن الحلم لا بد قد حدث في نفس الوقت الذي سقطت فيه قطعة الحديد ، في هذا الوقت تكون الحلم بسرعة متناهية فذكره بالمقصلة والعصر المظلم في تاريخ فرنسا .
ومع أن " موري" مصيب في بعض ما يقول ، إلا أنه لم يذكر كل الحقيقة ، بل على عكس ذلك ، فإنه قد شط في الجزء الأخير من استنتاجه وانحرف عن الصواب . ففي اعتقادي ان حلم " موري " قد استغرق زمنا اطول مما حسب ، وانه تكون بترتب خاص بعيد سقوط قطعة الحديد .
إن سقوط القطعة علي عنقه لم يسبقها ولم يتخللها الحلم المفزع الذي ارتاء وإنما سقوط الحديدة ايقظه من نومه ، بل قل انترعه من حالة نوم عميق إلي حالة ليست بالنوم ولا باليقظة ، إنما هي حالة وسط بينهما كان شعوره فيها الخوف والفزع .
وهنا فقط وفي هذه اللحظه يبتدي الحلم . ماذا حدث لي ؟ ماذا أصابني في عنقي ؟ . . جواب ذلك انه لابد وقد سقطت سكينة حادة على عنقي . . إنها سكينة المقصلة . ولكن مالي وللمقصلة ؟ . أين هي وماذا جنيت ؟ . . إنها مقصلة لإعدام الثوار . . ايام الثورة
والفوضي . . أيام روبسبير ومارات ، إنها نصبت في كل ساحة من ساحات باريس . إني لا بد وقد عارضت احد الزعماء " وهنا تظهر المحاكمة ويظهر روبسبيير وفوكيبيه وغيرهما لإقناعه بما حدث .
وفي أئناء ، هذا ، وعندما يصل إلي تلك النقطة من الحكم يكون " موري" قد استيقط تماما وفتح عينيه . إن يتذكر آخر لحظة من حلمه ، تلك اللحظة التى فيها تظهر باريس وحوادثها . إنه يتذكر تدريجا ما حدث له ، ولكن بترتيب غير ترتيب تكون الحلم .
إن عقله ، وقد تعود نظاما خاصا لا يسمح له إلا أن يرتب أفكاره بالترتيب الطبيعي ، رغم أن الحلم قد ابتدأ بصورة عكسية . وعند تدوين ما ارنآه لم يشك مطلقا في ان حوادث الحلم قد بدأت عند النقطة التي انتهى هو بها . إنه تذكر الوضع الطبيعي لكل حلم ، ولكنة في أو جهل الوضع المعكوس ، وهو الوضع الصحيح لحلمه .
فإذا ما رجعت إلي حلم الليله الماضية ، وبنيت تفكيري على ضوء هذه الاسنتاجات ، وشهت حوادث حلم الكلاب بحوادث حلم المقصلة ، علمت الى استيقظت على أول نبحة صدرت من الكلب المسجون . وفي المدة التي انقضت بين نباحه ويقظتى تكون الحلم وتطور على صورة عكسية كانت بدايته صوت نباح الكلب ومهابته مشهد العرض وصورة المحكمين
فعندما نبح الكلب استيقظت من نوعي مدعورا لعلمي أنه ليس بالمنزل كلاب . ما هذا النباح الشديد ؟ . . إنه لا بد نباح كلب قد ألم به سوء ؛ ولكن ما هي إصابته وبأي كيفية حدثت له ؟ . . إلي آخر هذه الأسئلة التى أسائل بها نفس والتي تنتهي بوجودي بالمعرض عارضا إلى هيئة من المحكمين مجموعة من الكلاب النفيسة ، وهكذا تتطور الحوادث بترتيب خاص وبصورة عكسية أرتها عند يقظتي بالكيفية التي يرفضها عقلي ، والترتيب الذي تعود عليه تفكري .
وما يقال عن حلم المقصلة أو حلم الكلاب يمكن أن
يقال أيضا عن جميع الآحلام التي تنتهي بيقظة الحالم فيجد تشابها كما بين حوادث الحلم الذي ارنآه في نومه وصورة الواقع الذي سبب يقظته
وإني لأن لأتذكر بهذه المناسبة قراءة قصة حلم شبه بالحلمين السابقين ، تكون بنفس الطريقة العكسية المذكورة وانتهي بإنقاذ نفس من موت محقق . رأي شخص في نومه ان حريقا شب في منزله ، وان النيران أحاطته من كل جانب وتركته يتخبط في وسطها حائرا . فهب من نومه مفزوعا وقد رأى قنديلا مشتعلا كان قد سقط بشمل الريح على المضدة وانسكب ما به من وقود فادلت النار واخذت تلتهم ما حولها بسرعة فائقة .
ظن هذا الشخص أنه في حلمه تنبأ بما حدث ووافقة الكثيرون . فانتشرت القصة وعرضت بصور مختلفة
وتأويلات متباينة ، ولكنها كانت تدور كلها حول محور واحد . التنبؤ في عالم الآحلام بما قد يحدث في عالم الحقيقة . أما الآن وقد اعترفنا بنظرية الحلم المعكوس فيمكننا تعليل تلك النبوءة تعليلا علميا صحيحا . ألا وهو أن اندلاع النار بسبب سقوط القنديل على الأرض أحدث تغييرا في حرارة جو الغرفة كان سببا في إيقاظ النائم . وفي المدة التي انصرمت حتى أتم يفظته كان حلمه قد تكون فصور له الحريق واندلاع النيران بالطريقة العكسية وبطريقة الأسئلة والأجوبة عليها .
وبعد ، فإن طرق تكون الأحلام كثيرة متشعبة ، وكانت وما زالت موضع تفكير وبحث العلماء في جميع الأمصار ، ولعلي أعود إليها في مقال آت إن شاء الله .

