الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 350الرجوع إلى "الرسالة"

الأدب الإنجليزي والروح الإنجليزية

Share

ألقى الأستاذ دوفر ويلسون، أستاذ البلاغة والأدب  الإنجليزي في جامعة أدنبره، بعد ظهر الاثنين الماضي في المدرسة  الإنجليزية بالإسكندرية، أولى المحاضرات التي دعي إلى إلقائها من  إنجلترا، وكان موضوعها   (الأدب الإنجليزي والروح الإنجليزية)   فأستهل كلامه بقوله إن بريطانيا استطاعت أن تعمر نصف  أقطار العالم، وإنها تعد مهد الديمقراطية ومؤسسة الصناعات  الحديثة، وفيها نشأ باكون ونيوتن ودارون. وقد تسنمت من  الخيال الذروة العليا حيث يتربع شاعرها العظيم شكسبير كأنه  إمبراطور تقدم له أمم العالم فروض الطاعة والولاء

ثم قال إن الأدب الإنجليزي أقدم أنواع الأدب الحديث،  إذ يرجع عهده إلى القرن الخامس الميلادي، أي قبل أن يجد  الإنجليز والسكسونيون طريقهم إلى بريطانيا، وبين هذا التاريخ  وبين غزو النورمانديين للبلاد مضت ستة قرون، كانت حافلة  كلها بالشعر والنثر.

وعرض للصفات التي كان يتحلى بها من ترنموا بالشعر  في هذا الحين، فأبان أنها كانت هي نفسها ما يتحلى به الخلق الإنجليزي  الآن، فالبريطانيون يذهبون إلى الحرب وكأنهم ذاهبون إلى  مشاهدة مباراة في كرة القدم.

ثم أبان أن تاريخ الأدب الإنجليزي كان دائماً تاريخاً لقوة  هذه الأمة يتمشى مع انتصاراتها في مختلف الحروب التي خاضتها،  قال: إن أهم الظواهر التي تلفت النظر فيه اعتماده على آداب اللغات  في البلدان الأخرى إلى حد كبير. ولقد ظهرت في أوربا اليوم  اصطلاحات كثيرة كالأوتقراطية والعنصرية، ومقدرة الدولة  على سد حاجاتها بنفسها، فلم يلفت هذا نظر الشعب الإنجليزي  ولم يثر إعجابه، لأن قوة إنجلترا تتوقف على اختلاط أجناسها  ومقدرتها على إدماج العناصر الجديدة فيها. لهذا كان قليلاً أن تجد  لغات ركب أصلها من عدة عناصر كاللغة الإنجليزية، وكان أقل  من ذلك أن تجد أدباً اعتمد على مختلف المصادر كالأدب الإنجليزي. وقد رد الأستاذ ولسون هذا إلى أن الكتاب الإنجليز نهلوا  من كل مورد، وضرب كثيراً من الأمثلة: فقال: إن الشاعر

العظيم شوسر، من أكثر شعراء الإنجليز الذين تأثروا بشعر  الفرنسيين والطليان. ومنذ عهد الإصلاح إلى مستهل القرن الثامن  عشر كان الأثر الروماني والإغريقي هو السائد في الأدب الإنجليزي.  وفي خلال هذا القرن تلقى الإنجليز أصول الأدب على الفرنسيين.  وفي أوائل القرن التاسع عشر كانوا يدينون لألمانيا إلى حد كبير.  وفي الوقت الحاضر تدين الدراما الإنجليزية بوجودها للشاعر  النرويجي ابسن. وكذلك تأثر كتاب الروايات القصصية من  الإنجليز بالكاتب الروسي الشهير دستوفسكي.

ثم قال إنه إذا صح القول بأن إنجلترا منفصلة عن أوربا،  فإن هذا الوصف لا ينطبق عليها في الواقع من ناحية الأدب.  وقد يكون من متناقض القول أن شعباً كالشعب الإنجليزي  عرف بأنه أنجب في ميادين السياسة والعمل والتجارة رجالاً  أفذاذاً لا يكون أيضاً من أوائل الشعوب في ميادين الأدب  بجميع أنواعه

وذكر المحاضر بعد ذلك أن إنجلترا لم تتزعم دول العالم  في الصناعة والتجارة فحسب ولكن في الرياضة أيضاً. وإن الإنجليز  في الوقت نفسه أكثر الشعوب تديناً. وقد يكون أهم ما يلفت  النظر عند زائر إنجلترا أن يلاحظ أن الشعب الإنجليزي شعب  لا يعرف اللهو، أو هم كما يسمونهم   (يلهون بحزن)  ولكن قلما  يوجد شعب آخر في بساطة الطفل ووداعته مثلهم.

وبعد أن ذكر الأستاذ ويلسن أنه يجوز أن تتحد هذه  العناصر من الرياضة والشعر والخوف من الله، وتؤلف ظاهرة  غريبة، فإن رجال الأدب في إنجلترا هم بدون شك من أشد  الناس تمسكاً بأهداب الدين والفضيلة قال إن الفلسفة والفضيلة  كانتا على الدوام رائد الشعراء الإنجليز فيما أنتجوا. فهذا ملتون  كان يعمل في كتاباته ليظهر للناس طريقهم إلى الله. وكذلك  كان يفعل من قبله لانجلاند وسبنسر وبوب ووردثورث وتيسون  وبراوننج وغيرهم؛ حتى شيللي، ولم يكن يعترف بالله، كان يبشر  في كتاباته بإنجيل اجتماعي جديد. وقد ابتدأ ذلك منذ العصر  الفيكتوري، وما زال حتى الآن يحمل لواءه أشهر الكتاب  الحاليين أمثال برناردشو وولنر وهيكسلي وهناك من يتهم هذا النوع من الكتابة بأنه ليس من الأدب

في شئ، ولكن الأدب لم يكن في يوم من الأيام يتوقف على عقيدة  الشخص، وإنما يتوقف على أسلوبه، وهذه كتابات بانيان التي  لا تخرج عن أنها دعاية دينية، فهي تعد عملاً أدبياً عظيماً.

ولما كان الإنجليز في جميع العصور يدينون سياسياً إما بمبدأ  الأحرار، وإما بمبدأ المحافظين، فإنه ليس غريباً أن كان لهذين  المبدأين شأن أي شأن في الأدب الإنجليزي.

وقد كان شوسر من أصحاب المذهب الأول، وقد عرف عنه  العطف على كل مخلوق، وإحساس رقيق، واهتمام خاص بالحياة  العادية للرجل العادي في حين كان معاصره لانجلاند على نقيضه،  إذ كان من أنصار الأحرار الذين يعتقدون بالمثل الأعلى للإنسان وأما من وجهة شكسبير، فهي تماثل شوسر ولكن  على نطاق أوسع، فقد كان شكسبير من أشد رجال الأدب  الكاثوليكيين في العالم تديناً.

وفي نفس هذا العصر ظهر ميلتون أكبر شاعر بروتستنتي  دعا إلى التعصب لمذهب الراديكالية البريطانية في أوسع حدودها.  وكان يعتقد بالقضاء والقدر في حياة الإنسان.

وبعد أن أبان المحاضر أن هذه التفرقة نفسها قائمة بين أشعار  وردزورث وشيللي، ختم كلامه بقوله: لقد كان للحرية  في كل عصر أنصارها المتحمسون؛ ومع أن ثمن الحرية غالٍ مرتفع،  فإن إنجلترا قبلت أن تدفعه عن طيب خاطر ولو كلفها ذلك دم  أعز أبناءها. ولكي يفهم الأجنبي الروح الإنجليزية على حقيقتها  يجب عليه أن يدرس الشاعر وردزورث الذي تتميز أشعاره  بإنجليزيتها عن جميع الشعراء.

وكما حارب الإنجليز في عام ١٩١١ الدانمركيين وهم لا يحملون  لهم حقداً ولا ضغينة، كذلك نرى هذه الروح هي المتغلبة عليهم  في جميع حروبهم وهي نفسها الروح التي تتسلط عليهم في حربهم  الدائرة رحاها اليوم.

اشترك في نشرتنا البريدية