حضرة الأستاذ الفاضل محرر مجلة الرسالة: تحية وسلاماً، وبعد فقد بدت لي بعض الملاحظات وأنا أقرأ ما كتبه الدكتور زكي مبارك أخيراً في الرد على الأستاذ أحمد أمين أجملها فيما يلي:
1 - يقول الدكتور زكي مبارك: (إن الطريقة التحليلية عرفها شعراء العرب منذ اقدم العصور. وعليه (يريد أحمد أمين) أن يرجع إلى معلقة طرفة ومعلقة لبيَّد وعينية أبن سويد. . .) والرأي عندي أن زكي مبارك أخطأ فهم المقصود من اصطلاح الأدب التحليلي، وإلا لما أجاز لنفسه هذا القول. فمعلقة طرفة ومعلقة لبيد، ليستا من الأدب التحليلي في شيء. لأن التحليل - كما نعرفه ويعرفه كل الباحثين في تاريخ الآداب - هو رد الأشياء إلى أصولها الأولى، وبيان تقومها بهذه الأصول ووجه هذا التقوم. ومعلقتا طرفة ولبيد ليستا من ذلك في شيء، وإنما الصفة الغالبة عليهما، صفة الوصف التشريحي. فطرفة مثلاً يصف لك الجمال في معلقته بدقة تشريحية، ولكن هذا الوصف التشريحي وإن لخص لك التفاصيل في دقة متناهية، فهو بعيد بعد ذلك كل البعد عن أن يظهر لك الجمل في حياته الداخلية. ذلك أن هذا الوصف التشريحي ينقصه التجرد عن الذاتية من جهة ثم إدخال عنصر الخيال فيها من جهة أخرى. ومن هنا جاء القصور عن أن يطرق الشاعر الناحية التحليلية في وصف الجمل. كذلك يمكننا أن نقرر هذا الكلام في شيء قليل من التعديل ليناسب المقام حين نعرض لمعلقة لبيد أو عينية ابن سويد، أو غيرهما ممن ذكرهم
زكي مبارك كنماذج للأدب العربي الذي جرى على النهج التحليلي
2 - وضرب الدكتور زكي مبارك مثلاً لقوله بتغلب النزعة التحليلية على أكثر الشعر العربي فقال: إن قصيدة سعيد ابن حميد في النهي عن العقاب فيها تحليل واستقصاء، ثم تعليل وانتقال من العموم إلى الخصوص مما يثبت عنده ملكة التحليل للشاعر. والذي عندي أن الدكتور زكي أخطأ فهم القصيدة ونوعها وخصائصها. فالقصيدة ليس فيها تحليل، وإنما كل ما فيها وصف ساذج لحالات تتقوم بفكرة النهي عن العقاب. كذلك قصيدة الطغرائي في الحمامة الباكية، يمكن أن نقول فيها إنها وصفية ساذجة بعيدة عن التحليل. أما قصيدة الشريف الرضي فما بدا فيها من تسلسل الفكرة والترابط بين الموضوعات التي تنتقل فيها القصيدة، فهي نتيجة لكون طبيعة الناثر متغلبة على الشريف الرضي، وليس من ذلك طبيعة التحليل في شيء
3 - يتصور الدكتور زكي مبارك أن النزعة التحليلية في الأدب تقوم على أساس الاهتمام بتصوير المعاني وإشعار السامع والقارئ بأن هنالك محاورة للعواطف والقلوب والعقول. وهذا خطأ، لأن القدرة على الوصف وإجراء الحوار شيء، والقدرة على التحليل شيء آخر، فقد يكون شاعر من الشعراء وصافا، ولكن ذلك لا يعني أنه صاحب تحليل يمكنه من ردَّ الأشياء إلى أصولها الأولى. وإليك مثلاً لذلك قول تميم بن جميل في وصفه حاله الشعورية وهو يرى منظر الموت أمام المعتصم. فهذه القصيدة - وقد ذكرها زكي مبارك - وصفية، وهي بعد ذلك ليست قائمة على عنصر التحليل للحالات الشعورية التي كانت تنتابه في ذلك الموقف والخلجات التي كان يحسها، ومنظر الموت أمامه والذي عندي أن السبب في خطأ الدكتور زكي يرجع إلى أنه ظن الوصف من التحليل، وسبب هذا الظن الخاطئ أنه قرأ لإسماعيل مظهر والمازني والعقاد أن ابن الرومي متفوق في الوصف، ثم قرأ لهم أنه صاحب طريقة التحليل في الأدب العربي فاختلط في ذهنه هذا بذاك وكان منه الظن بأن الوصف من التحليل هذه ملاحظات وجدت من المفيد أن أعقب بها على ما كتبه الدكتور زكي مبارك في هذا الموضوع. وليس بي غير الرغبة في تبيان رأي قديم لي في هذا الموضوع والسلام.
(الإسكندرية)

