الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274 الرجوع إلى "الثقافة"

الأدب الخالد

Share

محبب إلى النفس حديث الخلود . فهو حديث العبقرية السامية والذكاء المتوقد . ومن منا لا يحب الخلود ، ومن منا لا يحب أن يكون أنشودة الحياة البريئة ترتلها على مسامع الأجيال لحنا جذابا .

ومن منا لم يحلق به الأمل في سماء الخيال برهة من الزمن ، حيث يشرف على الوجود ، ويشعر بأنه احد أولئك الأشخاص الذين ادوا رسالتهم ، فتعالت عن ان تعبث بها الأحداث ، وتبلي جدتها الأيام . بل كانت نغما ظاهرا استرعي أسماع الزمان ، واستلب عواطف الجماهير ، فانحنت أمام روعته هيبة وجلالا ، وكانت علما مرفوعا في سماء العبقرية تجتمع في سبيل تمجيده الإنسانية بأجمعها ، وكانت قطعة من الروح لاءمت كل عاطفة ، وداخلت كل طبع . .

هذا هو حديث الخلود ، مولعة به كل نفس ، مشغوف به كل نبوغ .

ولكن هل هذا الخلود من نصيب كل نتاج يخرج إلى هذا العالم ؟

ولنقصر حديثنا على الأدب ، فهل كل شخص استطاع أن يكون أديبا يستطيع أن يكون خالدا

نستطيع أن نقول : ليس الخلود من نصيب كل أديب ، وإنما هو من نصيب الأديب الذي استطاع أن يكون قيثارة يطرب لسماعها كل جيل ، وسما عن ان تكون مادة ادبه هذه الحوادث الدائرة العادية التي تتجدد في كل ساعة ، وتتبدل في كل يوم .

فهذه الحوادث وإن لاءمت عواطف الحاضر فسوف لا تلائم عواطف المستقبل القريب فضلا عن البعيد

فليس من الضروري أن يكون غذاء الروح في الحاضر هو بعينه غذاء الروح في المستقبل او في الماضي . مثله في ذلك مثل كل عنصر في الوجود يخضع للتطور ، ويسير

وفق علم الترقي ، فالمستقبل يحمل في طياته ثورة على الحاضر نسير به في طريق الكمال خطوة أو خطوات ، وما دام الكمال غير محدود ، والإنسانية مندفعة بحكم الزمن في هذا الطريق غير المحدود ، فمن المؤكد انها تسير من حسن إلي احسن ، ومن رديء إلي حيد ، ومن خبيث إلي طيب . وليس معنى هذا التطور انه يقضي علي كل صلة بين الماضي والمستقبل ، فيجعل كل واحد منهما مباينا للاخر تمام المباينة ، مخالفا له تمام المخالفة، كلا . فليس هكذا التطور وليس هكذا الانتقال .

نعم التطور تغيير ، والارتقاء تغيير ، ولكن هناك رابطة تربط مراحل الزمن الثلاث ، ولا يمكن للتطور ان يغيرها ، ولا يمكن للارتقاء أن يوهنها .

هذه الرابطة هي التي تلتقي عندها الإنسانية : ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، فتطرب لنغمة واحدة وتلتذ للحن واحد.

هذه الرابطة هي الروح المشتركة بين هذه الأزمان . هذه هي الحياة المتماثلة في هذه المراحل ، وهي سبيل الأديب إلى الخلود ، والاديب الخالد هو الذي يستطيع أن يرسم هذا الجمال الذي ينتظم هذه الرابطة ، هو الذي يكون أديه مرآة تتراءي فيها هذه الروح المشتركة شخصية واضحة بما فيها من الكمال والقوة ، هو الذي يقدر ان يكون وترا حساسا توقع عليه هذه الحياة المتماثلة أناشيدها الخالدة فتشبع عواطف كل جيل ، وتغذي وجدان كل زمان ، وتملأ الإنسانية غبطة وسرورا.

هذا هو الأدب الذي تنسج حوله الطبيعة رداء الخلود فيلبسه آمنا فيه من تقلبات الحدثان وأعاصير الفناء.

والأديب لا يمكن أن يكون أدبه معنى فقط ، وإنما يجب ان يكون لهذا المعنى ثوب يوضع فيه ، ولفظ يكون في تضاعيفه حتى يستطيع الوصول إلي الأفئدة والقلوب عن طريق الأسماع والأنظار.

وإذا أنت آمنت معي بأن المعنى الخالد يجب أن يكون

ساميا ، بحيث يلفت الإنسانية كلها ، الا تؤمن معي ايضا بأن رداءه يجب ان يكون ساميا هو ايضا بحيث يتلاءم معه ، ويتوافق وإياه.

وهل تستمرئ نفسك ان تستمع لاغاني ) بتهوفن ( او مقطوعات ) رامي ( حين يرتلها صوت من الأصوات المنكرة ؟ أظن من المستحيل ذلك . . هذا هو فضل اللفظ على المعنى

يتبين من كل ذلك أن الخلود لا يجوز إلا لأديب سما بمعناه حتى لاءم بين عواطف الإنسانية بأجمعها ، وضع لمعناه هذا ثوبا من اللفظ المتخير الرائق ، جديرا بهذه المعاني السامية.

إن الداعين إلي الجديد يقولون إن الأدب يجب يكون صورة صادقة امينة لخير ما في عصره ، فإن الأدب مهما

كان مصدره سيكون حتما صورة للعصر ، لان الأديب لا يمكن أن يتخلص من قيود البيئة ، ويخرج على قوانين التطور ، ويمرق من نواميس الاجتماع.

ولكن هذا القول لا يمكن أن يحقق لنا وجود أدب عالمي خالد ، وإنما يحقق لنا وجود ادب موضعي فقط . والعالم كله يسير الآن في طريق الكمال .

ويقول الداعون إلي الجديد إن لغة الأدب يجب ان تكون العامية وهي لغة فضلا عن أنها موضعية لا تكفي ان تكون رابطة التفاهم بين أبناء القطر الواحد ، فكيف تصلح أن تكون رابطة بين جملة أقطار . إنها لغة فوضى خالية من كل نظام ، بعيدة عن كل جمال ، وإن النظام سر الجمال في كل مظاهر الوجود.

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية