الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1021 الرجوع إلى "الرسالة"

الأدب الشعبي

Share

بقية ما نشر فى العدد الماضى

إنى على يقين بأن العمل الفنى إذا توافر له جوهر الأدب من إثارة العاطفة , ومنادمة الوجدن , ومن تناول العناصر الحية فى المجتمع البشرى , ومن تصوير النزعات النفسية النابعة من موارد إنسانية أصيلة , فإن هذا العمل الفنى صالح لأن يكون شعبيا يستمرئه الناس على اختلاف مراتبهم من المعارف والمدارك ؛ وأنهم ليستجيبون له ، ويتأثرون به ، ويجدون له فى أنفسهم بلاغا ليس وراءه بلاغ

أعرف فيما أعرف سيدة تقرأ العربية , ولكنها غير متضلعة منها , فاما الشعر العربي فإنها لا عهد لها به , ولعلها تتجنبه ثقة منها بأنها لا تملك له فهما .وأظهر ما تتميز به هذه السيدة أن عاطفة الأمومة تتوهج بين جنبيها أيما توهج , فهى بهذه العاطفة تحيا ولها تعمل , ويوما عرضت على إحدى المجلات مشيرة فيها إلى أبيات من الشعر يناجى بها الشاعر طفله , وما عتمت أن أخذت تقرأ على هذه الأييات , جياشة الحماس مستعذبة ما تقرأ , مسهبة في شرح ما تجد من جميل المعاني , تدلنى بذلك على أنها فهمت مرامى الشاعر وأغراضه , وأن غمت عليها مدلولات الألفاظ على الوجه الدقيق . فهذه السيدة قد تأثرت عاطفتها بتلك الأبيات ,

طوعا لما تضم بين جوانحها من مشاعر الأمومة المتوقدة ، فالشاعر قد عالج لها موضوعا ينزل من نفسها فى المكان الأول , وعبر لها عما تشعر به الأم نحو طفلها تعبيرا فنيا جميلا , فيه النغمة الموسيقية التي هي أقرب إلى هدهدة الطفل فى مهده الحبيب , ومن ثم استجابت الأم لهذا اللون من الشعر : لا بما تفهمه وتعقله فى هذا الفن من الأدب ، ولكن بما استشعرته لذلك الموضوع الذى عالجه الشاعر الفنان , وكان حسبها فى هذه الاستجابة جملة ألفاظ فهمتها من أبياته , فكانت هذه الألفاظ جسرا يصل بين شعورها وشعوره

وأذكر أني كنت فى عهد الصبا احرص على شهود المحافل التي يلقي فيها شاعر النيل " حافظ إبراهيم " قصائده الشعبية فى الشؤون الاجتماعية والسياسية العامة . وكان كعهده يؤثر أناقة اللفظ وجزالة العبارة حتى ليفتقر النشء المتأدبون فى فهم كلماته إلى معجم , وأنا يومئذ قليل الزاد من الفصحى , ولكنى على الرغم من ذلك ما أ كاد استمع إلى " حافظ " ينشد , حتى أحس معانيه تنساب إلى نفسى انسيابا ، وإذا أنا أدامجه وأسايره بعاطفتي وشعورى ؛ذلك لأن الموضوعات التي يعالجها الشاعر كانت ملء أسماعنا , والأحداث التي يستوحيها كانت تشغل بالنا , ولم يكن جمهور " حافظ " من المثقفين خاصة , وإنما كان خليطا من طبقات الشعب , يفهمون عنه , ويتأثرون يه , ويصفقون له فى صدق وإيمان . ولست أنسى حفلا شعبيا شهدته فى " حديقة الأزبكية " لذلك العهد , فأنشد فيه " حافظ " إحدى روائعه , وكان بين جٌمهور السامعين كثير من ذوى الجلابيب , وهم يطربون للشعر , ويهتاجون بالإنشاد , ويتصايحون في تهلل و إعجاب

وإليك ما عرفت من شأن " طاغور " وجمهوره , فقد كانت حلقته التى ينشد فيها أشعاره تحفل بالحشد الوافر من جمهور الشعب غير المثقف , وبينهم الحفاة العراة المهازيل ، وكان أولئك يصغون إلى " طاغور " مرتلا شعره , وكأنهم

وفى معبد يشتركون فى صلاة , وأعينهم تفيض من الدمع تأثرا واستجابة , وكذلك استطاع هذا الجمهور الساذج أن يستشعر الجمال والروعة فى قصائد بالغة من السمو الفنى والفلسفي أرفع الدرجات , وإنما تسنى للجمهور أن يساير أدب " طاغور " بثلاث : الأولى أن الشاعر يتناول من الموضوعات ما يشغل بال الناس , وما يحسونه فى صميم قلوبهم أوفر إحساس , فهم حين يصغون إلى الشاعر فإنما يصغون إلى زفرات نفوسهم وأصداء عواطفهم صادقة الوحى والإلهام . والثانية أن قصائد " طاغور " أقرب فى أسلوبها وجرسها إلى النغمة الموسيقية منها إلى ألفاظ تتألف من حروف . والثالثة أن " طاغور " كان يلقي شعره فيحسبه السامع مغنيا يترنم . وثمة ناحية رابعة ليس من الخير إغفالها ، تلك هى أن فلسفه " طاغور " التى ينطوي عليها شعره أدنى إلى التصوف والتعبد منها إلى فلسفة المذاهب والآراء ، والإنسان صوفى بالفطرة , متعبد بالطبع , ولم تكن هذه المعاني التي يجلوها " طاغور " في فلسفته الصوفية إلامعانى إنسانيه كامنة في النفس البشرية , فلاهى بجديدة علي الإنسان ولا هي بمستغلفة عليه , بل هى في سريرته مستخفية نلتمس من يثير ها من الأعماق

لسائل أن يقول : أفى المستطاع أن يتذوق جمهورنا العربي من فن " طاغور " ما يتذوقه جمهوره ؟ لا سداد فى الإجابة عن هذا السؤال بنفي أو إيجاب فإن كثيرا من الألوان الأدبية , وبخاصة الشعر , لا يكاد يسوغ إذا نقل إلى لغة غير لغته لأنه يفقد بالترجمة خصائص وقعه الموسيقى وكيانه الفنى , ولا تبقى منه إلا ظلال وأشباح او هياكل معروقة من عظام . ولو كان فى المقدٌور أن يترجم أدب "طاغور " رنانا بموسيقيته الفنية , رفافا بصوفيته الإنسانية ، لكان حريا أن يتأثر به الجمهور الكبير حيث يكون وهذا " شكسبير" الشاعر العبقرى الذى نقرأ له اليوم

فى إمعان وروية , محاولين استشفاف الغامض من معانيه ، والدقيق من تاملاته الفكرية وتحليلاته النفسية . لقد كانت مسرحياته تمثل على أعين النظارة من عامة الشعب ، كانوا أمثاجا من الناس يتباينون فى مراتب الثقافة والذوق , ولكنهم استساغوا من فن " شكسبير " مايساير عواطفهم وما يلائم مزاجهم , واستمرأوا ما كان يمازحهم به من مفارقات الحياة واضاحيك المجتمع , في سخرية لاذعة , ونقد طريف ؛ وما كان يهزهم به من صور المآسى والفواجع ، في لوعة مريرة , وتحسر أليم . قالشعب فى ذلك كله مستجيب له أعمق استجابة , فتارة هو واجد حزين , وطورا هو مستمتع طروب

على الأديب الفنان الذى يرى أديه محجوبا عن الجمهور ، فيسيء الظن بهم , ويسرع إلى وهمه أن الناس لا يستطيعون التلقى عنه , عليه أن يسأل نفسه : أموصول هو حقا بالشعب يعبر عن خوالجه , ويصور منازِعه ؟ فإن كان كذلك حقا فليسأل نفسه ثانية : هل ابتغى الوسيلة التي يتسنى بها للجمهور الإقبال على أدبه ؟ وإن في الجواب عن هذا السؤال جانباً خطيراً من سر العلاقة بين الفنان الكاتب والجمهور القارئ

وليس بعازب عنا عقم الوسائل التى تتأدى بها الكتب الأدبية إلى أيدى الشعب , فإن هذه الكتب لا تكاد تصل إلى الناس إلا بجهد , فالكاتب والقارى كلاهما يلقى من ذلك إعنانا ورهقا . وفي مقدورك ان تعزو العزلة التي يعانيها الأدب الفنى إلى ان الجمهور يجهل وجوده , وانه لا يجد تنبيها إليه , وربما وجد سبيله غير ميسور؛ فللجمهور عذر مبسوط فيما نلاحظ من ضعف إقباله على الأعمال الفنية التي ينهض بها الأدباء

وفى هذا المقام يطيب لي أن أشير إلى أن إحدى الفرق التمثيلية ضاقت بما تجد من تراخي الجمهور عما تقدمه من مسرحيات فنية أصيلة , وكانت تعلل ذلك بادئا بأن الجمهور

لا يسمو إلى هذا المستوى الرفيع . وأخيرا خطر للقائمين على تلك الفرقة ان يلتمسوا بعض السبل إلى اجتذاب الناس , فخفضوا أسعار الدخول حتى قاربوا بها أسعار الدخول فى الدور السينمائية , وبسطوا لطلاب المعاهد وأساتذتها شيئا من الامتياز فى الخفض , فازدحم المسرح برواده، واحتفظت الفرقةبمستواها , ولقيت من الإقبال والاستحسان مالم يكن يدور فى الحسبان

ومما لاحظناه منذ عهد قريب أن بعض دور النشر أخذت تقدم طبعات جديدة من المؤلفات الادبية الرفيعة , ميسورة الأثمان , تعرض مع باعة الصحف على أنظار الناس , فراجت هذه الكتب , وبيع منها الألوف والجمهور هو الجمهور , لم يزدد علما ولاثقافة بين عشية وضحوة , وإنما الفضل كل الفضل لهذه الوسيلة الجديدة فى نشر الكتب وعرضها على جمهرة القارئين . وليس أدل على نصوع هذه الحقيقة من أن بعض تلك الكتب كان مطبوعا على الطريقة القديمة من قبل , ولم يكن المطبوع منه يزيد على ألفين أو ثلاثة , وما تزال منه بقية فى المكتبات لم تبع بعد , فأما هو فى طبعته المحدثة , بهذه الطريقة الميسورة , فإن المطبوع منه يربي على عشرين ألفا ولا يكاد يظهر حتى تنفد نسخه فى أيام معدودات

ومن طريف ما حدثني به أستاذ فرنسى صديق , أنه يسكن شقة فى مبنى كبير فى باريس , وعلى باب المبنى يقوم بواب مشغوف بالقراءة , فبين يديه دائما كتاب يطالع فيه , وقد عنى الصديق بأن يتعرف ما يقرؤه ذلك البواب المتأدب ، فإذا هو الأدب المسف الرخيص , فخطر له أن يزاول معه تجربة لا يدرى أتخفق أم تفلح , فدفع إليه كتابا من الكتب , وترك له أن يقرأ إذا راقه أن يفعل , فأخبره البواب بأنه قرأه فى ليلة واحدة ، وأنه أعجب به . ولم يكن الكتاب مغامرة من مغامرات " أرسين لوبين" وإنما كان كتاب " أنا كارنين " .لتولستوى . ومنذ ذلك اليوم . أخذت

المكتبة القصصية الرفيعة التي يقتنيها الأستاذ الفرنسى تستعار كتابا كتابا لهذا البواب , فيعب ما شاء أن يعب , وكذلك أثمرت التجربة وأصبح البواب القارئ من عشاق الأدب الرفيع

هذه خواطر فى معنى الأدب الشعبي , أردت بها توجيه الأنظار إلى تصحيح مدلوله , والكشف عن حقيقته ، فلقد طالما أُسيء فهمه , وشدما عدل به عن وجهه . ولقد آن لنا أن نرد إليه اعتباره , ونوفيه حقه , فإننا نظلم الأدب إذا بإعدنا بين الشعب وبينه , كما نظلم الشعب إذا نقصنا من متعة الأدب حظه . وهل للأدب موضوع إلا الشعب ؟ وهل للشعب مرآة إلا الأدب ؟

اشترك في نشرتنا البريدية