كثيراً ما التقطت أذناى ، وما لمحت عيناى أمثال هذه العبارات : - أجمل الشعر أكذبه . . ولكل شاعر شيطان يملى عليه الشعر إملاء .. . والأديب الموهوب لا يعيش فى عالم الواقع ، ولكنه يطير على جناح الفكر إلى العالم الخيال . وكانت هذه العبارات وأمثالها تؤثر فى نفس تأثير السحر فتحملنى على ازدراء الحقائق ، والإعجاب بالزيف ، والنهدج المبالغات والمفارقات وألاعبب الألفاظ والمعانى ، وغير ذلك من الأباطيل التى تضلل الدهن . وتفسد الذوق ، وتعطل ميزة التقدير السليم .
وإذا كنت قد بليت أثناء دراستى للأدب العربى فى صباى بمن غرس فى نفس بذور هذه الأراجيف التى أينع نبتها وأثمر ، فإنى لم أعد بين أدباء الغرب ونقاده من تفننى من ضروب الباطل ما هو أشد إمعانًا فى الضلال . فلطالما قرأت للنقاد الغربيين أمثال هذه العبارات : . . ليس للأدب أو للفن غاية دنيوبة ، فهما لا يعنيان إلا بالمطلق ، وتقاس قيمة العمل الأدنى أو الفنى بمقدار سموه عن أغراض الحياة واقترابه من المطلق . . ولا يجوز أن يصبح الأديب داعية لمذهب ما ، أو يشتمل أدبه على مغزى أخلاقى أو مرعى سياسى ، وإلا كان مصلحاً أو مهذباً أو سياسياً ، وشتان
بين الأديب وهؤلاء . . وإذا هبط الأديب من سماواته إلى دنيا الواقع فقد حريته وهى جوهر أدبه !! . . قضيت حقبة من الزمن وأنا مأخوذ بهذه التعاليم الساحرة التى تداعب زهو الأديب وغروره ، إذ توهمه أن أدبه مما به عن مستوى الناس ، وميزه عن سوادهم ، ودهمتنى نوائب الدهر فاستصغرت شأنها ، ولم آبه لها مترفعاً شامخاً بأنفى ، ولم ألبث كذلك حتى ضحضنى الفين والخسران أنا السايح في مراقى الملأ الأعلى .
ثم أففت فجأة على صوت أمين الريحانى وهو يهيب بالشرق أن يهب من سباته ، وينزل من سبحات فكره إلى عالم الواقع . ودعا الشرقيين أن يبيعوا فلسفات الشرق وروحانياته بدبابات وطائرات ، ومصانع وآلات . وتعالت الصيحات إثر الصيحات تدعو إلى ما دعا أمين الريحانى إليه . وبلغ من إيمانى بصدق تلك الدعوات أن رفعت عقيرتى منادياً مع المنادين بتحويل المدارس الثانوية إلى مدارس صناعية ، والاهتمام بالإنتاج الصناعى على حساب الآداب والفنون ولكنى لم البث أن أدركت مرة أخرى أنى لم أنج من خطأ إلا لأقع فى خطأ أفضح منه ، فما كان الأدب والفن والفلسفة بالهيئات التى يستغنى عنها ، أو يمكن الاستغناء
عنها ، فهى من لوازم كل مجتمع ، وهى تتأثر بدرجة رقيه الحضارى ، ثم تعود وتؤثر فيه فتحفزه إلى الأمام . ومن ثم أخذت الحقيقة تتجلى أمامى فى غير لبس ، فالآداب والفنون تعبر عن مجتمعاتها ، أو تعبر ، فيما إذا تحرينا الدقة ، عن الطبقة التى ينتمى إليها الأديب أو الفنان ؛ ولما كان كل مجتمع فى تطور مستمر ، وواقع تحت تأثير قوتين متناقضتين تتجاذبان ، إحداهما تحاول أن تعوق تقدمه ، والأخرى تدفع به إلى الأمام ، كانت الآداب والفنون التى تعبر عن القوة الأولى رجعية ضارة ، أما التى تعبر عن الثانية فناقصة ، بل حيوية للمجتمع المناضل فى سبيل التقدم .
ونحن إذا حصنا آدابنا على ضوء ما تقدم نجد أنها رجعية تشدنا إلى الوراء ، فهى على نوعين ، نوع يحتذى أصحابه تراث العرب الأدبى . ولا جدال فى أن تقليد الأدب القديم يمين على الاحتفاظ بالعقلية القديمة والروح القديم ، ونوع يحتذى أصحابه الأدب الغربى ، ومن الأسف أن احتذاءهم الأدب الغربى مقتصر على الرومانسية العتيقة التى استهوت المراهقين وغيرهم من شيوخنا الذين لم يزالوا على عهد المراهقة رغم ابيضاض لممهم ، وليس احتذاء رومانسية القرن التاسع عشر بأهون ضرراً من تقليد الأدب العربى القديم والانحصار بين ضفتيه ، ذلك لأن الأدب الرومانسى الأوربى ضلل شعوب أوربا ردحاً من الزمن ، وعاقها عن التقدم ، والذى يرجع معنا إلى الظروف التى لابست ذلك الأدب ووجهته وحددت له أهدافه يستطيع أن يتبين صحة ما نقول .
قام الشعب الفرنسى بثورته المعروفة فى أواخر القرن الثامن عشر ليفوز هو وشعوب الأرض بالحرية والإخاء والمساواة ، وقد حاول زعماؤه وممثلوه أن يحتفظوا بزمام الحكم ، ولكن الأهواء التى لا يكبح لها جماح حفزت ذوى القدرة من افراد الطبقة المتوسطة للوثوب إلى كراسى الحكم ومراكز النفوذ ، وبدأت بذلك سيطرة الطبقة المتوسطة التى امتهنت الصناعة والتجارة ، ونجحت فى بناء الصرح الاقتصادى الأوربى ، فكبر شأنها ، وتضخم عديدها ، وعظم سلطانها ، وخرج فلاسفة أوربا وكتابها من صلب تلك الطبقة صاحبة السيادة ، فكان من الطبيعى أن يعبروا عن ميولها وأطماعها وأحلامها . . .
احتاج التوسع الصناعى الأوربى إلى حشد الجزء الأكبر من شعوب أوربا فى المناجم والموانئ . وبين جدران المصانع
والمعامل ، واحتاج كذلك إلى مستعمرات تمده بالمواد الخام ، وتشترى إنتاجه بأقدح الأثمان ، وشعرت الطبقة المتوسطة التى تهيمن عليه أن ببقاءها ، وازديار ثروتها ونفوذها يتوقفان على بقاء الشعوب المشتغلة والمستعرة خاضعة لها ، راضية بحالها ، غافلة عن حقوقها ، صابرة على ما تعانية وراء جدران المصانع والمعامل والمناجم وغيرها من مبادئ الأعمال ؛ فهب الشعراء والكتاب ينظمون الشعر ، ويديجون البحوث الفلسفية والأدبية ليعاونوا طبقتهم على بلوغ غاياتها ، وذلك يحث الشعوب على مواصلة الكد والجهد فى صبر وجلد وإنكار لذاتهم وإهمال لحقهم حتى تدوم الأوضاع التى تحفظ لتلك الطبقة غناها وجاهها وسيادتها ، وتفسح لها فى مجال الازدهار .
كان لا بد من تبرير الحروب التى شنتها تلك الطبقة فى سبيل الاستعمار ، فنشط الشعراء والكتاب ، واسودت بيض الصحف والمجلات والكتب بآياتهم المنظومة والثورة التى تحيى جيوشهم الظافرة . وتجسد بطولتها فى ميادين الشرف ، وتشيد بالعز الذى حققته لوطنها . وضاعت الحقيقة المرة فى تيار بلاغة البلغاء ، فلم تغفل شعوب أوربا المانية الغبينة عن خسة تلك الحروب الاستعمارية فحسب ، ولكنها اتخذت فى الدعاية لها ، فحسبت انتصاراتها مفاخر وطنية . وهكذا حققت تلك الحروب العدوانية هدفين : أولهما فتح المستعمرات واستغلالها ، وثانهما شغل الشعوب الكادحة المرهفة عن شفائها ، بإشباع نفوسها الكليمة الشقية بالزهو الباطل والفخر الزائف . .
وكان لا بد كذلك من غرس نوعين من الصفات المتناقضة فى الشعوب : أولهما الجد والصبر على الشدائد والجلد على العمل ، وثانيهما الزهد فيما تحققه من إنتاج ومن أرباح . ولذلك راح شعراء أوربا وكتابها يؤلفون القصص والملاحم والقصائد التى تشيد بتلك الفضائل لتصل إلى الغرض المرموق ، واستطاعت أن تشغل البطون الحاوية ردحاً من الزمن بغذاء الأوهام والأحلام .
أما المهمة الكبرى التى اضطلع بها أدباء أوربا ومفكروها ووقفوا فيها إلى تحقيق أهداف طبقتهم ، فهى تقوية النزعة الفردية والأثرة بين الأفراد حتى لا تفطن الشعوب إلى قوتها الجارفة وهى متحدة متكتلة فتتحد وتتكتل . وقد بينا فى فصل سابق كنه الأدب الرومانسى ، أو أدب البرج العاجى ، وقلنا إنه عمل القارئ على الانصراف
عن الواقع ، والانشقاق عن المجموع ، والانطواء على ذاته ، فتظل الشعوب بذلك مفككة ضعيفة خاضعة لسيطرة المسيطرين عليها . . وبينا فى فصل سابق أيضاً أن الفلسفة الميتافيزيقية سارت على درب الأدب فى هذا المضمار ، إذ حاولت أن تنكر الواقع المادى تارة ، وان تحقر من شأنه تارة أخرى ، فتصرف الناس عن الاهتمام به ، وتترك ميدانه نهباً للمستهزئين المستغلين .وتشغل الأذهان بالأوهام التى ليس وراءها طائل . وقد قام من وراء شعراء أوربا وكتابها نقاد حاولوا أن يصونوا الأدب الرومانسى والفلسفة المتافيزيقية من مهاجمة الكتاب الأحرار الذين كشف سترهما وتقويض أركانهما ، فراحوا ينادون بالآراء المضللة التى ذكرنا طرفاً منها فى صدر هذا المقال ؛ ولا يقال إن الأدب المعبر عن طبقة ما لا ينتشر إلا بين أفراد تلك الطبقة ، لأن الأدب البليغ بتجاوز نطاق القراء إلى سواد الناس بتداول الآراء والعقائد التى يبشر بها ؛ فإن كان رجعى الأهداف كان له أثره فى إعاقة التقدم وعرقلته ، وإن عبر عن العقائد الجديدة المتطورة أعانها على الظهور والحلول محل العقائد البالية الناكصة على أعقابها ، وقد استطاع أدب أوربا المنتشر اليوم بيننا أن يعين المستعمرين على بلوغ أهدافهم بإعاقة الشعوب عن اليقظة وسلوك طريق التقدم ، ولذلك وجب على نقارنا أن يقفوا فى سبيل انتشاره حتى لا نزداد غسلة فوق غفلة ، ورضا باستغلال المستعمرين فوق رضا .
ولسنا ننكر روعة القصائد الحارة والفصول الضافية التى تغنى فيها شعراء أوربا وكتابها بالحرية ، وأفاضوا فى تمجيدها وتقديسها ، ولكن لا يجمل بنا ان ننسى أن الحرية التى أشاروا بها لم تكن إلا حرية طبقتهم الناهضة التى استطاعت أن يخطر قيودها ، ونقلت من براثن السادة الأشراف . وقد مسخوا معنى الحرية حين قصروها على لون واحد دون سائر ألوانها . فإنك لا تكاد تسمعهم اليوم يتحدثون إلا عن الحرية الفردية ، وحرية التجارة والملاحة . ولن يحتاج التأمل إلى كبير عناء ليدرك أن ذلك اللون من الحرية يمكن القوى من الضعيف ، ويبرر الاستغلال والاستعمار ، إن الحرية التى يتحدثون عنها هى حرية الأقوياء فى ممارسة سلطانهم الغاشم ، فى حين أن الحرية الحقة هى التى تنشدها الشعوب من طريق القضاء على سلطان الأفراد الأقوياء المستبدين بها . . . وليس القصد من مهاجمتنا للأدب الرومانسى الغربى ،
أو الفلسفة الرومانية الغربية أننا نطالب بمحوهما ، أو حتى إقفال أمرهما ، فإنهما كانا حلقة من حلقات التطور بعد الثورة الفرنسية ، وقد ساعدا حينذاك على دفع الركب الحضارى إلا الأمام . ولكنهما اليوم يعرفان سبيل التقدم . ولا بد للأدباء والفلاسفة العصريين من دراستهما لاستفادة الخبرة والمعرفة ، فما من خطوة فى ميدان الفكر إلا وهى لاحقة للخطوة السابقة عليها ، ومستعدة منها ولو كانت نقيضها ، ولكن دراسة الماضى لا تكون إلا على سبيل الإفادة منه لا التقيد به ، والانكماش فى حدوده ، ومسايرة تياره الرجعى . ويسهل علينا أن نحدد الأدب الذى تحتاج إليه مصر فى الوقت الحاضر بعد بيان الأخطار التى تنطوى عليها النزعة الأدبية الرومانسية المستوردة من الخارج . إن مصر فى حاجة إلى الأديب الذى يتأثر بنهضتها ويعينها على سرعة التقدم . وهذا لا يكون إلا بتجريد القلم وحمله على مناهضة الفردية والأثرة والجرى وراء المتع الرخيصة ، ثم باستنهاض سواد الناس ، وتبصيرهم بحقوقهم . وإشعارهم بقوة اتحادهم وتكتلهم ، وبأن تحقيق المصلحة العامة أجدى على الفرد نفسه من تحقيق مصلحته الشخصية ؛ ولسنا نطالب الكتاب أن ينخرطوا فى سلك الوعاظ والمرشدين والمعلمين ، فيلقوا على الناس دروساً ومواعظ ، ولكننا نقول إن الأديب الموهوب الذى لا يفونه شئ من الأحداث التى تدور حوله يستطيع أن يجد من بينها ما ينطوى على معان تؤيد ما أشرنا إليه . وهو إذا سجلها فى قصيدة أو قصة أو مقالة تسجيلاً فنياً صادقاً أتحف بلده بلون جديد من الأدب الحى هى فى أشد الحاجة إليه . . إن الأديب الشاعر أو الكاتب لا ينقلب إلى واعظ أو مصلح ، كما يقول نقاد الغرب ، إلا إذا خلت كتابته من خصائص الفن أسلوباً ومعنى وروحاً ؛ فلا يعد أدباً ، بل لا يعد شيئاً ، ذلك النوع الشائع عندنا من الكتابة المنظومة أو الثورة التى يضمنها كاتبها المعانى الدارجة المتداولة بين الناس فى الطرفات ، ويحسب أن جودة أسلوبها وحسن سبكها كفيلان بزجها فى عداد روائع الأدب .
إن الأديب هو الذى يستطيع أن يدرك الجديد الذى سيطرد القديم ليحل محله . وحين يعبر عنه ، ويعينه على الظهور والغلبة ، حسب الناس أن ذلك الأديب سابق لعصره .
