الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الثقافة"

الأدب العربى المعاصر، وخلوه من تراجم المعاصرين

Share

تصدر إلينا مطابع القاهرة وبيروت في كل أسبوع بعدد من الكتب تعالج مختلف أنواع الثقافة وقضايا الأدب وشؤون الفكر لأدباء عرفوا - في الدنيا العربية - بعمق تفكيرهم ونضج أدبهم ، وما امتازوا به من عوامل الابتكار والإبداع والذوق ، وما في أساليبهم من متع أدبية وإشراق روحي وأدب رفيع .

وهذا تيار أدبي له تأثيره في رفع مستوي العقل العربي وإنارة الأذهان ، وخلق رأي عام مدرك مثقف يتلفف ما فى  هذا النتاج من آراء جديدة ، ووثبات جريئة ، ومادة وسمة تهديه إلي آفاق واسعة من الحياة ، وترشده إلي النور وتزيد في ثقافته .

ولكننا نشاهد مع عظم هذا الإنتاج الأدبي وغزارته ، والثروة الفكرية التى يقدمها إلينا أدباء مصر ولبنان ، وما يتكبدون في سبيل ذلك من جهد ذهبي ومراجعة مستمرة وتتبع طويل ، أنهم مقصرون تفسيرا مهما في معالجة ناحية هامة من نواحي الأدب والثقافة ؛ وهذه الناحية تورخ أدب العصر ومختلف التيارات التي تجاذبته ، وأعني بها كتب ( تراجم المعاصرين) من أصحاب النبوغ والإلهام والأدب والفكر ، الذين كان لهم أثر بارز في تكوين الأدب العربي والنهضة الثقافية ، وما يتردد الأن في جوانب الدنيا العربية من علم وافر وأدب وابتكار .

هذه الناحية قد أهملها أدباء العرب المعاصرون ، مع علمهم بأهميتها ومعرفتهم بأثرها في دنيا الفكر وإعلاء شأن الأدب ورجاله ، في حين أنهم يعالجون في كتبهم مختلف الدراسات الأدبية من شعر ونثر وقصص ؛ كما أن

بعضهم يقوم بإحياء تراث المتقدمين من رجال الفكر والأدب والسياسة ، وجلاء تلك العصور الغابرة مما تخللته من ثقافات وتيارات أدبية أما تراجم الأدباء المعاصرين فلا تخطىء منهم بكبير عناء واهتمام ، مع أن مثل هذه الدراسات لهؤلاء المعاصرين معنى بها من قبل الأدباء والمفكرين في الغرب ، وتحتل مكانا مهما لديهم ,

ففي أوربا وأمريكا لا يموت أحد الشعراء أو الأدباء وكل من له أثر ملحوظ في الثقافة العامة ، إلا وتقوم المطابع بعد فترة قصيرة لا تتجاوز أشهرا بإخراج عشرات الكتب التحليلية لشخصية هذا الشاعر أو الأديب ، ودراسته من كافة نواحيه ، مؤرخة بهذه الواسطة أدب العصر وتياراته المختلفة وألوان الثقافة العامة . ونري الكتاب المعاصرين يختص كل منهم بدراسة ناحية ناحية هامة من نواحي هذا الشاعر أو الأديب ، والعناصر التي اجتمعت في إنتاجه فكونت منه شخصية أدبية مرموقة لها خصائصها التى امتازت بها في عصرها ، فيتركون للأجيال المقبلة ثروة أدبية ممتعة ، تكون من أحسن المراجع وأصدقها لهؤلاء الأدباء والأدب المعاصر .

لذلك نشاهد أن القسم الكبير من أدبائنا البارزين عندما يبحثون في الأدب الغربي والأدباء اللامعين فيه ، يبرزون لنا صورا واضحة المعالم ، دقيقة التحديد ، مشرقة العبارات ، وذلك لأن المصادر لديهم متوفرة وغزيرة . أما إذا اضطروا إلي دراسة أديب عربى  في معاصر وتحليل شخصه وأدبه وأثره ، فنراهم يتعثرون في أبحاثهم ويسيرون بحذر شديد وخوف ظاهر ، وذلك لقلة المصادر لديهم وندرتها ، أو استحالة وجودها .

وهذا نقص بارز في أدبنا العربي المعاصر ، كنا نود مخلصين لو أن أدباء الأمم العربية اهتموا بتلاقيه في هذه الآونة ؛ خاصة وأن أدبنا العربي المعاصر في بدء سيره إلي

النضج والكمال وأن أدباءه الذين ذهبوا وكانوا قد ساهموا في بنائه وتكوينه ووضعوا اللبنات في أساسه لا يزال أكثر الذين عاصروهم من أدبائنا البارزين أحياء يرزقون ، وهم قادرون على ترجمتهم وتحليلهم ، وبيان الخصائص الأدبية التي امتازوا بها في أثارهم التي تركوها ، والثرات الفكري الذي خلفوه .

إن دراسة هؤلاء الذاهبين من الأدباء المعاصرين من قبل إخوائهم الأدباء الباقين من المعاصرين ليكون ثروة أدبية في الأدب العربي العاصر ، تكون من أحسن المراجع وأصدقها لهذه الفترة من حياتنا الأدبية وأدائها المبدعين . ستتلقاها الأجيال المقبلة بقبطة وشوق ؟ وذلك لانها كتبت بأقلام أدباء عاصروا وسايروا هذا الأديب ، وعرفوا عنه كل خصائصه ومميزاته ونواحي إبداعه ، فيكون ما يكتبونه ويتترجمونه مصدرا من أهم مصادر التاريخ للأدب العربي المعاصر.

وبالعكس إذا بقي أدبنا ناقصا من مثل هذه الدراسات الهامة ، ولم يولها أعلام الأدب عنايتهم واهتمامهم ، سيكون من الصعب على الأدب العربي الذي سيأتي في الجيل المقبل القيام بمثل هذه الدراسات ، وذلك لكونه يعيش في عصر غير عصر المترجم له ؟ فاذا أقدم على مثل هذه الدراسات والتراجم فيحدث في كتاباته من الزيادة والنقصان والتشويه والكذب ما نشاهده في أغلب الدراسات الأدبية لبعض أعلام الشعر والأدب الذين عاشوا في العصر الذي سبق عصرنا .

فمن واجب كبار أدباء العرب المعاصرين في مصر ولبنان وسوريا والعراق القيام بهذا الواجب الأدبى الذي أهملوه ، مع أنه أولى بعنايتهم من كل موضوع آخر ، لأنه علاوة على كونه ميدانا لإبراز عبقريتهم وإبداعهم ، ينتج ثروة أدبية لها أثرها في الأدب العربي ؛ وأبسط دليل علي ما نقوله ما يتمتع به الكاتب الذائع الصيت " إميل لودفيك "

من مركز أدبي رفيع في العالم .

لقد مات المنفلوطي ومصطفي صادق الرافعي ، وكانا - رحمهما الله - أصحاب مدرسة أدبية ذات لون خاص في الأدب العربي ، وإن تأثيرهما في الأدب المعاصر وفي بعض الادباء المعاصرين لاينكره أحد ، علاوة على كونهما أدبيين بارزين في مصر والبلاد العربية ، ويستحقان عناية الدرس والتحليل ، فما هي الكتب التي صدرت تترجم هذين الأديين ، أللهم إلا كتاب ( سعيد العريان )  عن الرافعي ؟! وهذا لا ييكفي لدراسة أديب دوي اسمه في مصر والبلاد العربية فترة من الزمن !!

ومات حافظ  إبراهيم وأحمد شوقي ، وكانا علمين بارزين في الشعر ، أجمعت كافة البلاد العربية على إكبارهما ، واعترف الأدباء بعبقريتها الشعرية ، وما امتاز كل منهما بخصائص جعلته طائر الشهرة وذائع الصيت ، ليس في البلاد العربية فقط بل في أكثر أقطار العالم ، وكان لها تأثير كبير في الأدب العربي المعاصر ؛ فمثل هذين الشاعرين كان يجب أن يعني بدراستهما عشرات الكتاب المعاصرين ويؤرخوا عصرهما ، ويجلوا هذه العبقرية التي ألهمت كلا من الشاعرين هذا الشعر الذي هز العواطف العربية ، وشاركها في خيالاتها وأمانيها وطموحها .

ثم مات عبد القادر حمزة والبشري ، وكان لهما من البيت والدوي والمركز الأدبى والثقافة الشخصية ماجمل لهما مكانة مرموقة في جميع البلاد العربية ، علاوة على مركزهما الممتاز في مصر ، وإن تأثيرهما في الثقافة العامة لاينكره أحد ؟ فمن الجحود أن يمرموتهما بدون أن يتحرك هذا الرعيل المعاصر من زملائهما الآدباء والصحفيين بتخليدهما بتراجم توضح مدى أثرهما في خدمة الأدب والمعرفة !

ومات الريحاني وفيلكس فارس والآنسة مي ، وكانوا

من الأدباء البارزين في العربية ، ولهم جولات صادقة في خدمة الأدب والثقافة ، وكان تأثيرهم في الأدب المعاصر ملحوظا ، علاوة على آثارهم التي تركوها وكان لها ولا يزال مركزها الأدبى المتاز لدي قراء الأدب العربي وأدبائه ؟ هذا مع العلم أن " الريحاني " انتشر صيته الأدبى في الدنيا الجديدة أيضا ، فعرفوا فيه الاديب الناضج والمؤرخ الصادق . مات هؤلاء بدون أن يثير موتهم أي اهتمام من جانب الذين عاصروهم  وعرفوا فيهم عمق ثقافتهم وأثرهم في الادب العربي المعاصر .

ومات الشهبندر وكان علما من أعلام المعرفة علاوة على كونه زعيما وطنيا ، وله في دنيا الفكر جولات صادقات ، تشهد بها مجلة الهلال والمقتطف وصحف الدنيا العربية ، كما يتمتع بصيت بلغ أوربا والدنيا الجديدة ، وله في الأدب المعاصر أراء وأثار . فهل من الإنسان أن يمر موته وتمضى السنون بدون أن يقوم أحد من هؤلاء الأدباء الذين تعج بهم الدنيا العربية فيؤرخ لنا الشهيندر ؟!

ويموت الزهاوي في العراق فلا يهز موت هذا الشاعر العظيم الذي أفتى شبابه وكهولته في خدمة الشعر العربي أحدا من معاصريه ، الذين يقدرون فيه شاعريته التى أفاضت بروائها على كافة البلاد العربية نغما رائقا جدد الحياة في العراق ، ورددته صحارى بلاد العرب وسهول سورية وجبال لبنان ، وأطرب وادي النيل!  لايهز موت هذا الشاعر فيوحى لعار فيه يما يحتمه الواجب الأدبى من دراسته وتحليله تخليدا له وخدمة للأدب العربي المعاصر .

هؤلاء الأدباء والشعراء وغيرهم بالعشرات في البلاد العربية ، ماتوا وكانوا في حياتهم رواه هذا الأدب الذي جاهدوا مخلصين في سبيل تجديده ، بدون أن يحرك موتهم هذا إخواتهم المعاصرين من الأدباء ، فيقومون بإخراج كتب بترجمتهم توضح مراحل الأدب العربي وتطوره من وراه

دراستهم وتحليلهم ، في حين أن مثل هؤلاء  الأدباء وأقل منهم شهرة ، لو كانوا في بلاد غير البلاد العربية لكانت تلك البلاد قد ألفت عنهم مئات الكتب التي تروي حياتهم وإنتاجهم وأثرهم في عصرهم .

هذا النقص في أدبنا العربي يشعر به الأن المتفقون وحتي أنصاف المثقفين في جميع البلاد العربية ، متمنين أن يقوم أعلام الأدب في ديارهم بواجب الالتفات إلى هذه الناحية المهملة في أدبنا المعاصر ، فيتركوا لنا وللأجيال المقبلة ثروة أدبية تكون عونا لنا بالتعرف إلى أدبائنا وأثارهم ، وتخليدا لهؤلاء الذين كانوا في أيامهم يملاون دنيا الأدب والثقافة بثمار قرائحهم ، وتموجات أفكارهم ، ومذاهبهم في الحياة

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية