الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 168الرجوع إلى "الثقافة"

الأدب العربي في المهجر الأمريكي :، مصر فى أمريكا

Share

إن دراستي ادب المهاجرين سارت بي إلى البحث عن العوامل ذات الأثر الفعال لما يظهر في ادب المهاجرين العرب في أمريكا من ألوان التجديد والتمايز ، إن تفكيرا وإن أسلوبا ، بين الأدب الحديث المعاصر ، فوجدت ان للبيئات أثرا كبيرا في ذلك

وتراءي لي أثناء البحث أن لمصر وللبيئة المصرية أترا في الحركة الأدبية في العالم الجديد ، وأن لها عملا في بعض أدبائه العرب ، ويظهر أن هذا الأثر وهذا العمل أشد وأقوي مما يتصور عند الوهلة الأولى .

كيف كان ذلك ، وكيف حدث ؟ ! لا أقول زعموا - كما يقال - إنما استقراء الحوادث ، وتتبع الحركة الأدبية العربية في أمريكا ، وقراءة آثار أدباء المهاجرين ، يدلنا على هذا الأثر ويهدينا إليه . وأراني مدفوعا إلى ان اعرض بدأة ذي بدء ، إلى المسالك والمسارب التي منها نفذ هذا الأثر ، أثر مصر في ادب امريكا العربي ، ثم بعد ذلك أتخطى فأشير إلي بعض مظاهره

المعروف أن الا كثرية الساحقة من مهاجري العرب في العالم الجديد هم من السوريين واللبنانيين ؛ وقد كان هؤلاء ، يرحلون عن اوطانهم وفي العين دموع وفي الأحشاء كلوم ، غير أنه كان لا بد لهم من الرحيل ؛ لكن أني الرحيل واين المفر ؟ ! من البديهي ان يكون اتجاههم نحو بلاد يتوفر لهم فيها العيش ، وتكون في نفس الوقت أكثر قبولا لحرية التفكير والقول ؛ وهم ما تركوا أوطانهم إلا سعيا للعيش وهربا مما يلقون من تقييد الحريات ، وخصوصا في الطور الأخير للهجرة

عندما بدأت تظهر في سوريا النزعات الاستقلالية المطالبة بحقوق العرب . وإذا رجعنا إلى تاريخ الهجرة السورية يجد الباحث ان كثيرين من ادباء المهاجرين هؤلاء كانت تدفعهم عوامل شتى ، منها الجغرافي والقومى والسياسي والاقتصادي ، إلى ان يتخذوا من وادي النيل مرحلة أولى من طريق هجرتهم ، وكان وادي النيل الملجأ الأمين بل الوحيد لاحرار العرب ، رحب الدار بهم واسع الضيافة لهم .

من هذه الفئة التي عرجت على وادي النيل نجد الذي يعيش متنقلا بين مصر وأمريكا ، كما نجد الذي يستقر في أمريكا نهائيا . على سبيل التمثيل أذكر من الذين تنقلوا بين مصر وامريكا فرح انطون وخليل سركيس صاحب " مجلة سركيس " ، ومن الذين استقروا في الديار الأمريكية الصحافي شكري الخوري صاحب جريدة " أبو الهول " وغير هذا وذينك كثيرون .

ولم يقتصر الأمر على الرحلة القصيرة الموقوتة التي كانت احد المسالك التي نفذ منها اثر مصر إلى ادب أمريكا . بيد أن هناك ما هو أهم وأخطر ، ذلك أن بعض ادباء المهجر جاء إلى مصر وهو في ريق العمر ، وفيها نشأ وترعرع ، فكانت البيئة المصرية والروح المصرية هي العنصر الأول والأهم الذي صاغ طباعهم وكون نفوسهم ، ومن البيئة المصرية هذه تقبلوا غذاء عقولهم وشعورهم . وحسي ان اذكر على سبيل المثل اثنين من هذا الطراز ، هما الشاعر الكبير إيليا أبو ماض في نيويورك ، والصحافي شكري الخوري في الأرجنتين .

أما إيليا أبو ماضي فقد جاء إلى مصر وهو في عمر يكاد يكون أقرب إلى الطفولة ، إذ وفد إليها وهو في الحادية عشرة من سنه ، فعاش فيها إحدي عشرة سنة ،

ثم رحل إلي امريكا ؛ ومعنى هذا أنه جاء إلي مصر لا يعرف خيرا ولا شرا ، فقضي فيها مرحلة التكوين والتثقف ، فرحل عنها رجلا يحمل في رجولته ما يمكن أن يكون في الرجولة من خير ومن شر .

ومثل هذا قل عن الصحافي شكري الخوري ، فانه جاء إلي مصر وهو في العاشرة من عمره ، ورحل عنها وهو في الرابعة والعشرين ؛ فهو والحالة هذه ترعرع في مصر ، وفيها عرف مذاق الحياة بكل ما في الحياة من حلو ومر

وآية كل هذا أن العناصر التي كونت ، من هذين واضرابهما ، النفس والعقل ، وصافت منهم الشعور والاحساس هي عناصر مصرية حقة ومصر كانت عند ضرورهم فيها تتحرك عن حيوية عنيفة ، تتمثل في تيارات مختلفة من الحياة السياسية والفكرية ، كما يدلنا تاريخها منذ الربع الاول من القرن التاسع عشر ، فكان لا بد أن تتأثر نفوسهم بما يضطرب حولهم من هيارات ويثور من حركات .

لكن هل يمكن أن نتلمس في أدب أمريكا العربي تلمسا مباشرا ، هذا الأثر الذي يدور حوله الحديث ؟ هذا ما أريد عمله بعد ان قدمت المسلك الذي قد يكون سلكة

إني أري أن أول المظاهر التي يتضح منها أثر مصر في الحركة الأدبية في العالم الجديد هو دخول الصحافة الفكاهية العربية إلى امريكا ، وقد دخلتها عن طريق مصر ، حملها منها إليها خليل سركيس أحد هؤلاء الوافدين على وادي النيل ، بعد أن أقفلت الحكومة جريدته في بيروت ، وفي مصر انشأ جريدة " المشير " ، وكانت مسرحا لأفلام الأحرار العثمانيين ، ولكن الحكومة التركية عملت على ان قبض عليه وسجن . ولما أفرج عنه

رحل من مصر إلي امريكا ، وهناك انشأ مجلة " الراوي " وكانت مجلة نقدية فكاهية على نمط المجلات المصرية الفكاهية في ذلك الزمن .

ولا أظن أحدا يرتاب في أن هذا اللون في الصحافة العربية هو وليد مصر ووليد الروح المصرية ، وهو لا يزال إلي اليوم أكثر شيوعا في مصر منه في أي قطر عربي آخر .

والنقد في اسلوب الدعاية والفكاهة ظهر عند اديب مهاجر اخر من الذين نشأوا في مصر ، وقد مر ذكره ، هو شكري الخوري الصحافي . فانه وضع كتابا باللغة العامية اسماه( التحفة العامية ) فالقارئ لهذا الكتاب لا يأخذ بالقراءة حتى يلقي نفسه مغرقا في الضحك حتى يخرج الضحك من عينيه ، ولا يخال نفسه إلا جالسا في أحد المقاهى المصرية في مجمع من ظرفاء الشعب ، فأنا لا اشك لحظة في ان أخذ المؤلف بهذا اللون ليس سوى أثر من تأثير نشأته صغيرا في مصر ، وخصوصا إذا عرفنا أنه نشأ بين العامة من الشعب .

وإيليا أبو ماضي الشاعر الكبير ، قد رأيناه ينشأ في مصر ، فعند هذا الشاعر نجد نغمة غير ما نجد عند شعراء المهجر ، بل هو فيها على طرفي نقيض مع الآخرين ، هي نغمة التفاؤل والدعوة إلى المرح ، بينما رأينا في مقال سابق ان النغمة الغالية على ادب المهجر هي من اللون القاتم .

فهذه النغمة عند إيليا ابي ماضي هي في رأيي أثر من اثار نشأته بين احضان الطبيعة المصرية ، فهذه الطبيعة الشمسة النيرة الخيرة الدافئة ، حيث النهار جميل بنوره ، والليل جميل بصفاء سمائه ولمع نجومه ، حيث كل شئ يدعو إلي الطرب ، إن مثل هذه الطبيعة تترك في النفس نغم الدعوة إلى المرح والتفاؤل حتى عند اشتداد الخطوب .

وإني اشعر في شعر إيليا أبي ماضي أن مناحى التفكير عنده فيها كثير من الشبه والقربي بينه وبين أحد كبار شعراء مصر الحاضرين في هذا الجيل . ولو امعن القارئ قليلا فى قراءة أبي ماضي أظنه يري رأيى .

لا أريد أن أنهي هذا المقال دون الإشارة إلي مسرب اخر كان يوصل بين مصر وامريكا ، عنيت به المجلات الآدبية المصرية ، وخصوصا مجلتى المقتطف والهلال ، لما لهما من الانتشار بين المهاجرين ؛ فهذه المجلات كانت من ناحية تنشر بعض ادب المهجر في مصر ، وتوصل إلى المهاجرين ارقي المحصول الادبي المصري وبهذا أوجدت شيئا من الترابط بين التيارات الأدبية هنا وهناك ، فوجد من ثم شئ من الاستجابة الأدبية المتبادلة بين

الديارين على بعد الشقة ، وخصوصا في المرحلة التى تلت الحرب العالمية الماضية ، فكل حادث في وادي النيل إن في الحياة السياسية وإن في الحياة الفكرية كان له صدى عند المهاجرين العرب . ونتيجة لهذه الاستجابة ، ومن بعض مظاهرها ، اننا نجد بعض ادباء المهجر يعارضون بعض شعراء مصر ، كما فعل المرحوم فوزي المعلوف بمعارضته قصيدة المرحوم شوقي في توت عنخ آمون ،

ويجد ايضا ذكر مصر وذكر بعض ما يجري من الأحداث السياسية يتردد في شعر بعض الشعراء . ومن بين الأحداث الأدبية التي كان لها صدي بعيد عند أدباء المهجر حركة النقد العنيفة التي اوجدها في مصر الدكتور طه حسين والعقاد والمازني ، وقد صدموا بها من صدموا من الشعراء ، حتى جرأوا على إمارة الشعر نفسها ؛ فان ادباء المهجر طربوا لهذه الحركة وهللوا لها . ومن يرجع إلي الآثار الأدبية النقدية التي صدرت عن ادباء المهجر ، مثل كتاب " الغربال " لميخائيل نعيمة وغيره ، يلمح الاستجابة القومية بين الديارين ، والرابطة القوية بين التيارين .

مما تقدم يظهر جليا ان لمصر وللبيئة المصرية بعض الأثر والعمل في أدب المهجر الأمريكي . أما مدى هذا الآثر وعمقه فلا أتعرض له . وما أردت من هذا المقال إلا التنبيه إلي وجوده والإشارة السريعة إلى الخطوط العامة من الموضوع ، على أمل أن أعود إليه في فرصة أخري إن شاء الله ، فإنه السميع المجيب .

اشترك في نشرتنا البريدية