الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50 الرجوع إلى "الثقافة"

الأدب الفج !

Share

كان من مزايا صديقنا شاعر النيل حافظ بك إبراهيم ، عليه رحمة الله ، مطاوعة البديهة ، وحضور النكتة ، يتصرف فيها ويفنن لكل مقام ، ما تتعاصى عليه ولا تتعثر على لسانه أبدا .

وكان ، إلى هنا ، يحفظ أظرف النوادر وأطرفها وأدعاها للعجب ، وأبعثها للضحك .

وقد سمعت منه ، رحمه الله ، النادرة الآتية ، قال : قبل أن يوصل ما بين منيل الروضة والقاهرة بالجسور (الكباري) ، كان الناس يتخذون الفلك (المعدية) فى طلبهم المير من المير .

وجاء رجل من المدينة ليعبر إلى الروضة من ساحل (فم الخليج) ، وكان الليل قد تقدم ، فوجد الملاحين يغطان فى نوم تقيل ، من (تحشيش) الليل و وكد النهار ، فما زال بهما حتى بعثهما ، ونهض أحدهما إلى موضع المحاذيف ، وتولى الثانى الدفة ، وانشأ صاحب المجاذيف يضرب بمجذافيه جنب الماء . على أنه ما كاد يفعل مرتين أو ثلاثا حتى تهر وانقطع نفسه ، وانخذلت قواه ، وأحس شدة جفاف الحلق من أثر الحشيش ، فتناول الكوز ، ولم يكن يعلم أن زميله كان قد أذاب فيه ملحا ليعالج به أذنه ، واعترف به من النهر غرفة ، وأصاب من الماء ، فإذا هو ملح أجاج ، فصاح من فوره بزميله صاحب الدفة :

- يا ريس عويس ! ... ... - هوء !

- إيدك  ! ... ... دخلنا المالح ! ... ...

ولقد أذكرنى هذه الحكاية ، بعد نسيانها السنين الطوال ، شأن أبنائنا من رادة الأدب فى هذه الأيام ، وحرصهم على الظفر بالشهرة ، بل بالبطولة والمجد والخلود ، بعد علاج منظوم أو منثور فى بضعة أشهر ، أو فى بضعة أسابيع ، وأخشى أن أقول فى بضعة أيام فى بعض الأحيان !

وقبل أن أخوض فى لجة الموضوع ، أرى من الخير أن أنقل إلى قراء (الثقافة ) صدرا من حديث لمتحدث ، أذاعه بالراديو فى غاية الأسبوع الماضى ، كان بعضه يطوف بهذا الموضوع ، قال :

" لا ريب أن ما نسمع الآن من المقطوعات الغنائية إنما هو من النوع الواطئ الردىء ، الذى لا قيمة له ولا وزن ، ألفاظ سوقية مبتذلة ، وتراكيب سقيمة مفككة ومعان منحطة ، وأخيلة ظاهرة التزييف والترقيع ، فإذا عدت هذه الأناظيم من الأدب ، وعلى أى وجه من الوجوه ، فهى من الأدب الفسل الوضيع . أو على التعبير العامى الشائع من الأدب (الفلصو) الذى لا محل له بين كرائم الآداب .

" وإننى أشك فى أن أكثر هؤلاء الناظمين قد أصابوا حظا من اللغة ، أو جروا على عرق ، ولو ضئيل ، من آدابها . إننى أشك فى أن أيهم حفظ شيئا من شعر البحترى أو أبى نواس او أبى تمام . بل إننى لأشك فى أن أيهم شق ديوان المتنبى ، أو أرسل النظر يوما فى ديوان

ابن المعز أو فى ديوان مسلم بن الوليد . وما أحسب أحدا منهم طالع ، ولو بنظرة واحدة ، كتاب (البيان والتبيين) ، إذا كان قد سمع باسم الجاحظ ، ودرى بأن لهذا الجاحظ  كتابا يدعى (البيان والتبيين) !

" وماله ، لعمرى ، يقرأ ، وماله يكد النفس ويعنيها فى الحفظ والمراجعة ؛ وماله يستهلك الزمن فى تقليب النظر فى روائع الآداب ، وترشف ألوان البلاغات ، كما يترشف الماء الزلال ذو الغلة الصديان ؟ - ماله يعانى كل هذا أو بعض هذا ، ولقب الأديب ولقب الشاعر مكفول له من غير كد ولا مطاولة ولا مقارفة جهاد ؟ " الخ الخ .

وبعد ، فلقد يكون فى هذا الكلام شئ من القسوة ، ولكنه لا يعدو الرغبة فى الخير على كل حال . وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام : "إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " .

وكيفما كان الأمر ، فإن هذا الضرب من الأدب قد انحط ، فى الجملة ، بل لقد هوى إلى قرار سحيق . وإن ما تسمع من هذه المنظومات الغنائية ليشعرك حقا بأن كثرة هؤلاء الناظمين قد ارتجلوا حرفة الأدب ارتجالا ، وانتحلوها انتحالا ، ما عناهم فى سبيلها جهد ولا تحصيل . وإن من لا يبذل فى سعيه إلا الجهد الرخيص ، لحقيق بأن لا يظفر ، إن ظفر ، إلا بالحظ الرخيص . وليس أدل على هذا من أن الكثرة الكثيرة من هذه المنظومات الغنائية لا يكتب لها العيش إلى اليوم الثانى . ولا أدرى كيف لا يكون من هذا وحده عبرة لأولئك الناظمين ؟ (١) .

ولو قد تفقدنا السبب الحق فى تدلى المستوى ، فى بعض أسبابنا ، وأعنى مستوى الأدب ، على وجه خاص ، إلى الحد الذى يضر ويؤذى ، لأصبناه فى هذا الطائف الذى يطوف بنا فى هذه السنين ، وهو ضعف العزائم ، وقلة الصبر ، وتعجل الثمرات ، وابتغاء النتائج من غير تقديم ما يحتم المنطق وتقضى الطبيعة بتقديمه من المقدمات !

هؤلاء ناس يحبون المال ، ويشتهون الغنى ، ولكنهم لا يبتغون المال من وسائله ، ولا يطلبون الغنى من طريقه المقسوم ، من حسن القصد ، وموالاة السعى ، والتخفف مما لا حاجة إليه من النفقات ، وموالاة الجمع والتثمير . ولكنهم لا يجدون فى أنفسهم الكفاية من الوسائل المقدرة لإصابة الغاية ، لا من قوة الصبر والانتظار ، ولا من احتمال الجهد فى سبيل الجمع والادخار ، ولا شئ من هذا الذى يدرك به ، فى العادة ، الغنى واليسار . إذا فليقامر فلقد يكون إقبال الدنيا فى القمار . والقمار ، حرسك الله وعصم عليك مالك ، وإن قل ، سبيل ميسرة لكل إنسان . فمن ثقل عليه ان يستوى إلى إحدى موائده الخضراء ، لهوان شأنه وضيق يده ، فلا يثقل عليه أن يخاطر فى حلبة السباق . أليس الجواد (الفلانى) قد أغل الريال عليه مائتي جنيه ؟ . ومن ثقل عليه أن يؤدى نصاب الرهان على الخيل فليشارك فى النصاب ، وإلا ففى ورقة (اليانصيب) متسع للجميع ! وفيها المائة والمائتان والخمسمائة والألف والآلاف ، وهكذا يجئ الغنى عفوا بلا سعى ولا كد ولا عناء ؛ ثم إذا كف المسكين صفر ، سواء فى آخر الليل أو فى آخر النهار !

وإذا كان هناك فرق بين هذا الذى يطلب الغنى من غير سبيله ، وذلك الذى يشتهى أن يجنى ثمرات الأدب من

غير سبيله ، فإن الحظ محتمل لذلك ، ولو بنسبة ١/١٠٠٠٠٠ أما هذا فغير مقدور له حظ أبدا !

لا . لا ، يا بنى لا تظن أن المنزلة فى الأدب أو فى غير الأدب تواتى مثل هذا اليسر كله ؛ فالأدب يقتضيك ، مهما تكن قد رزقت الموهبة ، أن تسهر الليالى فى حفظ الروائع التى جاد بها من سبقوك من أئمة البيان ، وفى تقليب الذهن فى بلاغات من تقدموك من كفاة أصحاب البلاغات ، وشدة المطاولة فى محاكاتهم ، والتشبه بهم فى منازع بلاغاتهم ؛ فإذا تهيأ لك أن تستحدث طريقا أو تبتدع فى الفن جديدا ، فأنت الأديب الموهوب بفضل الله . أما أن تطلب الطفرة ، وتلتمس النتيجة من غير مقدمات ، فالطفرة ، لو علمت , محال . لن تكون أكثر من أديب مرتجل ، أو بالتعير العامى ، أديب ( شيطانى ) ما دمت تقنع من السعى بأن تنظم كلاما فارغا مليخا ، تلفقه تلفيقا لا براعة فيه ، من كلمات جمال الطبيعة ، والأشجار ، والأزهار ، والأطيار ، والعبير ، والغدير ، والهدير ، والقمر والنجوم ، والسحاب والغيوم ؛ فاذا وصلت ، بسلامة الله إلى ( لحن الخلود ) ، فقد أديت ( رسالة الأدب ) ، وحق أن يذهب لك صيت وذكر فى التاريخ . وما شاء الله كان ! .

لا ، لا يا بنى . لا يكفى أن تؤلف ، أو على الصحيح أن تلفق من هذه الكلمات ، أو منها ومن سواها ، كلاما بائخا مليخا ، لا طعم له فى مساغ النظام ، ثم تطلع به على متن حدث أو مغنية حدثة ، لتصك بترديده أسماع الناس صكا . لا يكفى هذا فى ابتغاء الرزق من الأدب والمنزلة فى الأدباء .

وسامحنى ، يا بني ، إذا قلت إنك وأمثالك من أصحاب هذا الأدب الفج ( العجر ) لتجنون على أنفسكم أولا . وتجنون ثانيا على الأدب فى هذه البلاد وغير هذه البلاد !

وأرجو ألا تصغى إلى أصحابك ولذاتك الذين ينضحونك بالثناء نضحا ، فيصفونك بالعبقرية ، ويضيفون منظومتك إلى الخلود . وكذلك برم أنفك . وكذلك يطمعونك

فى المنزلة بين السما كين ، وكذلك تقطع كل سبب بينك وبين مساعى الحياة ، إذ كفك صفر ، وإذ أنت لا تزال هائما فى القفر : فأنت إذا ( كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) ، وصدق رسول الله .

أما أن يصدق هؤلاء الناشئون أنهم قد رزقوا ( الموهبة ) جميعا ، فلا حاجة لأحد منهم بسعى ولا تحصيل ، ولا جهد كثير ولا قليل . فليعلموا أن الناس لا يمطرون المواهب بمثل هذه الفداحة الفادحة ، وإذا كانت أمثال هذه المواهب مما يباع ويشرى ، لما ابتغت لها معرضا أليق من ( سوق العصر ) .

هذه ، شهد الله ، نصيحة صادقة مخلصة ، يسديها إلى جمهرة الناشئين من الناظمين من لا يشعر لهم إلا بعطف الوالد على الولد

فإذا أصروا ، بعد هذا ، على أنهم بضربتين من المجداف ( قد دخلوا المالح ! ) ، فأمرهم وأمر الأدب إلى الله ،

اشترك في نشرتنا البريدية