منذ عودتى من أوربا بعد السنين الطويلة التي قضيتها بها وأنا أرسل للثقافة المقال تلو المقال فتنشر القليل وتمسك الكثير بحجة أن فيما أكتب غموضا وكثرة استطراد وإشارات إلى بعض الآداب الأجنبية ، لا يستطيع القارئ المصرى فهم مداها ، وقد خلا ذهنه مما نفترضه معلوما لديه من أسس الثروة العقلية التى يملكها مثقفو القوم في أوربا . والرأى عندها أنه من واجبنا أن نلحظ القارئ ونقدم إليه ما يتناسب وثقافته فى وضوح وجلاء ، وفى هذا إهدار لكل القيم ، فالماء الوشل لا يعرف إلا لونا واحدا تتفق عليه كل الأبصار ، ونحن نحرص على أن تترك له عمقه حتى تتهيأ له من تكاتف طبقاته تلك الألوان المتباينة وتباين ما يلقى عليه من ضوء أو تنعكس فيه من ألوان السماء ؛ وفى نفسى - إذ أقول ذلك - صور حسية لبحيرة Baurgit)) فى جبال السفوا بفرنسا ، فهنالك تتغير ألوان مياهها بتغير حالات الجو وساعات النهار ؛ فطورا تنحدر الأضواء عما يحيطها من جبال شامخة لتنتهى إلى صفحة الماء وكأنها مأخذ آلة مصورة تجتمع إليها الأشعة ، فإذا بشدة البريق تلهينا عن لون مياهها ، فكأن البريق لون ؛ وطورا يخف الضوء بما انتشر فوقه من ظلال ، وإذا بالماء في زرقة قاتمة أو خفيفة كالعين المبصرة ؛ وكثيرا ما تعبس السماء فلا ترى إلا ما يشبه النحاس علاء الصدأ ، وفى ذلك من الجلال مثل ما تحسه كل نفس صادقة الحس إذا وفقت على أثر قديم قد كساه الزمن بذلك الطلاء القاتم الذى يخلع على كل ما يرتديه من نبل القدم ما يأخذ بكل نفس عريقة ؛ وعلى شاكلة تلك البحيرة أود أن لو كان كل مقال - أود أن نترك له عمقه حتى لا يجد فيه كل قارىء ما يجد الآخر ، والنفوس متبابينة وبحكم هذا التبابن نفسه
لن نستطيع أن نقدم لكل منها ما تبغى ؛ فسبيل التوفيق إلي ما نطمح إليه من تغذية النفوس بالحق والجمال لا يمكن أن يكون بغير ترك احتمالات لا حد لها ترقد تحت ألفاظنا تلتقط منها كل نفس ما تريد ، وحسبما كان لونها الدائم أو الموقوت ؛ ونحن بعد ذلك لا نكتب لنسكب ما فى نفوسنا في أنفس الغير وإنما لنعين كل نفس على الوعى بمكنونها ، إذ النفوس حبلى بكل حق وجمال ؛ والمقال الجيد هو ما يأخذ بتلك النفوس إلى حيث يستقر منها ذلك الحق وذلك الجمال . أقول ذلك وأنا أبعد ما أكون عن كل تفكير مجرد ، فليس لنا أن نزج بسقراط أو غير سقراط إلى ميادين الحواس التى لا يجوز للأدب أن يعدوها ؛ والواقع أن فى نفسى الآن صورة حسية أخرى واضحة حتى لأكاد أراها - صورة الرخام . إذ يخيل إلى أن الطبيعة البشرية كقطعة من الرخام حلتها الطبيعة بأجمل (( التجازيع )) ولكنها مختفية كما هو الأمر في الرخام . ولكى تظهر تلك التجازيع لا بد لها من محك يذهب بالطبقة السطحية التي تخفيها ، وهذا المحك فى الطبيعة البشرية هو الحياة . فنحن إذ نكتب لا نفعل ذلك إلا لأن الحياة قد كشفت لنا بجسيم أحداثها عما في طبيعتنا من (( تجازيع )) نطلع الغير عليها ، لا لأننا نزهى بها عليهم ، بل لنعينهم على اكتشاف ما اكتشفنا لعلهم واجدون فى أنفسهم ما وجدنا ، وتلك أنبل غايات الحياة ، ذلك أنه وإن تكن تجاربنا الخاصة لن تغنى الغير عن التجربة الذاتية ؛ إلا أنه ما من شك فى أن كل حياتنا الروحية خاضعة لقانون عام هو قانون (( ادخلو الطاقة )) فالرواية التمثيلية تراها فتشفى النفس مما بها من غريزة مكبوحة أو أمل مكتوم ، وكأننا أحيينا تلك الغريزة أو حققنا ذلك الأمل ، وبذلك تحل المشاهدة وما يصحبها
من مساهمة خيالية محل المزاولة الفعلية ، وبهذا تجنب أنفسنا التجربة المباشرة ، فنحن ندخر بذلك ما فى جهدنا من طاقة ؛ والأمر فى الرواية كغيره فى كل أثر أدبى أو فنى .
وإذا فنحن نكتب لنساعد الغير على اكتشاف نفسه ، ونحن نريحه بتجاربنا المرة من المزاولة الفعلية . وخلاصة تجاربنا فى أ كثر الأحيان ليست من الوضوح بحيث يظن ، إلا أن تكون تجارب مدعاة ؛ فالحياة لسوء حظنا أعمق من أن تسلم إلينا أسرارها ، والخلق الأدبى ليس خلقا عقليا بل خلق حواس ، فليس لرجال العقل أن يزجوا بأنفسهم فيه بأى وسيلة ، وإلا فالزمن لهم بالمرصاد كفيل بإغراق دعاويهم الباطلة ؛ وكل من يحترم ما فى الخلق من نصب يعرف له قدره - وذلك أنا لن نستطيع أن نخلق شيئا يصح له الخلود إلا إذا أحسسنا بطبيعة ذلك الخلق .
ليس لرجل الفن أن ينتظر حتى تأخذ الصور الحسية عنده دلالاتها العقلية ، وإلا حكمنا عليه ببعد طبيعته عن إمكان ذلك الخلق ، وإنما هو يأخذها عند تبعها ؛ وهنا أيضا يلوح لى الأمر فى شكل حسى لا أكاد أدفعه ؛ فما تصورت أدبيا أو فنانا ممن يستحقون هذا الوصف إلا رأيته فى شكل هيكل عظمى وقد كست عظامه شباك من الأعصاب المرهفة ، تحمل إلى نفسه صورا حسية لا عداد لها ، وهو يتصبب عرقا في التربص لها ليقطع عليها الطريق قبل أن تصل إلى نفسه فتأخذ دلالتها العقلية ، وإذا تكون قد سقطت إلى ميدان ما يشترك فيه جميع الناس ؛ وكيف نستطيع أن ندعى الخلق بما هو شائع بين البشر - تقتنص أذن الفنان الصور المحسة وهى فى طريقها إلى عقله ، وكأنى به ينتزعها دامية من أعصابه ؛ فمن القسوة أن يمسها أحد وهى بضعة من جسم بشرى انتزعها صاحبها فى ألم لا يعرفه إلا من عاناه .
من هذه الصور الحسية العقل نصوغ ما نعرضه على القارئ وقد شاطرنا صفة الإنسانية واثقين أنه واحد فى نفسه ما يماثلها وما دفع ثمن ذلك ؛ ونحن بعد ذلك لانعرض عليه ما فى نفوسنا من حب أو ألم تطفلا منا وزجا له فيما لا يعنيه ليضيق بنا نفسا ، بل لا لإيماننا بأنه يحب ويألم كما نحب ونألم ؛ والواقع أنه ليس هناك أى خلق أدبى يستند إلى حادثة بذاتها ؛ فالكاتب الغزل لا يتغنى بإمرأة بعينها بالغا حبه لها ما بلغ ، وإنما أقصى ما يستطيع أن يفعل هو أن يحضرها إلى نفسه ليخلق جوا من هذيان النفس يستطيع بفضل ما يشيع فيه من حرارة أن ينفذ إلى صميم النفس البشرية إطلاقا ، وفى نفسى الآن صورة أخرى لتلك النفس أجازف بها لقوة ذلالتها ؛ فنفس الفنان وقد التهب الجو من حولها تلوح لى كالنفس البشرية إطلاقا ، وقد عرت عن كل ملابساتها وشدت إلى سقف حجرة ملتهبة تنضح ما فيها من دم وماء يتلفاه رجلنا لينظر إخوانه في الإنسانية ما احتوت ، فهو ليس بالأثر المتجنى على الغير ، بل هو أحق الناس بالمحبة والرحمة ، وقد فعل بنفسه ما فعل وأدى إلى الغير ماء حياته .
والفنان يرضى بعذاب نفسه لأنه يؤمن بأنه صائر إلى الفناء ، وهو منذ نشأته يحس بأن فى نفسه رسالة لا بد من أدائها ، وهمه الاول هو تحديد تلك الرسالة وقد شاعت فى نفسه غامضة مؤلمة ، فليس لإنسان أن يزيد نصبه نصبا وقد شد عزمه ليجمع ما انتثر من تلك الرسالة ، ولا أن يطالبه بتأديتها دفعة واحدة ، فلو أنه استطاع لما توانى ، وإنما لنا وعلينا -كواجب مقدس - أن نمهله متلقين ما يحمل لنا من فتات مقدرين له جهده حانين عليه ، عالمين أنه خير للإنسانية أن تؤدى نفس واحدة رسالتها ولو نقطة نقطة من أن يملا الناس آلاف الصفحات المستعارة الرقيعة .
هذا هو الأديب كما أراه وإن ندر وجوده . وأما من
يدعون الأدب بغير رسالة تضطرب بها نفوسهم فتلك أرواح خلقت خطأ كما خلق أ كثر الناس بغير سبب ولا مبرر ، إلا إتلاف الحياة على من يستحق الحياة ، وفى نفسى ذكرى أقصها على القارئ ولو أنه كان مكانى لما استطاع لها دفعا .
وذلك أنى رأيت بمسرح الأديون بباريس رواية لأبسن Ibsen هى رواية (( بير جنت )) ((Pyr Gynt (( موضوعها خيالى استقاه المؤلف من أساطير البلاد الشمالية ، ووضع لبعض أجزائها الموسيقى ((((Greeg ما زاد فى دلالتها من ألحان ، والذكرى التى علقت بنفسى منها هى ذكرى أحد أشخاصها الوهميين ، وقد سار على المسرح وبذراعه سلة وبيده الأخرى ((مجراف )) وقد أخذ يجرف من يلقاه من الناس الذين خلقوا خطأ يلقيهم بالسلة ليعود خلقهم من جديد رحمة بهم وبغيرهم ممن يشاركون فى صفة الانسانية .
كلما فكرت فى أمر الأدب أو الفن عندنا عاودتنى تلك الذكرى ، وبودى أن لو ساقت هذا الرجل قدماه إلى بلادنا ، فما أشك أنه واجد ما يملأ أضعاف سلته .
فالأدب عندنا تزجية فراغ أو احتيال على العيش ، وفى هذا امتهان لحياتنا لا حد له ، وهو إن سعى إلى غاية ما جاءت غايته حقيرة مزرية ؛ فمن قائل إنه مرآة لحياة الجماعة أو حياة الفرد ، ومن قائل إنه منبر وعظ وسبيل إرشاد ، ومن قائل إنه مصرى أو يحب أن يكون مصريا ، والكل يجمع على ضرورة تيسيره لكل الناس حتى نكسب من ورائه المال .
نعم أعلم أننا بوجه عام لم نزل في حالة فطرية حيث تقاس الأشياء بما تعود به من نفع مادي أو معنوى مباشر ، وأنه لا بد لنا من زمن حتى نصل إلى تقدير الحق والجمال في ذاتهما ، فعندئذ سنصل إلى تقديس النفس البشرية ، فلا نعتدى على رسالتها ، بل نترك لها سبيل الخلود ما سعت اليه محتكمين إلى الزمن يذهب بما هو جفاء .
ولكن أمالنا أن نحاول بسط أجنحتنا ؟ وشباب هذه الأمة النبيل يتحفز نشاطا ، فما له لا يأخذ عدته ، فيبحث
وينقب عما نشير إليه مجرد إشارة يغنى بتفاصيله نفسه المتعطشة إلي الحق والجمال ؟
فرجاؤنا إلى الشاب اليقظ النفس أن يرجع إلى ما يشير إليه الكاتب الذى يحبه ، فيستوعبه ليرى أثره العام فى نفسه ، وليذكر مثل هذا الشاب (( أن الثقافة الحقيقية هي ما يبقى فى النفس بعد أن ننسى كل ما حفظنا " ، وهذه الثقافة هى ما نحاول أن نمده بها ، وإن يكن ذلك غير مغنيه عن التحصيل بنفسه من كتب البسط ، فمهمتنا ليست فى ذلك ، بل هى فيما هو أسمى بكثير ، وهو تعليمه كيف يجد نفسه ؛ وأما من يحاول غير ذلك فهو إما غير مخلص فيما يكتب أو جاهل بطبيعة الإنسان .
وسترى أيها الشاب عند محاولتك تكوين نفسك أن الأدب عسر لا يسر ، وما ينبغى أن يكون غير ذلك ؛ على أنك مجازى بغير ريب عن جهدك ، فسترى أمامك عوالم لم تحلم بها من قبل . وسيأتى يوم يخيل إليك فيه بمجرد نظرة أنك تشق الحجب فترى فى النفوس ما تكنه من جمال أو قبح ، كما سنرى خلف الأشياء ما فيها من حق أو باطل ؛ وأى كسب يعدل كسبا كهذا ؟ وأى معنى للحياة بغير الفطنة إلى أسرارها وغاياتها ؟ .

