- ٥ -
مع الأدباء والصحفيين من أهل النثر: قبل أن أمضي في الحديث عن (الأدباء الصحفيين) لابد لي من البر بوعد قطعته على نفسي في الفصل الماضي، وهو أن أسرد آثار الأستاذين الأخيرين، ممن تحدثت عنهم في (الأدباء العلميين) فأقول: إن للأستاذ عبد الله الريماويى - عدا كتبه المدرسية - كتباً أخرى عديدة بين علمية وأدبية، أذكر منها: (العقل في طريق التكوين) ، وقد ترجمه عن كتاب إنجليزي للأستاذ (جيمس هارفي روبنسن) أسماه Mind in the Makiqg وهو شرح مستوفي للحلقات التي تكون تاريخ الفكر البشري. ثم كتابه: (من طاليس إلى ناغاساكي) ويبسط فيه بشكل مختصر الأبحاث العلمية في حقلي الكيمياء والفيزياء، التي انتهت أخيراً باكتشاف القنبلة الذرية. ثم كتابه (الحضارة العلمية) ، وفيه يحدد العلم في منابعه وأسلوبه، ويعين مكان العلم وحضارته بين مظاهر الفكر البشري. فيبحث علاقته بالفلسفة والدين والفن والاجتماع، وينتهي - بعد ذلك - ببحث رسالة العلم للإنسانية.
ومن كتبه الأدبية: كتابه (مجمع العباقرة) ، وفيه يعالج كثيراً من المشاكل الاجتماعية، ثم كتابه (قصة الأيام) وهو قصة يبسط في ثناياها الوضع الراهن في البلاد، وينتقد أساليب التوجيه والغاية التي تهدف إليها.
وأما الأستاذ علي شعث، فله كتابان أخرجهما للناس، أولهما (من طرائف العلماء)وفيه يتخير عدداً من أساطين العلم، الذين ساهموا في بناء صرحه الشامخ، منذ فجر الإنسانية البعيد، حتى ينتهي إلى علماء النهضة الحديثة في أوربة، ويعرج في خلال ذلك على بعض أعلام العرب النابهين في هذا الميدان. وأما كتابة
الثاني فهو: (من البنسلين إلى القنبلة الذرية) ، وفيه شرح بأسلوب فريد أخاذ للمراحل التي اجتازها العلم في تذليل العقبات الكأداء، وإزالة العراقيل المؤذية من طريق الإنسانية. كما يورد فيه كثيراً من التنبؤات المبهجة، التي ينتظر أن يحققها العلم عن طريق الذرة، إذا استمر في سيره قدماً، ولم يحل بينه وبين ذلك عارض مفاجئ. والأستاذ شعث - فيما عدا ذلك - كثير من الأبحاث القيمة التي كثيراً ما حاضر أو أذاع بها في الأندية الثقافية في البلاد، ومن دار الإذاعة الفلسطينية. . .
الأدباء والصحفيون:
وحين أتحدث عن (الأدباء الصحفيين) ، لا بد لي من أن أعود بالقارئ إلى عام ١٩١١، لأقفه حيال شابين أخوين في مدينة يافا، قد نهلا من الثقافة ما كشف لهما طريق الجهاد في سبيل وطنهما المغلوب على أمره، فإذا هما يستهدفان خدمته عن طريق الصحافة، وينشئان من أجل ذلك جريدتهما (فلسطين) ويكون أحدهما وهو الأستاذ عيسى العيسى (رئيس التحرير) ، والآخر وهو الأستاذ يوسف العيسى(المدير المسؤول)، وتمضي جريدتهما في طريق محفوف بأشواك العنت التركي، وإرهاق الحكم والاستبداد.
فقد أوقفت الحكومة التركية الجريدة بتهمة (التحريض العنصري) ، وذلك حين نبهت للخطر الصهيوني في تلك الأيام. ولكن المحكمة برأت ساحتها حين أثبتت أن مقاومة الحركة الصهيونية ليس معناه مقاومة اليهود.
وقد توقفت هذه الصحيفة (النصف أسبوعية)حين قامت الحرب الأولى، فتفرق الأخوان، إذ نزح أحدهما - وهو الأستاذ يوسف العيسى - إلى دمشق، وهناك اتصل بجلالة المغفور له (الملك فيصل) فيما بعد، وأخلص له الخدمة، ثم أسس جريدة يومية، تناصر الملكية وتعمل من أجلها، وهذه الجريدة هي (ألف باء) الغراء، التي ما تزال تصدر في دمشق إلى اليوم، وهي من أكثر الصحف انتشاراً هناك. وأما جريدة (فلسطين) فقد استأنفت صدورها في يافا بعد الحرب الأولى، واستمرت نصف أسبوعية حتى عام ١٩٢٩، فصدرت يومية، وما تزال
كذلك. وهي اليوم من أمهات الصحف عندنا، وصاحبها الأستاذ عيسى العيسى-الذي هو شيخ الصحفيين بلا منازع - يعتبر من الأدباء المعدودين في المكان الرفيع.
وأما الأستاذ يوسف العيسى، فأنه عرف في سوريا كما عرف في فلسطين، وقد التمع في البلدين معا. وكان - وما يزال - منذ أن أصدر جريدته يتولى كتابة افتتاحيتها بنفسه، ثم يكتب بالإضافة إلى ذلك فصلا انتقادياً، يعالج فيه كثيراً من المشاكل الاجتماعية، ويجعله تحت عنوان (مباءة نحل) .
وقد اجتمع لدى الأستاذ من هذه الفصول مجلدات قيمة، في أبحاث مختلفة. منها ما هو في السياسة، ومنها ما هو في النقد، ومنها ما هو في الأدب. وقد حدثني الأستاذ في صيف هذا العام (في دمشق)،أن لديه إلى جانب ذلك كله مذكرات يحرص عليها أشد الحرص، ويعنى بترتيبها أيما عناية، وقد أسمعني بعضها وكان مما نشر في جريدته إبان عهدها الأول.
ويعجبك من (هذا الأستاذ) نشاطه الدائم ودأبه المتواصل وهم برغم هذا الانصراف الشديد - الذي ينصرفه للصحافة - ما تكاد تجلس إليه حتى تلمس فيه روح الأديب الفذ، إذ ما يتناول القول عن شيء، حتى يستشهد بحكمة أو مثل أو أبيات من الشعر وإليك شاهد من ذلك من كلمته الافتتاحية في العدد (٧٢٥٧) وعنوانها:(هذا عتابك إلا أنه مقة) ويقول فيها:
(إن أحسن مثل يضرب للصحف في هذه الأيام، هو ما قالته العرب: (مثقل استعان بذقنه) ،وهو الجمل يثقل حمله فيعجز عن القيام به. وهذه حالة الصحف يثقل حملها في جميع أبواب نفقاتها، فتمد عنقها إلى الحكومة، فتكون (كالمستجير من الرمضاء بالنار) .
إن التحكم والاستبداد بمقدرات الصحافة، أن تطلب جلب الورق فلا يسمح لها بذلك، وأن تنضب مستودعات الحكومات فلا تجد ما تقدمه للصحف من ورق. أليس هذا ما يسمونه ب (نقص القادرين على التمام) ؟. . . ))
وقد نبهني الأستاذ خليل مردم بك إلى أديب صحفي آخر، عاش في دمشق شطراً من عمره ومات فيها. وهذا الأديب هو الأستاذ (أحمد شاكر الكرمي) نسبة إلى (طولكرم) وهي بلدة في فلسطين، عرف أهلها بثباتهم الذي يبلغ حد العناد، وعروبتهم الأبية الصادقة، وإيمانهم الذي لا يتزعزع. وقد نشأ
هذا الأديب في عائلة توارثت(العلم والأدب والقضاء والإفتاء) كابراً عن كابر، فأبوه قاضي القضاة الشاعر الناثر الشيخ (سعيد الكرمي) ، وأخوه الشاعر الأستاذ (محمود الكرمي) ، وأخوه أيضاً الشاعر اللامع الأستاذ(عبد الكريم الكرمي) المعروف ب (أبي سلمى) . وسأتحدث عنهم جميعاً حين أتحدث عن شعراء فلسطين
وقد اكمل الأستاذ(أحمد شاكر الكرمي)، ثقافته في الأزهر والجامعة المصرية. وهناك بدأ حياته الأدبية بالكتابة في جريدة (الكوكب) . ثم سافر إلى الحجاز، وعمل هناك محرراً في جريدة (القبلة) ، ثم رجع منها إلى دمشق، وحرر هنالك في جريدة الفيحاء.ثم أصدر بعد حين جريدة (الميزان) أدبية سياسية. واستمر في إصدارها حتى عام ١٩٢٧. وإذ ذاك اهتصرته يد المنية وهو لا يزال في ريعان شبابه.
وله كتب مطبوعة ومخطوطة. منها كتابه (الكرميات) وهو مجموعة خواطر وآراء كلها قيم، ثم قصص مترجمة عن الإنجليزية، منها (خالد) ، وفيها تفصيل عن الصحراء، وسرد لما يقع في جنباتها. ثم (الوردة الحمراء) وهو صورة من الأدب الخالد، ومؤلفها الكاتب الذائع الصيت (أوسكار وايلد) . ثم كتب في النقد، ومعظمها نشرت مادته في الصحف التي عاصرته، وكانت بتوقيع (قدامه) ،وهو الإسم الذي كان يحتجب وراءه.
وقد كان حجة في اللغة العربية، يراعى في أسلوبه التحرر من قيود الرجعية والجمود. وحسبك أن يعترف له بفضل السبق علماء أجلاء، كالمازني والعقاد، وقد صدر ذلك عنهما في حفل أقيم في مصر، وشهده أخوه (أبو سلمى) الذي نقل إلي طرفاً من حديثهما عنه حينذاك وثنائهما عليه وكالأستاذين خليل مردم بك، والشيخ المغربي في دمشق، وقد حدثاني عنه حديثاً يستشف منه إعجابهما به وتقديرهما له.
وهنالك أدباء صحفيون كانوا هم الطليعة الأولى في هذا الميدان. منهم الأستاذ رشدي شعث صاحب مجلة (المنهل)، ثم الأستاذ جميل البحري صاحب مجلة(الزهور)، ثم الأستاذ حنا العيسى صاحب مجلة (الأصمعي)،ثم الأستاذ خليل بيدس صاحب مجلة (النفائس) . وسوف أتحدث عنه مفصلا حين أتحدث عن (الأدباء القصصيين) إذ هو أحدهم. ثم الأستاذ نجيب نصار صاحب(الكرمل الجديد) ، ثم الأستاذ بولس شحادة صاحب
(مرآة الشرق) ، ثم الأستاذ الشيخ علي الريحاوي وهو مؤسس أول مجلة في فلسطين وهي مجلة (بيت المقدس). وحين أوقف لأسباب سياسية أسس جريدة (النجاح) .ولكنه شغل عنها بعد ذلك بالسياسة. فسافر إلى الآستانة مبعوثاً عن قضاء القدس وهنالك تعرف إلى كثيرين وعرفوا أدبه القيم. وهو شاعر فحل وسأورد نماذج من شعره حين أتحدث عن الشعراء.
ثم الأستاذ الشيخ سليمان الفاروقي. وهو مؤسس جريدة (الجامعة الإسلامية) التي صدرت عام ١٩٣٣، واستمرت حتى عام ١٩٣٧ ثم توقفت بعد ذلك بسبب إرهاق الحكومة لها. والأستاذ الفاروقي أديب مطبوع، درس في الأزهر ثم في جامعة الحقوق في الآستانة، ثم اشتغل بالمحاماة أمداً من عمره، وله شعر ونثر يجعلانه في نظر المعجبين بأدبه (معري فلسطين)،وهو خطيب مصقع إذا تحدث(مرتجلا) ظننته يغترف من بحر، وإذا (أملى) حسبته يستلهم من وراء الغيب. واليك أبياتا من شعره، تلمس فيها الكثير من سخطه، وتتحسس بين ثناياها يأسه المرير وهي قوله:
ولما رأيت الناس ضلت حلومهم فلا أحد يهدِي ولا أحد يهدَى
وشمت وجوه الناس قد غاض ماؤها فلا وجنة تحمر أو جبهة تندى
يئست من الإنسان! إني وجدته يصيب الهدى سهواً ويغشى الأذى عمداً
وأما نثره فإنه يحلق فيه إلى الذروة، وإليك بعض ما يقوله في كلمة عنوانها (الضحايا) يفتتح بها عدد العيد الممتاز الصادر في صباح (١٥) آذار (مارس) عام ١٩٣٥ وقد جاء فيها:
(إذا خلا وجه الدهر لأمة، فبسطت على العالم أجنحتها، وسلكت الشعوب بدينها ومدنيتها، وحشرتها فيها كأن لم تكن من قبل ذكرت، وإذا ملأت أمة الماء عوائم، والهواء حوائم، والأرض ذوابل وصوارم، والتاريخ جسائم وعظائم، حقت بالعيد وجدرت، وقمنت بالفخر إذا افتخرت. . . ليس العيد أن تلبس كفنك، وتعبد وثنك، وتجر في باطلك - سادراً - رسنك. وليس العيد ثوباً تستغشيه، وعملا تؤديه، أو مثالا تحتذيه. وإنما العيد حظ الروح، وسمو القلب، وإنما العيد فجوة ما بين جزأي التاريخ، من كد وجهاد، وراحة وستجمام)
وهنالك (أيضاً) من الأدباء الصحفيين الأستاذ منيف الحسيني صاحب جريدة(الجامعة العربية)،ثم الأستاذ عبد الله القلقيلي صاحب (الصراط المستقيم) ،ثم الأستاذ عيسى بندك صاحب جريدة (صوت الشعب) .
وهنالك جرائد محتجبة كثيرة كان يساهم في تحريرها أدباء بارزون أذكر منها: (الكفاح) و (اللواء) و (الشباب) و (المطرقة) .
وقبل أن أختتم الحديث في هذا الفصل لابد لي من أن أشير إلى أديب فلسطيني اتخذ القاهرة له داراً، وأسس فيها جريدته: (الشورى)ثم جريدته (الشباب)،وقد توقفتا كلتاهما، بعد أن كافح فيهما ونافح وجاهد جهاد الأبطال، وذلك الأستاذ هو الأديب المجاهد (محمد علي طاهر) ردّ الله غربته.
(له تكملة)

