الأمم التي تفقد حاسة الفكاهة وإدراك الجوانب المضحكة في الناس والأشياء تفقد جانبا هاما من حياتها الروحية ، وصفاء التفكير ، ودقة وزن الأمور ، والقدرة على التمييز ، وربما كان من أوضح مميزات النظم السياسية الفاسدة غير الطبيعية مثل النظم الفاشية السخيفة وما إليها من النظم التي تحاول خنق الروح البشرية وتكبيل العقول ، ضيقها بالفكاهات المستملحة والنكات اللاذعة ، وذلك لخلو هذه النظم من السماحة والعطف ، وقيامها على الإرهاب والإزعاج والتضليل ، وحجرها على حرية الفكر ، وحملها الناس على ان لا يروا من الأشياء سوى جانب واحد ، وهو الجانب الذي تريدهم الدولة على أن يبصروه وحده ويقتصروا عليه .
وقد ذهب الكاتب الإنجليزي المعروف مورجان فى
مقدمة روايته التمثيلية " الجدول المتفجر " إلى رأي غريب يناقض ذلك ، فهو يقول : " إن حاسة الفكاهة الغالية على الآدب المعاصر تتجنب العواطف المهتاجة وروعة الخيال وجلال الروح كما تتجنب السوسة الشمس ، ولقد أبعدت المأساة من مسارحنا والبلاغة من مناظراتنا والبهاء من سنوات السلم والمجد من حروبنا ، وأضعفت شعلة الحياة والفن والحب والواجب واليقين ، حتى أصبح روميو نفسه يتحدث إلي جوليبت كأنه ندل أبكم يقدم لها التلج ، إنها تهكم النبوغ بالعبقرية في أية صورة من صورها " .
والظاهر أنه يقصد بحاسة الفكاهة هنا روح التنقص والزراية والاستعالة والتحقير ، ولكن إذا اعتقدنا ان حاسة الفكاهة قائمة على الاستخفاف والاستصغار والتهوين فهل يبرر هذا الحملة عليها والإسراف في النيل منها ؟ إن روح الفكاهة قد تشتد وتشتط وتنحرف وتموج حتى تصبح بغيضة منفرة ، لا عمل لها غير التهجم والتطاول والزراية
والاحتقار ، ولكن الدنيا كما يبدو لي قد أفادت من وجود كتاب ساخرين فكهين يستطيعون بسحر البلاغة وعلو البيان ان يستخفوا بمن هو جدير بالرواية والاستخفاف ، ويضحكونا من أشياء كثيرة لولا براعتهم في السخرية كان بعجزنا التعبير عن مدى ضيقنا بها ومقدار تبرمنا منها ، وقد يسخرون إلى جانب ذلك بأناس أو أشياء لا نراها تستحق السخرية أو الانتقاص ، ولكننا نعجب مع ذلك بفهم في هذه السخربة ، وقدرتهم على عرض الامور في القالب المضحك .
ولو جرد الادب العربي من أهاجي ابن الرومى ونقائض جرير والفرزدق وسخافات ابن سكرة الهاشمى وغرائب ابن الحجاج لفقد أشياء لها قيمتها في الحياة والفن وفهم الناس ومعرفة الطبائع .
وليست السخرية في كل الأوقات تطاول النبوغ او البراعة على العبقرية والملكات العقلية السامية ، ولقد كان ابن الرومى شاعرا عبقريا لا شك في عبقربته ، وكان البحترى كذلك في طليعة شعراء العربية ، ولا اختلاف في سبقه وتقدمه ، ومع ذلك قد تناوله ابن الرومى بهجائه ، واتهمه في أصالة شعره فقال :
قُبْحاً لأشياءَ يأتي البحتريُّ بها
من شعره الغَثِّ بعد الكدّ والتَعَبِ
كأنها حين يُصْغي السامعون لها
ممن يُمَيِّزُ بين النَّبع والغَرَبِ
رُقَى العقاربِ أو هذْرُ البُناةِ إذا
أضحوا على شَعَفِ الجدران في صخبِ
وقد يجيءُ بِخَلْطٍ فالنُّحاس لَه
وللأوائلِ صافيه من الذهبِ
سَمِينُ ما نحلوه من هُنا وهنا
والغَثُّ منهُ صَرِيحٌ غير مجتَلَبِ
يُسيءُ عَفًّا فإن أكْدَتْ وسائلُهُ
أجادَ لِصّاً شديدَ البأس والكَلَبِ
إنَّ الوليدَ لمغوارٌ إذا نَكَلتْ
نفسُ الجبان بعيدُ الهمِّ والسُرَبِ
عبدٌ يُغير على الموتى فيسلبُهُمْ
حُرَّ الكلامِ بجيشٍ غير ذي لَجبِ
ما إن تزالُ تراهُ لابساً حُللاً
أسلابَ قومٍ مضوا في سالف الحِقَبِ
يعيب شعري وما زالت بصيرته
عمياء عن كل نور ساطع اللهب
ومع ذلك لم يقلل ذلك عدد المعجبين بالبحترى والقادرين لعبقربته ، وإنما أضحكا ورقه عن نفوسنا ، وبخاصة حينما علمنا من ابن الرومى نفسه أن الباعث على هذه الحملة الشعواء والضربة النكراء هو ان البحترى المسكين وقع في هذا الشئ القبيح المحظور ، وهو انه في بعض مجالسه الخاصة ايدى عدم ارتياحه لمذهب ابن الرومى في قصائده ! ولو انه أثني على شعره في مجالسه للقى منه تقديرا آخر ، ولقال فيه - على الأقل - مثل ما قاله المتني لابن العميد :
قطف الرجال القول وقت نباته
وقطفت أنت القول لما نورا
فهو المتبع بالسامع إن مضي
وهو الضاعف حسنه إن كررا
وقد صبغ العقل البشري بحيث بعجب بالعبقرية ويكبرها ويجلها ، ولكنه مع ذلك لا يرى كبير باس في ان يضحك على حسابها ، ويستمتع بالسخرية بها ، وليست هذه الرغبة لونا من ألوان الخبث والدغل وسوء النية ، وإنما هي رغبة إنسانية عامة شائعة، والإعجاب الخالص لا يخلو من ضرب من ضروب الغباء. والبلاهة . وكثيرا ما يطيب لنا أن نسمع الأقاصيص الحقيقية أو المصطنعة التى تعرض أصحابنا وأصدقاءنا المتوفرين العرمتين في صورة فكاهية ووضع مضحك ، وكاننا نثأر لأنفسنا بذلك من جديتهم المناسبة وصراعتهم الباسرة ، وإفراطهم في التوقر والرزانة .
وفي كتاب الصبح المتنبى أن أبا الطبيب المتني لما استقر بدار السلام بعد مغاضبته لكافور وانصرافه من مصر ترفع عن مدح الوزير المهلبي ، فشق ذلك على الوزير واغرى به شعراء العراق حتى نالوا منه وتياروا في هجانه ، ومن أمثلة ذلك قولهم فيه :
أي فضل لشاعر بطلب الفض
ل من الناس بكرة وعشيا
عاش حينا يبيع بالكوفة الماء
وحينا يبيع ماء المحيا
وكان يعيش حينذاك في البصرة شاعري خبيث الهجاء طويل اللسان كثير الإقناع ، وهو الحسن بن المكك ، وكان حاسدا للمتنبي ، طاعنا عليه ، هاجيا له ، فشمت به وراقته حملة شعراء بغداد عليه ، فنظم في هجاء المتني مقطوعات عديدة ختم إحداها بقوله :
لكن بغداد جاد الغيث ساكنها
نعالهم في قفا السقاء تزدحم
وأبو تمام على فضله ، وبعد تأثيره في الشعراء الذين جاءوا بعده لم يسلم من الهجو الموجع ، وقد أوسمعه مخلد ابن بكار الموصلي - من ناشئة شعراء عصره - هجا وطمنا في نسبه ، وزراية بادبه ، ولم يعف عن هجائه بعد موته . ولو أقيم في عالم الأدب رقيب يمحو ما يريد وبثبت ما يشاء ، لما قبلنا ان نمحي الاهاجي التي قيلت في الشعراء الكبار الذين نحبهم ونؤثرهم ونعجب بعبقرباتهم وبراعاتهم، فهذه الأهاجي على ما يكون بها من ظلم وإقذاع ومبالغة في تشويه الصورة وإفساد التأثير ، تقربهم من نفوسنا ، وتلطف من حماستنا في الدفاع عنهم ، وتميل بنا إلى الاعتدال في الحكم عليهم ، ولعل استيفاء أسباب إعجابنا بالشعراء الممتازين يقتضي أن نلم بما وجه إليهم من نقد ، وما قيل فيهم من هجاء ، وما صب عليهم من سخرية وزراية .
على ان روح التنقص والزراية والاستصار والاحتقار قد تكون محتملة مقبولة ، وقد تكون مستثقلة مذمومة ؛ فهي مقبولة حبما تشوبها الفكاهة الطلية ، والملاحظة البارعة ، والألتفاتة الذكية ، فلا تجرح الشعور ، ولاتسيء إلي الذوق المهذب الصقول ، وهي في هذه الحالة ترباق للعبادة العمياء ، والإجاب المطلق ؛ والإعجاب بالعظماء والنوابغ لا يقتضي الإعجاب بعيوبهم والدفاع السخيف عن حماقاتهم ،
والإفراط في المدح مستنكر مملول ، مثل الإفراط في الذم والبالغة في الهجر والزراية ، وافتتان الناس بأحد الأشخاص إلى حد الهوس والعبادة ، مما ينفر وبضايق ، والحماسة الزائدة عن الحد تبتعث الضحك وتغرى بالسخرية فحاسة الفكاهة لا تطفي شرارة الحياة ولا تقضي على الفن والحب والواجب واليقين ، وغاية ما يمكن أن يؤخذ على الفكاهة التى تنحدر إلى الزراية والاحتقار انها قد تدل على ضمة الروح ، وكلبية المزاج ، وسوء التحيزة ؛ والرجل الذي لا يحسن غير التنقص والاحتقار لاشك في أنه رجل صغير الروح ، حقير النفس ، ولا غناء ، ولا خير فيه ، كما ان الرجل الذي يسرف في الإعجاب ، ويبالغ في التقدير قد يفضي به ذلك إلى العبودية الذليلة المفسدة المدمرة ، وإسباغ الصفات الإلهية على الآدميين الفانين .
وكثيرا ما يؤخذ علينا محن المصريين فرط تعلقنا بالفكاهة حتى في مواطن الجد ومواقف الحزن . ولكن الحقيقة ان روح الفكاهة الكامنة في المزاج المصري كانت لنا في ظروف كثيرة مجدا نتقي به طغيان الظالمين ، وعجرفة المتفطرسين المتصلقين ، ومتنفسا نتخفف به من الارزاء والخطوب التى جرها علينا موقع بلادنا الجغرافي ، واعتدال مناخها ، وطيب هوائها ، وعذوبة مائها ، وخصوبة تربينها ، واستهدافا لغزوات الفاتحين ، ومطامع ابطال التاريخ ،
والإمبراطوربات الناشئة المتلهفة على بسط نفوذها وتوسيع رقعتها . ولقد رمانا المتفي - سامحه الله - بأننا أمة ضحكت من جهلها الأمم ، وكل ذلك لأن الداهية كافور الذي كان يلي امورنا في عصره ابي ان ينخدع له ويستجيب المطامعه الجنونية ، وقد كان في ذلك القول ظالما لنا ، متجنيا علينا . والواقع ان مصر هي التي طالما ضحكت من جهل الرومان والفرس والأشوربين والبابليين والأتراك والإنجليز ، وقد مكنها ذلك من الاحتفاظ بحيوبتها ونضارتها ، ورد عليها ثقتها بنفسها في أحلك العصور ، واخطر المواقف . وقليل من الزعماء في العصر الحديث من
تعلقت بهم امتهم تعلق الأمة المصرية بالزعيم الكبير سعد زغلول ، وكانت تهاجمه في عنفوان زعامته مجلة الكشكول بالصور الكاريكاتورية الساخرة ، وبالفصول العابئة التي كان يديجها بعض كتابها القديرين ، وكانت مع ذلك أوسع المجلات انتشارا وأبعدها صوتا ؛ وإعجابنا الشديد بسعد لم بمنعنا من الاجتماع إلى ما يوجه إليه من ملاحظات ساخرة
ونقدات لإذعة ؛ ولم تكن قدما ذلك العملاق من الخزف فتخشي عليهما من الكسر ، ولا يبته من زجاج فتخاف أن يتحطم وبنهار ؛ وإنما كان رجلا ضربا مصمثلا معقود البناء ، فلا ينال منه ، ولا يهز مكانته في نفوسنا اشتراكنا لحظات في الضحك منه والسخرية به .

