الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 917الرجوع إلى "الرسالة"

الأدب والفن فى أسبوع

Share

البعث العربى الجديد:

قضيت الأسبوع الماضى وبعض هذا الأسبوع، حبيس الدار  لرمد فى عينى، وما أريد أن أتحدث عن مرضى وما نالنى منه،  إن أريد إلا أن أطلق بخار الطاقة المحبوس فى نفسى، فقد كنت  طيلة هذه المدة كالجواد العربى الذى شد لجامه وهو يعلكه .. يريد أن ينطلق .. أريد أن أعدو وأروح وأذهب وأجئ وأقرأ  وأكتب ومالى عيش بغير هذا، ولن يطيب لى القعود .

وكان أكبر أسفى لتلك الحبسة أن منعتنى من المشاركة فى ذلك النشاط العربى الذى دب فى نواح من القاهرة، فى جمعية الوحدة  العربية، وفى الاتحاد العربى، وقد تلقيت دعوتين كريمتين، الأولى من (جمعية الوحدة العربية) لسماع المحاضرة التى ألقاها  فى نادى الجمعية يوم الخميس الماضى الأستاذ محمد توفيق دياب بك عن (التربية الوطنية فى العالم العربى) والثانية من (الاتحاد العربى)  لسماع محاضرة الأستاذ أحمد رمزى بك عن (العلاقات الاقتصادية بين البلاد العربية) .

كنت أود أن أذهب لأسمع، ثم آتى لألخص هنا ما سمعت،  وقد أعقب عليه وأضيف إليه ما يعن لى فى هذه المشاكل التى  تشغل منا القلوب والخواطر. ولكن، إن كنت قد تألمت من القعود عن ذلك، فقد سرنى بعض ما نشر عنه من ذلك الذى  كان يقرأ لى .. وذلك ما حدث فى جمعية الوحدة العربية عقب محاضرة الأستاذ توفيق دياب بك، إذ وقف الأستاذ أسعد داغر السكرتير العام للجمعية، فقال: تلقيت من بضعة أيام الرسالة التالية  من أحد الوطنيين العرب أقتطف منها ما يأتي: (كان لحديثكم  بشأن المشروع الجديد لانشاء جريدة كبرى تكون صوتاً للبعث  العربى، صدى عظيم فى نفسى، لأن هذا الصوت العربى الجديد لا يقبل أن ينام على الضيم، العربى الذى يشعر بألم الطعنة التى  أصابته فى عزته وكرامته يحاول الآن أن ينهض ليستعيد قوته  الكاملة ويسترد مجده المسلوب. تجدون طيه شيكا بمبلغ عشرة  آلاف جنيه، وسأقدم لكم خلال الأسابيع المقبلة مبلغاً آخر مثله أو أكثر إذا لزم، وقد أحببت أن اترك لغيرى من المخلصين  الفرصة لنيل شرف المساهمة فى هذا المشروع الجليل)

البعث العربى الجديد، وعشرة آلاف جنيه يبذلها عربى كريم لمشروع فى تعزيز هذا البعث .. أنه شىء عظيم وأرجو إنه  يكون أول الغيث

إننى لم أيأس ولن أيأس، من هذه الأمة العربية، بل أقول إن  شىء يدعو إلى التفاؤل، وكل ما منيت به إنما هو سحب لابد أن  تنقشع. لقد تركنا قبل مايو سنة ١٩٤٨ لا شىء، ثم صرنا بعد  ذلك شيئاً .. لم نكن قبل موجودين لأننا لم نكن نعمل، ثم تحقق  وجودنا لأننا عملنا وأخفقنا .. ولا بأس أن نخطئ ونخفق على  أن ننهض وننفض الغبار ونستعد، وإنما اليأس كله أن نتفكك  ونتوانى وننام

إن هذه الأمة العربية أمة واحدة، وهى جسم واحد لا ينبغى  أن يفرق بين أعضائه ما يند من إيذاء بعضها لبعض، فقد تعض الأسنان  اللسان. فلا تخلع الأسنان، وسينتهى ألم اللسان ! ولو أننا جعلنا مثل هذه الأمور سبباً إلى التفرق لما أبقينا على البلد الواحد  بل الأسرة الواحدة، فلو أخذنا بما يحاجنا به المبطلون فى الوحدة  العربية مما حدث فى الظروف الأخيرة التى لابست الحركة العربية

لما أبقينا على مصريتنا لما يلابسها فى  بعض النواحى من بغى وفساد. والبعث العربى الجديد يجب أن  يقوم على الاغضاء وتناسى ما كان، ونقد  الواقع الفاسد، والعمل للمستقبل . وهو من حيث التسامح والإيثار - كما  قال العربي الأول :

وإن الذى بيني وبين بني أبى ... وبين بنى عمى لمختلف جداً

فإن أكلوا لحمى وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدى بنيت لهم مجدا

وإن ضيعوا غينى حفظت غيوبهم ... وإن هم هو واغنى هويت لهم رشدا

وإن زجروا طيراً بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيراً تمر بهم سعدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهمو ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

لهم جل مالى إن تتابع لى غنى ... وإن قل مالى لن أكلفهم رفدا

بين الحقيقة والمجاز :

فى إحدى الجلسات الماضية بمؤتمر  مجمع فؤاد الأول للغة العربية ألقى  الأستاذ عباس محمود العقاد محاضرة  عنوانها (كلمات عربية بين الحقيقة  والمجاز) بدأها بقوله :

توجد فى اللغة العربية كلمات كثيرة  بقى لها معناها الحقيقى مع شيوع معناها  المجازى على الألسنة، حتى ليقع فى  اللبس فى أيهما السابق وأيهما اللاحق  فى الاستعمال، ثم قال إن من هذه  الكلمات كلمتى (الحقيقة) و (المجاز)

فالحقيقة فكرة مجردة ولكن مادة  الكلمة تستخدم للدلالة على ما يلمس باليد ويقع تحت النظر فيقال (انحقت) عقدة الحبل، أي أنشدت. والمجاز من جاز المكان أو جازيه غير معترض، ويقال هذا حائز عقلاً أى غير ممتنع ولا اعتراض عليه .

وعرض الأستاذ طائفة من  الكلمات وين معانيها الحقيقية والمجازية  واستعمالاتها فى المحسوسات وغير  المحسوسات ثم قال: ونستطر ومما  تقدم إلى المقارنة بين اللغة العربية  واللغات الأخرى فى استعمال المعنى  الحقيقي والمعنى المجازى فى وقت واحد  فيبدو لنا من هذه المقارنة أن الكلمات  التى تستعمل للغرضين كثيرة فى اللغة  العربية وليست بهذه الكثرة فى اللغات الأوربية، وقد يرجع هذا  الفارق إلى غير سبب واحد، فلعله  راجع إلى تطاول العهد بين بداوة الأمم  الأوربية وحضارتها، ولعله راجع إلى  انتقال لغاتها إلى حالتها الحاضرة من  لغات قديمة بطل استعمالها وانقطعت  فروعها عن أصولها، ولعله راجع إلى  خاصة عربية بدوية فى التعبير بالتشبيهات  المجازية أو الشعرية. وأيا كان السبب  فالخلاصة العلمية التي نتأدى إليها من  هذه الملاحظة أننا لا نحتاج كثيراً إلى  التسلسل التاريخى فى وضع معجماتنا  الحديثة، لأن هذا التسلل ضرورى فى  اللغات التي يكثر فيها إهمال الكلمات  فى معنى وصيرورتها فى معنى آخر ،

ولكنه لا يبلغ هذا المبلغ من الضرورة حين توجد الكلمة  مستعملة فى جميع معانيها على السواء أو على درجات متقاربة. ومن  النتائج العملية لتلك الملاحظة أن نذكر فى سياق التجديد  والمحافظة على القديم أن العرب كانوا مجددين على الدوام فى إطلاقهم  للكلمات القديمة على المعانى الجديدة، ونحن لا نعدو سياقنا هذا  حين نلتفت إلى الأصل فى كلمة القديم والأصل فى كلمة الجديد، فنتخذ منهما شاهداً على ما ذهبنا إليه. فالتقدم هو السير بالقدم، ويقال تقدم أى مشى بقدمه، كما يقال ترجل أى مشى برجله، وتقدمه أى مشى أمامه، ومن هنا التقدم بمعنى السبق والقديم  بمعنى الزمن السابق. ولا ندرى على اليقين كيف أطلقت كلمة  الجديد على معناها هذا فى أقدم أطوارها، ولكننا ندرى أن الجد  هو القطع وأن الثوب الجديد هو الذى قطع حديثاً، فلعل هذا  المعنى من أقدم معانى الجديد، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق.  وظاهر من جملة هذه الملاحظات أن أهل العربية جددوا كثيراً فى مجازاتهم، وأننا نستطيع أن نحذو حذوهم ونحن نقول  (نحذو حذوهم) ولا نظن أننا نبعد فى اتخاذ الكلمات لمعانيها  المستحدثة مسافة أبعد من المسافة بين الأصل فى حذو الجلد وبين  المجاز فى دلالته على الاقتداء والاهتداء، ولا أبعد من الأصل فى  كلمة (المسافة) حين أطلقت على الموضع الذى يسوف فيه الدليل  تراب الأرض ليعرف موقعه من السير، ثم استعيرت لما نعنيه  اليوم بالمسافة وهى كل بعد بين موضعين. وشرط اللغة علينا أن  نصنع كما صنع أهلها، فنجدد فى المعانى من طريق المجاز، بحيث  لا يكاد السامع يفرق بينها للوهلة الأولى: أهى أصل فى اللغة قديم  أم مجاز جديد

ثم جرت مناقشة بين الأعضاء فى موضوع المحاضرة، قال فيها معالى السيد محمد رضا الشبيبى: هل يفهم من قول الأستاذ (إننا لا نحتاج كثيراً إلى التسلسل التاريخى فى وضع معجماتنا  الحديثة وأننا فى غنى عن وضع المعجمات اللغوية التاريخية) ! فقال الأستاذ العقاد: فى اللغة العربية استعملنا كثيراً من المعانى  المجازية، لكن التعب الذى نحتاج إليه فى الرجوع إلى أحوال  الكلمات أقل من تعب واضعى المعجمات الأوربية، فمثلاً معجم  أكسفورد وهو أكبر معجم للانجليزية اضطر واضعوه أن يبدأوا

من القرن الثانى عشر لأن ما قبله لا يستعمل الآن ولا يفهم، لكننا نحن قد نجد كلمة من الجاهلية تستعمل الآن فى معناها الأصلى

وقال الأستاذ (جب) : ما مدى تطبيق هذه القاعدة؟ إن  نظام الاختيار فى نهاية الأمر للجمهور، أما فيما يختص  بالمصطلحات العلمية فالجمهور خاضع لأمر المختصين

وقال الأستاذ (ماسنيون) : تذكرت جلسة من الجلسات القديمة تباحثنا فيها عن التضمين، فالتضمين كالمجاز، وقد ألقيت  منذ سنتين كلمة فى جامعة باريس عن أهمية التضمين فى تشكيل عبارات جديدة ومعان جديدة فى قوالب قديمة. فقال الأستاذ العقاد: لم تنتفع بالتضمين حق الانتفاع مع أنه نافع جداً،  والتضمين يجب أن يتجه إلى إبداع معان فكرية جديدة، أما المحللات اللفظية فنحن فى غنى عنها

حول محاضرة الدكتور ناجى :

قرأت تعقيبك على محاضرة (الشاعر الدكتور ناجى) ...  وأنا وإن كنت ممن يقدرون شعر ناجى، بل كدت - يوما - أضعه فى مصاف الملهمين المعاصرين من أمثال على طه وإيليا أبى ماضى ... وإن كنت أيضاً لا أحب أن أتعرض لشكواه من أن  القراء يقدرونه أو لا يقدرونه ... إلا أنه آلمنى حقا أن ناجى يود  أن تتخلص الرسالة من شعرائها (التافهين) ، أو على الأصح يود ان تقف الرسالة (رسالة الشعر)  عليه وعلى أمثلة من  الملهمين ...

هذه يا سيدى الأستاذ - علة الشرق الحديث، وهذا داؤه ... كلنا يحب أن يطغى على غيره ... لا عمل لنا إلا قتل الناشئين فى مهدهم ... أما أن نفسح لهم الطريق - ولا أقول - نقومهم  ونرشدهم ... أما أن نتخذهم تلامذة لنا ... نقول لهم هذا صحيح  فاتبعوه، وذاك خطأ فاجتنبوه ... فليس هذا من دأبنا

وليس الذنب ذنب (ناجى) وحده - فيما أرى - فلقد سمعت  منذ أشهر أحد الأدباء الكرام يتهجم هو أيضاً على الشعراء من  شباب اليوم ويتهكم قائلا: إنهم يقولون الشعر وهم بعد لم يحفظوا

(كتب المحفوظات فى المدرسة) ... وهكذا يستعدى ناجى الرسالة على الناشئين من الشعراء وهى  المجلة الوحيدة فى الشرق التى لا تشتري الأسماء ولا تنشر إلا ما  يستحق النشر فى وقت دأبت فيه جل مجلات الشرق على أن  تشترى قراءها بأسماء ضخمة مقدمة ومؤخرة بالألقاب ... وفات  ناجى أن الرسالة أستاذ قبل أن تكون مجلة، وأن قراءها تلامذة  قبل أن يكونوا قراء ...

وبعد فما أحب أن أطيل الحديث مع ناجى، ولكنى أود أن  أقول له: لم لم يكتب للرسالة ناقداً وموجها ؟! ... لم لم يجابه  أولئك (التافهين) بشعره على صفحات الرسالة ؟! ...

وبعد فيا صاحب (الليالى القاهريات) ... إنى لأذكر أن  الرسالة حدثتنا - منذ زمن - أنك أنكرت على الناس جحودهم  لشعرك فحرقته - على ما أذكر - ويومها كنت أرثى لك وأترحم على شعرك ... أفلا تخاف - يا شاعرى - أن ينكر عليك شعراء الشباب هذا الجحود، فيفعلون بأدبهم مثل ما فعلت بأدبك فى  شبابك ؟! ... ويومها - يا سيدى - اقسم لك أننا سوف نفقد

تلك الروح العذبة الرقيقة التى تسيطر على شعر الشباب .. !! ...  لقد قالت الرسالة يا سيدى الشاعر فى عددها الأخير على لسان  الأستاذ المعداوى (إن الرسالة لن تغلق أبوابها يوما فى وجه أصحاب المواهب والملكات)  ( أسامة )

إننى أشاطر الأديب (أسامة) تقديره لشعر الدكتور ابراهيم ناجى  ولا أرى فى تعقيبه ما يحتاج إلى تعقيب إلا أننى أحب أن أعبر عن مودتى للدكتور ناجى، تلك المودة التى لا يعجبه أن تمزج بما  أكتب عنه أحيانا .. ولكن ماذا أصنع وهو يغرى هذا القلم  دائماً بما يهيئ له من موضوعات طريفة ؟ أنه يغضب منى ، وقد اصطلحنا غير مرة، ولكن الإغراء يتجدد .. ومالى بدفعه حيلة وأرجو أن يوسع الشاعر الكبير الدكتور ابراهيم ناجى - صدره، ويعد نفسه - كما نعده - ملكا أدبيا عاما .. وأن يقبل تحيتى ومودتى واحترامى

اشترك في نشرتنا البريدية