الأستاذ توفيق الحكيم :
صدر مرسوم ملكى بتعيين الأستاذ توفيق الحكيم مديرا لدار الكتب المصرية، وقد سرنى ذلك، لأمرين :
الأول ما يدل عليه هذا الاختيار من حسن التفات الدولة إلى الكفايات الممتازة والانتفاع بها فيما يناسبها من الأعمال، فهو اختيار خالص ممحض لوجهته، وشخصية توفيق الحكيم إنما تقوم على ساقين متينتين من الأدب والفن، لم يستند إلى من يقدم، ولم يسر فى ركاب، ولم يصطنع غير إنتاجه، فامتداد وعى الدولة إلى خلوته يدعو إلى الارتياح الذى شعر به الجميع إزاء هذا التعيين
الأمر الثانى ما يرجى على يديه فى دار الكتب، وسيرى الأستاذ الحكيم فى الدار نوعين من موظفيها جديرين بالالتفات، النوع الأول جماعة من (الأفندية) يحسنون (الهنكرة) ينقلون الكلام ويلفقونه ويوقعون بين الناس، ويتقربون بذلك إلى من بيده الأمر، متخذين وسائل الملق وحسن السمت وفرط الأدب ... حتى لا ينقض أحدهم إلا الفرجون يمسح به ... وهذه الفئة تسد الطريق فى وجه النوع الثانى. لأنها تستقبل الفوائد فتلفقها، ولا يكاد يصل شئ إلى القابعين فى محاريب العلم والعمل ... وأقصد بهؤلاء - وهم النوع الثانى - أولئك العاملين فى خدمة العلم والأدب فى دار الكتب، وخاصة بالقسم الأدبى، وكثير منهم مضت عليه عشرات السنين هناك وخرجت على يديه نفائس الكتب وذخائر الأدب محققة منسقة أدق تحقيق وأجمل تنسيق، وهم مع ذلك مرزوءون في أرزاقهم، حتى انسدت نفوسهم من الإهمال وسوء التقدير
وليست المسألة كلها متعلقة بأشخاص أولئك العاملين فى خدمة العلم والأدب فى دار الكتب، وبمن يعولون، إنما هى - إلى ذلك - مسألة العلم والأدب، مسألة العمل فى إخراج الكتب، فقد كاد هذا الجهاز النافع الذى كان ناشطا فى ذلك المضمار جادا فى تنقية موارد الفكر - كاد هذا الجهاز يشل، لعدم إيلائه ما يستحق من عناية ورعاية. وقد جعل الناس منذ سنين يتساءلون عما جرى لدار الكتب. فأقصدها عن مواصلة إخراج أمهات الكتب ومراجع الأدب. وتبلغ الآذان بعض المعاذير من ظروف الحرب وغلاء الورق ... ولكن ذلك قد طال حتى فقد ما يحمل على تصديقه ... والداء كله فى (سد النفس) وها قد صار الأمل كله مناطا بالحكيم ...
الشعر فى مجلة المصور :
فى عدد الأسبوع الماضى من مجلة (المصور) جاء ذكر قصيدة (عندما يأتى المساء) فى موضوع من موضوعاتها، فنسب المحرر هذه القصيدة إلى الأستاذ أحمد رامى، وهى من شعر الأستاذ محمود أبو الوفا، ومن أغانى فلم (يحيا الحب) للأستاذ محمد عبد الوهاب، وقد قالها أبو الوفا وغناها عبد الوهاب منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وسجلت فى (أسطوانة) وكثيرا ما تذاع، ولم تتكرم الإذاعة مرة واحدة فتذكر اسم قائلها ولو على أسلوبها المعروف بمثل قولها (من كلمات فلان !) ثم جاء محرر المصور فرمى الرمية إلى رامى !
وفى عدد هذا الأسبوع من مجلة المصور أيضا (٢٣ مارس سنة ١٩٥١) نشرت كلمة لسعادة عبد الرحمن حقى باشا وكيل وزارة الخارجية إلى جانب صورته بعنوان (أنا) قال سعادة الباشا فى هذه الكلمة :
(وإذا سئلت الآن أن ألخص تجاربى فى عبارة قصيرة جامعة لم أجد خيرا من البيتين الاثنين علقا بذاكرتى من أيام الصغر، وهما :
أحبب حبيبك هوناً ما ... عسى أن يكون بغيضك يوماً ما
وابغض بغيضك يوماً ما ... عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)
وهكذا كتب الكلام فى صورة بيتين من الشعر، ولعل
عذر الباشا أن الكلام علق بذاكرته منذ الصغر، فلو كان من محصوله فى الكبر لتنبه إلى أنه نثر ... أضف إلى ذلك أن (ما) فى نهاية الفقرات تشبه القافية !
ذلك عذر الباشا ... فما عذر المجلة ورئيس تحريرها الأستاذ الكبير فكرى أباظة باشا الأديب الذى كان ينظم الشعر فى صباه ؟ أو ليس فى دار الهلال مراجع أديب يعرف الكلام المنثور من الموزون، ويضبط الخطأ فى ذلك إن جاز على محرر أو سكرتير تحرير ؟ إنها سقطة أرجو أن تنبه عليها مجلة المصور لتلافى ما قد يستقر فى أذهان قرائها الكثيرين من أن ذلك الكلام شعر
وبعد فيذكرنى ذلك بالأعرابى الذى قام بخطب الناس ليحثهم على الجهاد فقال : أيها الناس، قال الله تعالى : كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
صاحت الدجاجة صياح الديك
فى يوم من الأسبوع الماضى حفلت قاعة فاروق الأول فى نادى نقابة الصحفيين بجمهور كبير أكثره من
السيدات والآنسات المطالبات بالحقوق السياسية للمرأة، وذلك لسماع محاضرة الدكتورة درية شفيق فى (الثقافة الشعبية كوسيلة للنهضة النسوية) وهى إحدى المحاضرات العامة التى تنظمها الجامعة الشعبية
تحدثت الدكتورة كثيرا جدا عن مساواة المرأة بالرجل وعن المعركة التى تخوضها المرأة لنيل الحقوق السياسية، وتحدثت قليلا جدا عن أثر الثقافة فى النهضة النسوية وهو موضوع المحاضرة ... فجاءت المحاضرة فرصة لمظاهرة من هذه المظاهرات التى قامت بها أخيراً الأحزاب النسوية فى مصر، ولم تحقق شيئاً مما يتطلبه الباحث عن ثقافة المرأة المصرية ممثلة فى هؤلاء (الزعيمات) وكم أود أن تدلل المرأة العصرية على استحقاقها ما تطالب به بثقافة ممتازة وعمل مجيد
والذى يهمنى الآن من هذه المحاضرة هو ما سادها من اللحن الكثير والخطأ اللغوى الفاحش، حتى خيل أن (كان وإن) وأخواتهما - مثلا - يكدن هن أيضاً ينهضن للمطالبة بحقوقهن فى رفع المرفوع ونصب المنصوب ... ويدعونى هذا إلى أن اقترح على الجامعة
الشعبية إنشاء قسم خاص بها لتعليم أعضاء الأحزاب النسوية اللغة العربية باعتبارها عنصراً من الثقافة الشعبية
وأريد أن أعدى عن كل ذلك إلى أمر آخر، أريد أن أغض عن جر المنصوب وفتح المضموم، وعن مثل قول المحاضرة (ماءة فى الماءة) لأقف عند ظاهرة أخرى ... كانت الدكتورة درية شفيق تعبر عن نفسها بالمذكر وترجع ضميره إلى النساء، فقد قالت: (هأنذا) وكانت تعبر عن تعليم الجامعة الشعبية النساء فتقول إنها تعلمهم وتهذبهم بدلا من تعلمهن وتهذبهن ! وفشا ذلك كثيراً فى المحاضرة حتى وصلت عداوه إلى الأستاذ على الجمبلاطى المشرف على تنظيم محاضرات الجامعة الشعبية فى تعقيبه على المحاضرة .. وتدرك مقدار هذا التأثير إذا علمت أن الأستاذ من رجال الأدب واللغة !
فهل كانت الدكتورة تفعل ذلك قصدا إلى المساواة فى اللغة وإزالة الفوارق بين المذكر والمؤنث؟ وهل لنا أن نقول: صاحت الدجاجة صياح الديك.؟
درس فى الجامعة الشعبية :
كان منتصف الساعة السابعة من مساء الأربعاء الماضى، موعدا معينا لندوة المكتبة بالجامعة الشعبية، وكان المقرر أن يتحدث فى هذه الندوة الأستاذ أحمد الشرباصى عن كتاب (التصوير الفنى فى القرآن) للأستاذ سيد قطب، ونشر ذلك فى (الأهرام) وتوافد الجمهور لحضور الندوة، ولكن كان كل من يقبل ويقصد إلى قاعة المحاضرات يفاجأ بمحاضرة أخرى تلقى فيها حيث كان الدكتور محمد بلال يتحدث عن (رسالة النائب فى المجتمع) ووقف الأستاذ الشرباصى ومن معه بالفناء كمن حكم عليهم بالإخلاء ولا يجدون مأوى. وأقبل الأستاذ سيد قطب، فانضم إلى الحائرين. وجاء بعض القائمين بالأمر هناك يعتذرون ويستمهلون. ولكن محاضرة النائب طالت، فأخرج الأستاذ سيد قطب الدعوة الموجهة إليه ووقع عليها بالأسف لعدم قدرة الجامعة الشعبية على تنظيم أوقات محاضراتها؛ وأعاد الدعوة - التى ليس لها مكان - إلى أصحابها، وانصرف ...
وبقى الأستاذ الشرباصى حتى فرغ المحاضر فى منتصف
الثامنة، ودعى إلى القاعة وقدمه أحدهم إلى من تبقى من الجمهور على ظن أنه سيلقي محاضرته، ولكن الأستاذ وقف فقص على الحاضرين ما حدث، ثم روى الحديث الشريف (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه) وقال: إن الأستاذ سيد قطب عرف قدر نفسه فانصرف، وأنا أيضا لا أرى من كرامتى أن تكون محاضرتى ذيلا لمحاضرة أخرى ...
وسمعت واحدا من الجمهور يقول لزميله فى منصرفهما : لقد جئنا لسماع المحاضرة، ولكن سمعنا ما هو أوقع منها .. - ليت كل من يخطئ فى هذا البلد المسكين يجد من يلقى عليه مثل هذا الدرس !
جوائز المجمع اللغوى :
احتفل مجمع فؤاد الأول للغة العربية، فى الأسبوع الماضى بقاعة الجمعية الجغرافية الملكية، بإعلان نتيجة المسابقات الأدبية لسنة١٩٥٠ - ١٩٥١. وقد بدأ الاحتفال. بكلمة الأستاذ أحمد حسن الزيات التى نشرتها (الرسالة) فى الأسبوع الماضى، وقد تضمنت رأيا فى القديم والجديد وموازنة فى ذلك بين الأدب العربي وغيره، وقدم الأستاذ الشعراء المجازين فوصف أشعارهم وعرف بهم. ثم تلاه الأستاذ إبراهيم مصطفى بك فألقى كلمته عن البحوث الأدبية، وقد بدأها بنبذة عن الدراسة اللغوية وتطورها، ثم عرف بالكتابين الفائزين، فقال إن كتاب (الفصحى فى ثياب العامية) نظر فيما بين العامية والعربية من صلة وقربى فى الألفاظ وفى وسائل الدلالة؛ وفى الكناية والتشبيه والاستعارة، وفى أساليب الاستفهام والتأكيد والذكر والحذف، وفيما يعترى الحروف من إبدال وتسهيل وإسكان وتحريك. وقال إن كتاب (الأسس المبتكرة لدراسة الأدب الجاهلى) يكشف عما يحيط بالعصر الجاهلى من الغموض والجهالة، وقد جعل المؤلف أساس العمل فيه سلاسل الأنساب المروية التى كان العرب يعتزون بها ولا يعدون العالم عالما حتى يكون بصيرا فيها، وعاد إلى أخبار الملوك المدونة وإلى الحوادث المؤرخة ليختبر نظريته ويؤيد نتائجها، وانتهى إلى أصل يعتمد عليه فى تحقيق كل سلسلة من
سلاسل النسب وفى تاريخ كل شاعر وزمن حياته وبعد ذلك أعلن الأستاذ عبد الفتاح الصعيدى مراقب المجمع،
نتيجة المسابقات مفصلة كما يلى: ١ - الشعر: منح الأستاذ كمال النجمى الجائزة الأولى وقدرها ٢٠٠ جنيه عن ديوانه (الأنداء المحترقة) ومنح الأستاذ محمود محمد صادق ١٠٠ جنيه عن مجموعة شعره المقدمة للمسابقة، ومنح الأستاذ فريد عين شوكة ١٠٠ جنيه عن ديوانه (وحى الشباب)
٢ - البحوث الأدبية واللغوية: منح الأستاذ سليمان محمد سليمان الجائزة الأولى وقدرها ٢٠٠ جنيه عن بحث (العامية فى ثياب الفصحى) ومنح الأستاذ عبد العزيز مزروع الأزهرى ١٠٠ جنيه عن كتاب (الأسس المبتكرة لدراسة الأدب الجاهلى)
وكان قد قدم لهذه المسابقات عشرة دواوين، وأربعة بحوث، وست قصص لم يلف فيها ما هو جدير بالجائزة، وبحث عن ابن سينا لم يجز

