الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 927 الرجوع إلى "الرسالة"

الأدب والفن فى أسبوع

Share

قطع العلاقات الأدبية:

أصدرت الحكومة قرارا يقضى بخطر تصدير الورق المطبوع  وغير المطبوع إلى الخارج، علاجا لأزمة الورق الحاضرة، حتى  يتوافر فى داخل القطر ما يرد منه. ويتضمن ذلك منع إصدار  الكتب التى تطبع فى مصر إلى سائر البلاد العربية. . وهذا  قرار بالغ الخطورة! أهون منه حل جامعة الدول العربية وكل  ما ينشأ بين الحكومات العربية من خلاف وسوء تفاهم. . .  فالكتاب هو السفير بين هذه البلاد، وهو سفير يعمل على  توطيد المودة وتعزيز القرابة بين أهلها، وهو سفير صامت يعمل  فى غير تظاهر ومآدب وحفلات، لا يخطب بكلام يرن بين  الأركان ثم يذهب فى الفضاء، وإنما يتحدث إلى العقول والقلوب  فتستكين إليه ويستكين بها، فإن ذهب تسرب إلى قرار النفوس  وبواطن المشاعر.

فالكتاب بين البلاد العربية أساس وحدتها وقد سبق    (البرتوكولات)  بل مهد لها وقامت عليه. فليت شعرى كيف  ينزع الأساس ويظل البناء قائما!

والعجيب أن ذلك القرار يشمل منع الكتب عن جنوب  الوادى: السودان! وهنا معنى سياسى لست أدرى كيف خفى  على من أعدوا القرار. . . وهناك أيضا نواح عملية لست أدرى أيضا كيف خفيت عليهم، فلنا فى السودان مدارس تصرف لها  الكتب من مصر. . ولدار الكتب المصرية فرع فى الخرطوم  من الطبيعي أن تمده بما يجد من الكتب، وكذلك هناك مكتبة  النادى المصري بالخرطوم. وإخواننا السودانيين على العموم  يحفلون بالمؤلفات المصرية ويستقبلونها من لدنا كما نستقبل من  لديهم ماء النيل.

والعجب يبلغ أشده كلما أنعمنا النظر فى ذلك القرار. .  والظاهر أن الموظفين الذين فكروا فيه وأعدوه إنما نظروا إلى  الناحية المادية والتجارية المحضة، نظروا إلى الكتب على أنها  بضاعة كالأرز والبصل يمنع إصدارها لتكثر فى الأسواق المحلية  ولم يخطر ببالهم أن قطع الكتب إنما هو قطع العلاقات الأدبية  وصد للتيار الفكرى بين البلاد العربية، بل أقول إن النظرية  المادية التجارية نفسها غير سليمة، فمستهلكو الكتاب المصرى فى مصر قليل، وهو يعتمد على قراء البلاد العربية الأخرى،

فمنعه من التصدير معناه الكساد وما فى هذا الكساد من القضاء  على الحركة الفكرية فى مصر. ولندع الحركة الفكرية ونستمر  فى المناقشة الاقتصادية . . إن المواد تمنع من التصدير لتقوم  بالحاجة المحلية، فماذا نصنع بالورق الذى يستعمل فى طبع  الكتب، والكتب قد حكم عليها بالكساد. .؟

وهناك - من الناحية الاقتصادية والاجتماعية أيضا  دور النشر والطباعة وعمالها. . أليس فى الحسبان ما يصيبهم من  أضرار وتعطل؟ هل من النظر الاقتصادى السليم أن تحل أزمة  بأزمة. . فيدير توافر الأوراق بتوافر البطالة فى البلاد.؟ إن ذلك القرار من أين أتيته وجدت فيه الخطر والعجب  والمخلص الوحيد منه أن يتداركه أولو الأمر، وفيهم من لا تخفى  عليه دقائقه.

فلم     (ليلة غرام)  :

كنت قد أخذت نفسى - فى فترة مضت - بتتبع  ما يعرض فى الأفلام المصرية، والكتابة عنها، قاصدا بذلك  أن أسلك طريقا أو أساهم فى طريق يؤدى إلى حسن استخدام  صناعة السينما فى نفع المجتمع وخير الناس من حيث معالجة المسائل  القومية والاجتماعية، وتهيئة أسباب المتعة الفنية البعيدة عن التبذل  والإسفاف وقد رأيت - إذ ذاك إزاء خطر هذا الفن باعتباره  أكثر الوسائل اتصالا بالجمهور - أنه ينبغي أن نصبر على ما فى  البضاعة من تفاهة وغثاثة، وأن نولى هذه الناحية  اهتماما لا بالنظر إلى المعروض، بل نظرا إلى المثال المرجو منها  وأيدنى فى ذلك بعض القراء وخالفني آخرون قائلين: ما هذا

الذى تكتبه عن شكوكو  وكاريوكا وإسماعيل يس؟ اعدل  بنا يا رجل عن هذه الأشياء إلى  الأمور ذات البال. .

وحين وصل إلى سمعى ذلك  القول كان صبرى قد نفذ وضقت  ذرعا بتلك الأفلام، فعدلت عنها  واكتفيت بتتبع الروايات  التمثيلية ذات القيمة الأدبية التى  تمثل على المسرح الراقى

وأخيرا علمت أن هناك فلما  أخرج من قصة (لقيطة)  التى  ظفر كاتبها الأستاذ محمد عبد الحليم  عبد الله، عنها، بجائزة مجمع  فؤاد الأول للغة العربية منذ  سنوات، وقد سمى الفلم     (ليلة  غرام)   على اعتبار أن اللقيطة  كانت ثمرة لتلك التى التقى  فيها أبوها على حرام.

شاهدت الفلم لمكانة قصته  وصاحبها من الادب، ولنلق  أولا نظرة على مجمل القصة قبل  الكلام عليها: يعرض الفلم  حياة إنسان من حقه أن يكون  له بذاته إعتبار فى المجتمع ولكن المجتمع يضطهده ويأبى عليه  هذا الحق لذنب جناه غيره،  ذلك الإنسان هو   (اللقيطة)   التى قذفت بها الأقدار عقب  ولادتها إلى ملجأ اللقطاء حيث  نشأت لا تعرف لها أبا ولا أما،  ثم خرجت منه بعد أن شبت  إلى ميدان الحياة وكانت فى

الملجأ تعانى شعورها بحرمان  الأبوين، فلما أتيح لها شيء من  الاستقرار والنجاح فى معترك  الحياة جعلت تصارع لؤم الناس  وسوء نظرهم إليها لأنها لقيطة  فقاست ألوانا من الألم والبؤس  صبرت عليها فى إيمان ثابت  يغذيه ويقويه فى نفسها   (السيد  الأمير)  وهو رجل من علماء  الإسلام مستنير العقل واسع الأفق ، كان مبدأ صلتها فى المستشفى  الذى  كانت تعمل ممرضة فيه

وكان هو يعالج هناك، ولما يئست  هى وخاطبها الطبيب الشاب  الذى أحبها وأحبته، من موافقة  أبيه الثرى على زواجهما، لجآ إلى السيد الأمير الذى استطاع  بقوة حجته وشخصيته الدينية  أن يقنع الوالد بأن البنت لا ذنب  لها فيما جناه أبواها المجهولان،  وكان الحل الأخير أن يتبنى  السيد الأمير الفتاة، ويتم الزواج

ليس الموضوع - وهو  الدفاع عن اللقيط البرىء ضد  المجتمع الذى يظلمه - ليس  هذا الموضوع جديدا، وليس  حتما أن يكون الموضوع جديدا،  فالعبرة بالمعالجة وطريقة التناول  وقد عالجه المؤلف علاجا حسنا،  وتناوله من نواح واقعية،  وصوره فى صورة حية، وربط  بينها بخيال محبوك الأطراف

وبذلك خرج هذا الفلم عن المدارات المتشابهة التى تدور  عليها الأفلام المصرية، وجانب المبالغة التى تعرضها قصدا إلى  الإثارة، وليس بهذا الفلم فراغ  كالذي يسد فى الأفلام الأخرى  بمناظر التهتك وعرض المتباذل، ففيه موضوع يشغله عن ذلك

وقد أخرج الفلم أحمد بدرخان فأحسن إخراجه، بتنسيق  المناظر وتوجيه التمثيل، والمحافظة على ما فى القصة من معان  أدبية جميلة، بل بترجمة هذه المعانى إلى لغة السينما ووسائلها  فجمع مثلا بين مناظر الشروق والغروب وبين خواطر البطلين فى  الأمل واليأس، وكانت شخصية السيد الأمير موحية بكثير من  المعانى الروحية القوية، وكانت وسيلة لمعالجة المشكلة من وجهة  النظر الإسلامية

وفى القصة كثير من المصادفات التى استعين بها على تسلسل  الحوادث وحبكها، وهى مقبولة لأنها لا تخرج كثيرا عن الواقع،  وأرى لهذه الكثيرة أن إظهار الأم مريضة فى المستشفى للتعارف  هى وأبنتها اللقيطة، وكان صدفة مفتعلة زائدة على ما أشبعت به  القصة من مصادفات، وكان يمكن الاستغناء عن هذا المنظر دون  أن يخل ذلك بمجرى الحوادث.

التصوير الفنى فى القرآن

أشرت فى الأسبوع الماضى إلى المحاضرة التى كان مقررا أن  يلقيها الأستاذ أحمد الشرباصى فى الجامعة الشعبية، عن كتاب      (التصوير الفنى فى القرآن)   للأستاذ سيد قطب. وحالت بعض  الظروف دون إلقائها. وأذكر الآن أن الأستاذ ألقى هذه المحاضرة  فى جمعية الشبان المسلمين يوم الثلاثاء الماضى. أستهل المحاضرة  بمقدمة عن سوء التفاهم بين الرجال الفن ورجال الدين، ولتمسك  الأولين بالتحرر والانطلاق والتزام الآخرين التزمت والتقيد،  وقال إن كلا منهما يغالى فى طرفه، ولو أن الفريقين تركا هذا  التغالى لالتقيا عند هدفهما الواحد وهو طلب الجمال الروحى  وعد المحاضر كتاب   (التصوير الفنى)  أول عمل صريح فى سبيل  ذلك الهدف، وقال إن المؤلف هو أول من كشف عن  القاعدة التى بنى عليها كتابه، وهى أن التصوير هو الأداة المفضلة  فى أسلوب القرآن فهو يعبر بالصورة المحسسة المتخيلة عن المعنى

الذهنى والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور  وعن النموذج الإنسانى والطبيعة البشرية ثم يرتقى الصورة  التى يرسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة ثم  أتى المحاضر بأمثلة من الكتاب تطبيقا لهذه القاعدة ومما قاله  أن بعض الناس أدعى انه سبق المؤلف إلى هذا الموضوع وهى  دعوى مردودة لأن الأستاذ سيد قطب كتب مقالا - قبل  إخراج الكتاب - فى مجلة المقتطف بعنوان     (التصوير الفنى  فى القرآن)   سنة ١٩٣٨ أى ىي الوقت لم يكن أحد فيه قد كتب  شيئا متصلا بهذا الموضوع

ثم أبدى المحاضر بضع ملاحظات تتلخص فيما يلي:

١ -  تمنى لو أن المؤلف كتب فصلا عن معنى كلمة    (التصوير)  وكلمة   (الفنى)  بالنسبة للقرآن لأن الاصطلاح جديد.

٢ -  قال إن المؤلف كان يعيب على الرافعى أسلوبه لأنه يعبر  بالصورة الحسية عن المعانى الذهنية، على حين أنه يثنى على هذه  الطريقة فى تعبير القرآن.

٣ -  ذكر أن المؤلف أستعمل تعبير   (سحر القرآن)   وتمنى لو أنه أستخدم بدلا منه   (جاذبية القرآن)  أو    (روعة القرآن)  لأن السحر فى الأغلب بدل على المعنى الخداع  والتغرير، وهو الذي كان يقصده الكفار حين وصفوا به  القرآن الكريم.

٤ -  لاحظ على فصل       (المنطق الوجدانى)    فى القرآن أن  المؤلف يقول: أن العقيدة تقوم على وجدان، وقال: إن الوجدان  يجئ سابقا حقيقة ولكن العقل يتدخل بعد ذلك ليبرهن على  ما تأثر به الوجدان.

٥-  أعترض على عبارة فى الكتاب جاء فيها    (أدركنا سر الأعجاز فى تعبير القرآن)  قائلا بأن سر الإعجاز  فى القرآن لا يدركه فرد ولا يدركه جيل.

وختم الأستاذ الشرباصى محاضرته بالإشادة بقيمة الكتاب  ومكانة موضوعه الجديد من الدراسات الإسلامية، مقترحا أن  يدرس هذا الموضوع فى كليات الأزهر وكليات الجامعة التى  تدرس اللغة العربية وقد تحدثت بعد ذلك مع الأستاذ سيد قطب وسألته عن

رأيه فى الملاحظات فشكر جهد الأستاذ الشرباصى فى  المحاضرة وعبر عن أثرها الطيب فى نفسه، ثم رد الملاحظات  واحدة واحدة، وقال عن الأولى: أحسب أنىي شرحت عبارة      (التصوير الفنى)   ولكن فى غير صورة التعريف والتبويب  فالكتاب كله إنما هو شرح وتمثيل وتطبيق، وفى مقدمة فصل      (التصوير الفنى)   ما يغنى، وقد تتابعت فصول الكتاب كلها  لتشرح هذه القاعدة الكلية وتمثل لها وتوضحها.

وقال عن الملاحظة الثانية: لا أذكر أن هذا كان مأخذى  على أسلوب الرافعى، بل أذكر أنه كان العكس، فقد كنت آخذ  عليه الألاعيب الذهنية فى التعبير، والجمل التى ينبع ذيلها من  رأسها، والعكس، والتى يحسبها القارئ ماشية   (تتقصع!)   وتضع يديها فى خصرها على الطرس! وليس شىء من هذا كله  بسبيل من ذلك الأسلوب القرآنى الذى أبنت عنه فى الكتاب

وقال عن الثالثة: رأيى أنه مادام المعنى اللغوى يحتمل هذا  ويحتمل المعنى الآخر وهو لطف المدخل والجاذبية فإن العرف  الأدبى إذن هو الذى يحدد، وعرفنا الأدبي الحاضر لا يعتبر سحر  البيان معناه الخداع والتغرير، بل وصف استحسان

وقال عن الرابعة: أحسب أننى كنت أعنى معنى خاصا حينما  قلت       (المنطق الوجدانى)    فأنا لم أعن مجرد التأثر الوجدانى بل        (المنطق الوجدانى)    فقد أردت أن أفرق بين هذا المنطق وبين    (المنطق الذهنى)  والمنطق الوجدانى هو الذى يقوم على  الانطباعات الوجدانية والمقدمات الوجدانية والتأثرات الوجدانية  ولكنه   (منطق)  وليس مجرد تأثر، أى أنه حكم تسبقه  مقدمات من نوع معين، وأما المنطق الذهنى فهو الذى يقوم على  الأقيسة المجردة الخالية من الانطباعات والتأثرات ثم  جعلت للذهن وظيفته المحدودة فى بناء العقيدة، ولم أنفه من  مجالها بتاتا

وقال عن الملاحظة الخامسة: أحسب أن معنى إدراك سر  الأعجاز فى التعبير القرآنى لا يعنى الكشف عن إعجاز القرآن،  فإعجاز القرآن لم يكن فقط فى تعبيره، بل خصائص أخرى  كثيرة ترجع إلى صميم الأفكار والمبادئ التى تضمنها، وأما  إعجاز التعبير فكل جيل يدرك سره كما يراه، ولا يمنع هذا أن  يأتى جيل آخر فيدرك هذا السر من زاوية أخرى.

اشترك في نشرتنا البريدية