حملة إنجليزية على الدكتور طه حسين باشا:
شن بعض المدرسين الإنجليزية الذين فصلوا من المدارس المصرية حملة هوجاء في جريدة (الإجبشيان جازيت) ضد سعادة الدكتور طه حسين، تحت عنوان (الصم الذي هوى) وهو عنوان يدل على مقدار (أدب المربين) الإنجليز:
وقد أدعى أولئك الكاتبون (المهذبون) أن وزير المعارف السابق عاملهم معاملة غير كريمة وغير عادلة لأنه فصلهم من وظائفهم. . ويظهر أنهم لم يجدوا في قضيتهم الأساسية ما يناقشون فيه على أساس المنطق المعقول، فلجئوا إلى الهجوم الشخصي. ومن أعجب ما جاء في كتابتهم أن الدكتور طه حسين باشا سقطت مكانته بعد الخروج من الوزارة!!.
وأنا أسأل الأساتذة الذين يفترض فيهم أنهم من المثقفين. . هل هم يعيشون في مصر أو في إنجلترا؟ إذا كانوا قد عاشوا في مصر بعقولهم كما عاشوا فيها بأجسامهم فكيف يخفى عنهم أن طه حسين رجل له مكانته في هذه البلاد باعتباره أستاذ النهضة الفكرية المعاصرة، وباعتباره كاتباً أجمع المواطنون على سبقه من الناحيتين الفنية والإصلاحية؟ فالوزارة لم تضعف إليه شيئاً من مجد أو مال حتى يهوى بالخروج منها، ومثل طه حسين هو في الوزارة أو في خارجها.
وإذا كانوا يعيشون في إنجلترا فهل جاءتهم أنباء الحفاوة التي قوبل به الدكتور طه حسين باشا من نحو عامين في الجامعات الإنجليزية حيث أشار الأساتذة هناك بعبقرية وأثاره في ميادين الفكر والثقافة والتعليم، ومنحته الجامعات (دكتوراه) فخرية؟ ففي أي مكان هوى ذلك النجم؟ أفي مصر أم في إنجلترا أم في عقول أولئك المدرسين الخاوية. .؟ وقد تصدى للرد على تلك المقالات الأستاذ إسماعيل كامل في نفس الصحيفة (الإجبشان جازيت) وفند أقوالهم تنفيذا
لقى ارتياح العقلاء من قراء هذه الجريدة.
ثم كتب العميد نفسه مقالا في الصحيفة ذاتها رد به على تلك الغارة العشواء، قال فيه: أود قبل كل شيء أن أسأل لماذا انتظر هؤلاء هذه المدة الطويلة ليشكوا مما حدث منذ أكثر من شهرين بل في التاسع من ديسمبر بالذات؟ ولماذا آثروا الصمت حينما كنت عضوا في الحكومة المصرية؟ إنه ليسرى عني أن أتبين أن الشجاعة كانت تنقصهم، مع أنه لم تكن هناك أية رقابة إذ ذاك.
ثم قال سعادته: على أن مسئولية فصل أولئك المدرسين لا تقع على وزير المعارف، أو على مجلس الوزراء المصري، ولكنها تقع على العسكريين البريطانيين في منطقة القنال، الذين سلكوا سلوكاً لا يمكن قبوله في القرن العشرين.
وأوضح في المقال ما صنعه معهم إذ أراد أن يحميهم من الهجوم الذي قد يتعرضون له في المدارس وفي الجامعات، فطلب إليهم أن يبقوا في منازلهم ليدفع عنهم غضب أبناء الشعب من طلبة المدارس والجامعات.
وقال سعادة العميد: وإذا ما رغب هؤلاء الأساتذة في الشكوى فإني أنصح لهم، عندما يعودون إلى إنجلترا، أن يرسلوا احتجاجات إلى مستر تشرشل مثلا أو إلى أي شخص آخر مسئول عما حدث، لا لهم فحسب، ولكن وقبل كل شيء عما حدث للشعب المصري كله منذ أكتوبر سنة ١٩٥١ ما دام إحساسهم بالعدالة عظيما إلى هذا الحد!.
وقد قرر مجلس الدولة أنه ليس لهؤلاء المدرسين حتى في الحصول على أي تعويض، ولكن الحكومة قررت - بناء على طلب وزارة المعارف - منحهم مراتب ثلاثة شهور ونفقات سفرهم. فأية عدالة يطلب بعد ذلك؟ وأيهما يعد أكرم: موقف الوزير منهم، أو موقفهم منه وهم يتطاولون ويتقولون عليه بعد خروجه من الوزارة. .؟
حقيقة المسألة - على ما هو طبيعي - أن الدكتور طه حسين باشا كان مصريا فغضب الإنجليزية...
