ملء كرسيين في المجمع اللغوي
الثقافات العالية بالبلاد العربية
كان يوم الاثنين موعد الجلسة التي عينها مجمع فؤاد الأول للغة العربية لانتخاب عضوين يشغل بهما كرسيين من الأربعة الخالية به، وقد أسفرت عملية الانتخاب عن فوز معالي الأستاذ علي عبد الرازق وزير الأوقاف والأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني. وقد جرى الانتخاب بين الذين رشحهم أعضاء المجمع في جلسة سابقة والمرشح هو من يزكيه عضوان مع بيان مؤهلاته، وكان قد رشح ثمانية هم: الأستاذ علي عبد الرازق والأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني والأستاذ أحمد حسن الزيات ومحمد العشماوي باشا والأستاذ إبراهيم مصطفى والأستاذ محمد على مصطفى والدكتور رمسيس جرجس والشيخ عبد السلام القباني. وكان الأستاذ الزيات تالياً في عدد الأصوات للأستاذ المازني.
وقد عرفت مما سبق أن الكراسي الخالية بالمجمع أربعة: ثلاثة منها خلت بوفاة أعضاء مصريين، وواحد خلا بوفاة عضو عراقي. وقد رأى المجمع الاقتصار الآن على شغل كرسيين بمصريين، على أثر رغبة أبديت في زيادة عدد الأعضاء الأجانب وهم الآن ثمانية وقانون المجمع يفسح لهم المدى إلى عشرة، على أن المجمع لم يتقيد بعد بشيء في هذا الصدد وليس في القانون ما يقيده.
وبعد فليت مجمعنا الموقر يُشغل الناس بإنتاجه كما يشغلهم باختيار أعضائه وعقد جلساته وتأليف لجانه.
ألقى الأستاذ فريد أبو حديد بك محاضرة بنادي الخريجين المصري عنوانها (على هامش المؤتمر الثقافي) فبين أهمية المؤتمر الذي عقد بلبنان في الصيف الماضي، من حيث أثره في التقريب بين وجهات النظر العربية وما أسفر عنه من نجاح في هذا وفي الموضوع الذي انعقد من أجله المؤتمر وهو وضع قدر ثقافي مشترك لطلبة التعليم إلا ابتدائي والثانوي في جميع البلاد العربية. ثم قال إن ثمة أمراً هاماً يجب أن تلتفت إليه الجامعة العربية وتوليه عنايتها، وهو رفع مستوى الثقافات العالية بالبلاد العربية حتى تساير في ذل كبريات الأمم وتشارك في الحضارة العالمية مع هيئات العالم الثقافية التي اتجهت أخيراً إلى التقارب والتعاون بين جميع الأمم في العلوم والفنون والآداب، والتي تنظم جهودها مؤسسة التربية والعلوم والثقافة التابعة لهيئة الأمم المتحدة.
وقال الأستاذ فريد بك إن رفع مستوى التعليم لإيجاد علماء وفنيين ممتازين ضروري لترقية المجتمع ورفع مستوى المعيشة والكرامة الإنسانية، لأن هؤلاء الممتازين في العلوم والفنون المختلفة سيعكفون على الأبحاث ويضعون المشروعات التي تؤدي إلى استنباط موارد جديدة للثروة وإلى التقدم في ميادين الصناعة والزراعة.
أما قصر الاهتمام على نشر التعليم فإنه يؤدي إلى نتيجتين سيئتين: الأولى أن الذين يتعلمون ولا يجدون العيش اللائق بهم يلجئون إلى الانحراف والثورات. والنتيجة الثانية أن المتعلم الذي يخرج إلى بيئة منحطة المستوى لا يلبث أن يندمج فيها ويفند ما ناله من التعليم.
مؤسسة دولية للآداب
لم هذا؟
الأناشيد أيضاً:
وقد أفاض الأستاذ في شرح هذه الفكرة وضرب الأمثلة لها. ومما قاله ان الحضارة الحديثة إنما قامت في الأمم الغربية على التخصص والتبحر، أما نشر التعليم بين أفراد الشعوب فقد تلا ذلك بعد أن اتجهت الرغبات إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتهيئة الفرص للجميع.
من أنباء مؤسسة التربية والعلوم والثقافة التابعة لهيئة الأمم المتحدة - أن لجنة البرنامج والميزانية بها أوصت مؤتمر المؤسسة العام بإنشاء مؤسسة دولية للآداب، لتوطيد التفاهم بين الشعوب بفضل تبادل مؤلفات كبار أدبائها في نطاق واسع.
وهذه أنباء نرددها، ولا ندري أتستمر هذه المؤسسات وتتحقق أهدافها حتى يجني العالم ثمراتها أم ستقضي عليها قوى الشر المتغلغلة في دول الغرب والتي بدت أخيراً نواجذها البشعة الكريهة لمحاولة قضم فلسطين.
كتب الأستاذ إبراهيم الابياري في مجلة الثقافي كلمة بعنوان (أحمد الزين - كلمة رثاء ووفاء) بدأها هكذا: (أليلت أزغ بلبالة صدرت بها فما أنجحت حتى أصبحت. فأممت أم دار الكتب ألتمس فرجاً في عملة، وأنساً بين زملة. فما وطئت أسكفة الباب حتى يدرني البائب ينعى إلى (أحمد) وما أحمد. هذا حميم أحم الله حمته فقضى، وخليل أخل لخه ومضى؛ شكا إلى الطب داءه فما أشكاه، واستأنى الأجل أجل صغير يرعاه فما آناه).
وأنا أعرف الأستاذ الأبياري رجلا دمثاً وديعاً موطأ الأكناف، فعجبت كيف عمل هذه (العملة) ولم عنى نفسه بهذا العناء؟ لم لم يقل: أتى على الليل وأنا أدافع هماً لزمني حتى الصباح، بدل (أليلتُ أزع بلبالة صدرت بها فما أنجحت حتى أصبحت) وماذا جرى للبواب حتى صار (البائب) ؟ أمن الوفاء يا سيد إبراهيم أن ترثي صديقنا الراحل بمثل هذا؟ وماذا جنى حتى تحصبه بمثل (هذا حميم أحم الله حمته) أو بكلمة (بقواك) في قولك (وإما الإشفاق علي بقواك فما أعوزنا معه إلى ذي حول يعين بقول) أو هذا جزاء الصديق من الصديق؟! أذكر أنني سمعت ثناء من فقيدنا الشاعر على الأستاذ الأبياري لنبالته وسهولة خلقه، فقد زامله في إخراج بعض الكتب،
ولكنه لم يكن يدري أنه سيرثيه بـ (أليلت. . الخ) وفي (الثقافة) مجلة الأصدقاء!
وبعد فما غاية هذا (التفاصح) أيريد الكاتب أن يعبر عن أساه ولوعته أم يريد أن يظهر اقتداره على التشدق بالغريب؟ أما الثانية فله أن يحمد الله على نجاحه فيها وإن كان هذا النجاح لا يهم أحداً غيره. . وأما الأولى فليس سبيلها الجهد في تأليف الغريب وتكوين تلك التراكيب التي تصرف القارئ عن مضمونها إلى غرابتها والاستغراق في العجب من معاناتها، كما صرفت الكاتب من قبل عن الموضوع إلى هذه المعاناة. . ورحم الله الزين.
كتبت في الأسبوع الماضي كلمة عن (الأناشيد) بينت فيها ضعف ما لدينا منها وعدم وفائه بالغرض المنشود، وأشرت إلى حاجتنا في الظرف الحاضر إلى نشيد قومي نابض بالحياة يردده الجميع. . وأذكر اليوم أن الأستاذ محمد عبد الوهاب كان قد كتب في (المصري) ينعي على الشعراء قصورهم في وضع الأناشيد القوية بمعانيها وحسن تعبيرها، وفي يوم الاثنين نشرت (المصري) ردوداً لجماعة من شعرائنا على عبد الوهاب.
قال الأستاذ علي محمود طه بعد أن أبدى موافقته لعبد الوهاب في نقد الشعراء: (ورأي الأستاذ في التأليف الشعري صائب وجميل، ولكنه ينصب في كل ألفاظه ومعانيه على التأليف الموسيقي، ويتهم صاحبه بألف دليل ودليل على أن موسيقانا في أغانينا أو أناشيدنا بعيدة أيضاً عن الأصالة الفنية والأحاسيس الإنسانية فإذا كان ينعى على الشعراء اصطناعهم لأناشيد لا تهت ز بالإحساس الإنساني ولا تحتفل بالصدق فما له هو وأصحابه سادة الفن يؤلفون لها ألحاناً فيجيء التأليف الموسيقي فاتراً شاحباً أو تلفيقاً مزوقاً).
وقال الأستاذ صالح جودت: (لحن عبد الوهاب بعض الأغنيات الوطنية مثل (نشيد العلم) و (هتف الداعي) وغيرهما ولكن التوفيق لم يحالفه فيها لأن عبد الوهاب يتميز باللون العاطفي الدافق بالحنان، وهذا لا يعيبه مطلقاً، فهذا لونه، وإنما يلبيه أن يخرج عن لونه ويلحن شيئاً ليس له سدى في نفسه) وقال: (ومن الخير لنا حين نهم بنظم أغنية وطنية ليلحنها عبد الوهاب أن تكون أغنية صادقة حقاً، من ناحيتنا ومن ناحيته، وتكون عاطفية كطبيعتنا نحن المصريين وكطبيعة موسيقارنا
عبد الوهاب، وتكون خالية من الألفاظ الجافة كقصف الرعود والدماء والفداء التي لا نصيب لها من الصحة في حياتنا الوطنية)
وقال الأستاذ محمود حسن إسماعيل: (كل الأناشيد التي ظهرت حتى اليوم من جميع الشعراء المعاصرين مما أعدوه بقصد المسايرة والإجابة ومداجاة للظروف لا يدخل في رأيي في حساب الأناشيد الوطنية الحقة التي تصدر عن إثارة داخلية تدفع الشاعر دفعاً إلى هذا الفيض الوطني، ولا أذكر في تاريخ الأدب الحديث شاعراً واحداً اندفع لشعوره الذاتي بالوطنية إلى إخراج نشيد وطني واحد) . . . وهكذا أجمع هؤلاء الثلاثة - وهم من شعرائنا المبرزين - على أن ما وضع من الأناشيد الوطنية إلى الآن كلام فارغ. ونقد بعضهم تلحينها من حيث أن الأداء الموسيقي غير صادق في التعبير عن الإحساس والعاطفة، وكل هذا يتلاقى مع ما أبديته من الرأي في الأسبوع الماضي. والمهم الآن أن أسجل شعور فنانينا وشعرائنا بالنقص في هذا الجانب من حياتنا الأدبية الفنية، وأن أستبشر بهذا الشعور، وأعده إرهاصاً لما يرجى بعده.
بقي لي تعقيب على ما قاله الأستاذ صالح جودت من تميز عبد الوهاب باللون العاطفي وأن بيعتنا عاطفية ووجوب موافقة الأغنية الوطنية لذلك، فأقول له: إن عاطفة الحب والغرام غير عاطفة الوطنية، والثانية تستلزم القوة من غيرشك، ونحن وإن كنا لا نبتغي هذه القوة من الكلمات الجوفاء فإننا نطلبها من الطاقة الوطنية التي يشعر بها الشاعر والملحن. وإذا كان تميز عبد الوهاب إنما هو في العاطفة الغرامية اللينةفليس من اللازم أن يلحن الوطنيات.
رفع إلى الجهات المختصة تقرير عن الإذاعة اللاسلكية المصرية كتبه الأستاذ عبد الحميد يونس مبيناً فيه أسباب فسادها ووسائل علاجها، وتناول بهذا البيان النواحي المختلفة للإذاعة المصرية. وقد اطلعت على نسخة من هذا التقرير فوجدت به فقرات قيمة في الأدب والثقافة بالإذاعة رأيت أن آتي بصفوتها للفائدة:
كانت الإذاعة في العهد (الماركوني) مصرية العنوان إنجليزية الجوهر والروح. استخدمها البريطانيون في صرف الشعب عن جد الحياة بإيثار التسلية غير المفيدة والترفيه المسف على الإرشاد الخفيف والتثقيف المقبول، مما لا تزال آثاره باقية إلى الآن، فإذا كانت الإذاعة في عهدها القومي تريد أن تكون أداة تقدم ورقي فيجب أن تمحو آثار العهد الاحتلالي وأن تزاوج بين الفائدة والتسلية. ولن تستقيم الإذاعة في إدارتها وفيما يصدر
عنها من فن أو ثقافة إلا إذا تم الفصل بين الإنتاج الفني والإدارة الإذاعية، وإلا إذا صلحت ضمائر الحاكمين على العمل الفني وكانوا من المتأهلين له، فينتفي بذلك ما يلاحظ من عدم التخصص ومن الوسائل التي يلجأ إليها المتقدم للإذاعة والتي أهونها التملق والمصانعة.
ولا ينبغي أن يكون عمل الإذاعة مقصوراً على الانتخاب مما يعرض عليها من الإنتاج الفني والعقلي، وإنما يتعدى ذلك إلى إكمال النقص باستدعاء المواهب المبتعدة عن الإذاعة والاستعانة بالبارزين في الحياة الفكرية مع عدم إغفال الموهوبين من الناشئين.
وعرض التقرير للتمثيلية الإذاعية فندد بتفاهتها وانعدام الهدف والقوام الفني فيها، وما يتضمنه بعضها من أفكار فجة ومعوجة، واقترح أن يحتفل بإنتاج الأدباء المبرزين في القصة، وأن يطلب إلى الأدباء إعداد برامج مستوحاة من القصص العربي والاقتباس من روائع الأدب الغربي في القصة والتمثيل، والإشادة بمفاخر مصر والإسلام والعرب، والحذر من الفرعونيات لأن أبناء الأمم العربية الشقيقة يمقتونها مقتهم للآشورية والفينيقية وما إليهما.
وقال التقرير إن الإذاعة كادت تهمل الأقصوصة يسردها مؤلفها، وهي فن قد أصبحت له مكانة بين فنون الأدب، وفي أقرب من (الحديث) إلى نفوس الناس؛ وإن الاحتكار سرى إلى الأحاديث حتى أصبح بعض المحدثين يتصيد موضوعه تصيداً يبدو الحرج عليه وهو يلقيه، وبعضهم يحشر في موضوعاته المصطلحات الفنية التي لا تتفق وما ينبغي للعمل الإذاعي من التعميم، وصار لبعضهم حقوق ارتفاق على أبواب بعينها، كالتعريف بالكتب الذي عهد به إلى فرد معين أيا كانت كفايته الشخصية فإنها لا يمكن أن تستوعب العلوم الفنون جميعاً التي تؤلف فيها أشتات الكتب التي يقدمها. وكذلك سرى الاحتكار إلى الشعر، فليس المعول فيه على حكم الرأي العام الأدبي، إذ لا تعنى الإذاعة بتقديم الألوان المختلفة من الشعر، وإنما كل ما هناك الفرق بين الشاعر ورجال الإذاعة.
وأشار التقرير إلى الركن الثقافي الذي اختص به خريجو قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب الذي يذيع باللغة العربية ثمرات القريحة الإنجليزية وصور الحياة البريطانية ويتفنن في عرضها تفنناً لو استخدمه في غير هذا الباب لمدحناه عليه. . وقال إن هذا الركن من أثر العهد الاحتلالي، وإن التعاون الذي بينه وبين الإذاعة التي كان يختار موظفوها من خريجي هذا القسم - لم يقم تعاون مثله مع أية هيئة أخرى. . .
الأدب والثقافة بالإذاعة:

