الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 733 الرجوع إلى "الرسالة"

الأدب والفن في أسبوع

Share

بين الشبان والشيوخ:

مسالة الشيوخ والشبان في الأدب بمصر، مسالة قديمة  ظهرت بوادرها منذ سنين، إذ هب بعض أدباء الشباب يعلنون  أن الشيوخ يستأثرون بمجالات الأدب، ويتجاهلون الشبان،  ويسدون عنهم الطرق؛ وقامت إذ ذاك معركة كان هجوم الشباب  فيها عنيفا، ودفاع الشيوخ متثاقلا غير مكترث. . وسكن  عجاجها، ولكن دواعيها وآثارها بقيت كامنة، تبدو في أحاديث  المجالس وخاصة بين الشباب، وتحجم عن الظهور في كتابة منشورة،  لأن فرقاً الشباب قد انطووا تحت ألوية الأدباء الكبار،  وخاصة من رأوهم بحيث يقدمون ويؤخرون، وينفعون وقد  يضرون. . . ومن الشباب من لم يستطيع أن يعلن ثورته، لأن  المشرفين على النشر من الشيوخ لا يمكنون له، أما مجاملة،  أو لأن ما يكتب يند عن اللقيان.

استقرت الحال على ذلك، ودامت الهدنة طيلة السنين الماضية،  ولكنها الآن أعيدت جذعة. . . فمن آثارها؟ أهو الدكتور  طه حسين بك في   (هلال)  يونية الماضي، أم الأستاذ سيد قطب  في   (العالم العربي)  هذا الأسبوع؟

قال الدكتور طه في مقاله بالهلال: أن الشباب يقولون للشيوخ  أفسحوا لنا الطريق إلى الأدب والعلم والفن، والشيوخ لا يصدون  الشباب عن أدب أو علم أو فن، وتساءل: أليس من الممكن أن  يكون ينفسه الشباب على الشيوخ إنما ما قد ينتجه الأدب  والعلم والفن من إقبال الناس على الشيوخ اكثر مما يقبلون عن  الشباب؟ وقال أن الشهرة لا تكسب ألا بالعمل الشاق، والمال  يسعى إلى العاملين وهم اشد مما يكونون ابتذالا له واستهزاء به.  والشيوخ في طريقه إلى الراحة الموقوتة أو الدائمة، والشباب  في طريقهم إلى أن يأخذوا مكان الشيوخ، والذوق كل الذوق  ألا يتعجل الأبناء مصارع الاباء، والخير كل الخير أن تقوم

الصلات بين الأجيال على المودة والحب لا على التنافس الذي يحفظ  القلوب ويفسد الضمائر.

مر هذا الكلام عابرا سالما أربعين يوماً، ولكن الأستاذ  سيد قطب عده اعتداء على دولة الشباب، فأعلن بدء المعركة بين  الشبان والشيوخ في العدد الأخير من مجلة العالم العربي، قال إنه  يواجه الدكتور وسائر الشيوخ بالحقيقة التي يحسها الشبان  ويرددونها في ندواتهم ومجامعهم: إن هذا الجيل من الشيوخ  قد تخلى عن امانته، لا لذلك الجيل من الشبان فحسب، ولكن  للوطن، وللمجتمع، وللإنسانية، وأخيراً للضمير الأدبي كله). وبين هذا التخلي عن الأمانة بأن شيوخ الأدب لم يرعوا قضايا  الوطن المعلقة في خلال الحرب الماضية، وإنما انصرفوا إلى الدعاية  لقضية المستعمرين في الإذاعة والصحف والكتب ابتغاء الذهب،  وإيثاراً للذائذ الخاصة على مصائر الأوطان ومصالح الأقوام.

ولما وضعت الحرب أوزارها لم يكونوا في نصرة الشعوب  العربية التي نهضت تطالب بحقها، ولم يكونوا في الميدان القومي،  بل كانوا في ميدان الحزبية أبواقاً لها. . . ولم يناضلوا لتحقيق العدالة  الاجتماعية إلا قلة منهم استجابي في تخاذل لهتاف الشعب،  واندفعت الكثرة وراء أرستقراطية مصطنعة تتظاهر بها، ووراء  رخاء مادي تناله من ذوي السلطان والثراء، ثم قال:   (هجرتم  صحفكم الأدبية العلمية النظيفة، ورضيتم صحفا أخرى، وواعدتمونا  هناك، حيث لقيناكم وبجواركم الأفخاذ العارية والموضوعات  القذرة) ، وقال   (إننا لم نجد عندكم الضمير الأدبي  الذي كنا نتخيله في الأساتذة المرموقين. فانتم لا تحاولون أن تبرزوا على  المسرح إلا أذيالكم وبطانتكم، والذين يؤدون لبعضكم خدمات  شخصية قد لا يؤيدها الرجل الشريف!. . . وإننا معذورون إذا  شككنا في شهادتكم لبعض الناس، وفي إغفالكم لبعض  الناس!)

وهذه التهم التي وجهها الأستاذ سيد قطب إلى شيوخ الأدب  صحيحة في جملتها، وان كان قد بالغ في بعضها واشتط في بعض. .

ولكن هل هي القضية بين الشبان والشيوخ في الأدب؟ لقد كان كلام الدكتور طه في هذه القضية، أما الغارة التي  شنها الأستاذ قطب، فليس من العدل أن يخص بها الشيوخ دون

الشبان! لأنها قضية الوطن مع الأدباء عامة شيخهم وشبابهم،  وإن كانت تبعة الشيوخ فيها اكبر، بحكم الإقبال عليهم في  الأعمال التي أخذها عليهم، وبحكم مكانتهم والثقة بهم. ولم  يكن فيما قاله من قضية الشبان والشيوخ في الأدب إلا ما جاء في  الفقرة الأخيرة من أن الشيوخ لا يبرزون على المسرح لا أذيالهم  وبطانتهم، وانهم ينحرفون في شهادتهم لبعض الناس وفي إغفالهم  لبعض الناس، ولكن كيف فات الأستاذ قطب أن هؤلاء الذين  يسميهم أذيالاً وبطانات من الشبان الذين يقودون المعركة باسمهم ضد  الشيوخ؟

الاتحاد الثقافي المصري:

عرف القراء مما كتبناه في العدد الماضي من الرسالة، إنه تقرر  أن يقام الاتحاد الثقافي المصري على أنقاض الاتحاد المصري  الإنجليزي المنحل.

ونضيف الآن إلى ذلك إنه تجري الآن تصفية أمتعة الاتحاد  القديم ومحتوياته ليأخذ كل عضو لا يرغب في الانضمام إلى الاتحاد  الثقافي - ما يستحقه نقدا أو عينا، وفي جملة هذه الأشياء مكتبة  الاتحاد، وفي مكتبة قيمة تحوي كبيرا من المؤلفات العربية  والإنجليزية، واكثر هذه المؤلفات تتناول الموضوعات المصرية  من مختلف نواحيها، وكانت الفائدة الوحيدة التي جنتها مصر من  ذلك الاتحاد، استفادة الشباب المثقفين المصريين الذين انضموا  إليه من تلك الكتب.

ولقد أثير موضوع مكتبة الاتحاد قبل نشأة فكرة الاتحاد  الثقافي، من حيث مصيرها والأسف عليها، فلما استقر الرأي  على تكوين الاتحاد الثقافي، هشت نفوس الآسفين لملاءمة المكتبة  لفكرة الاتحاد الجديد. . . ولكن التصفية ستحتم عرضها  للمزايدات والمساومات. . . وهنا تبدد أمل النفوس الهاشة، ولا  يزال الأمر موضع التفكير.

ونحن نعلم أن بين الأعضاء المصريين من كانوا يهبون المئات  والآلاف لحلفائنا الأعزاء. . . ولإنشاء نادي العلمين الذي انكشف  بعد الجلاء عن عراء. . . ولما أضيف إلى   (العلمين)  ميم   (المعلمين)(١)

كانت كميم المساكين، ومن أولي بالعراء منن المساكين؟

فهلا تفضل أولئك الواهبون بأقل مما كانوا يهبون لإنقاذ  المكتبة؟

ولكن الأمل ضعيف في هؤلاء، فمالهم احب إليهم من  العلوم والآداب والفنون، ولا احسبهم سينضمون إلى الاتحاد  الثقافي، ولا باس بذلك فحسبنا الشباب المثقفون ومن في حكمهم  من الشيوخ، أما المكتبة فيمكن فداؤها بجزء من ألف الجنيه  التي كانت الحكومة تمنحها سنويا للاتحاد القديم، وستستمر  على منحها للاتحاد الثقافي الجديد.

هذا وستدعي الجمعية العمومية من الأعضاء المصريين إلى  الاجتماع في أوائل أكتوبر القادم، لتكوين الاتحاد الثقافي.  والفكرة السائدة أن أعضاء مجلس الإدارة سيكونون جميعاً من  المصريين، وان غير المصريين الراغبين في الانضمام إلى الاتحاد  يعتبرون أعضاء منتسبين.

بقي أمر نحب أن نفضي به إلى المشرفين على تكوين الاتحاد  الثقافي، ذلك إنه، وقد هدأت الحالة النفسية التي نشأت مما حدث  في الاتحاد القديم والتي كان من نتيجتها الشعور الحاد بالمصرية،  يجب أن نشرك شقيقاتنا العربيات في الاتحاد الثقافي، ويكون  اسمه   (الاتحاد الثقافي العربي)  لأن العرب جميعاً يتجهون إلى  الوحدة الثقافية، بل هي واقعة فعلا، وجميع الآراء متفقة على  تنمية هذه الوحدة، وإنها ألزم أنواع التعاون العربي لصالح جميع  الأمم العربية.

الشعر والصور:

تتحايل مجلات اللهو والتسلية بشتى الحيل المبررات على  نشر صور النساء المغرية بأوضاعها المثيرة. . . فهذه ذات نظرة  فاتنة، وهذه ترجل شعرها بطريقة مبتكرة، وهذه تداعب كلبها،  وهذه صاحبة اجمل   (مايوه)  وهذه تبدو في   (مايوه سنة ١٩٤٧)   وهذه لا يرضي عنها الشيخ أبو العيون. . .

ولم يقتصر على ذلك نشاط الصحفيين المشتغلين بهذا النوع  من الصحافة، بل امتد إلى الشعراء يستعينون بهم على جديد في  ذلك المضمار. . .

-  ما رأيك يا أستاذ في هذه الصورة؟ -  وجه حالم. . يوحي بالشعر!

وينزل الوحي) على الشاعر فيكون   (جوازاً)  لنشر  الصورة. . . وقد أكثرت تلك المجلات في الأسابيع الأخيرة من  نشر هذه الصور مع أشعار الشعراء، وقد لا يري في ذلك باساً  من ينظر إلى المسالة من الناحية الفنية البحتة، ولكن الواقع أن  ما ينشر من الشعر على هذه الطريقة لا يرضي الخاصة ولا يعجب  العامة، لأنه مصنوع لا يعبر عن عاطفة ولا ينبئ عن احساس، وإنما  يقال بدافع الرغبة في شئ ينشر، فهو أشبه بتصريحات بعض  الكبار للصحفيين التي تكذب في اليوم التالي، لأنهم أرتجلوها  ثم رأوا أنها لا تليق بهم!

ذكرى محمد عبده:

احتفل في هذا الأسبوع بذكرى المغفور له الشيخ محمد عبده  فنشرت الصحف وبعض المجلات كلمات تناولت صاحب الذكرى  من نواحيه المختلفة.

والشيخ محمد عبده حقيق بالذكرى، والناس في حاجة إلى  دروس من حياته، فقد كان من أوائل المجددين في العصر الحديث.  جدد في الفكر الاسلامي، وكان ممن حرروا الكتابة العربية  من تكلف السجع، فقد عدل عما بدا به من التزامه، فأرسل  كتابته طليقة منه، فساهم بذلك في رقي الأسلوب الكتابي  وخلوصه من أغلال الصنعة؛ وقد كان الفضل في ذلك لتوجيه  أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني الذي كان يدعو تلاميذه إلى  صرف الجهد عن الزخارف اللفظية في الكتابة إلى تأدية المعاني  والأفكار مع أحكام التعبير. . .

ومن آثار الشيخ محمد عبده الأدبية   (شرح نهج البلاغة)   وشرح (مقامات بديع الزمان وكتابته في مؤلفاته ورسائله  الخاصة تضعه في صفوف البلغاء من الكتاب. وتمام صفاته  الأدبية براعته في الخطابة، فقد كان من خطباء الثورة العربية  البارزين الذين قادوا الجماهير وغرسوا في النفوس بذور القومية  المصرية.

ذكرى حافظ:

في مثل هذا اليوم الذي يصدر هذا العدد من الرسالة  أي في   (٢١ يوليه سنة ١٩٢٢)  نعى حافظ إبراهيم، فنحن اليوم  في ذكراه الخامسة عشرة، وليت شعري ماذا يفعل قومنا في  أحياء ذكرى هذا الشاعر الذي قاوم الاحتلال بشعره، والذي  وضع سيفه في الجندية المغلوبة على امرها، وشهر سيفا آخر لم يكن  إلا شعره، وجهه إلى صدور المحتلين.

ما أحوجنا اليوم وفي هذه المرحلة التي تمر بها قضية الوطن  قاصدة نحو تمام التخلص من احتلال وادي النيل - إلى ذكرى  شاعر النيل والى شعره الوطني الذي عبر به عن الأم بلاده وأمالها  داعيا إلى الجهاد لتحريرها وإصلاح عيوبها ورفعة شأنها.

وما أحوجنا اليوم، وفي هذه الآونة التي اتجهت فيها الأمم  العربية نحو الوحدة والتضامن في الدفاع عن حقوقها إلى ذكرى  حافظ إبراهيم الذي دعا إلى الوحدة العربية، وقال الشعر في شؤون  الشرق والإسلام، وغرد في حفلات التكريم العربية الجامعة.

وما أحوجنا اليوم، وقد استراح شعراؤنا من الوطنيات  والقوميات و   (المناسبات)  وتعلقوا بذيل فكرة   (الفن للفن)   إلى الانتفاع بذكري حافظ إبراهيم.

اشترك في نشرتنا البريدية