الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الأدب والقومية العربية

Share

. . . موضوع الحديث الذي أريد ان أشرف بالقائه الآن بين ايديكم هو تأثير الادب في تقوية القومية العربية وتنميتها بعد ان كونها الاسلام وتأثير الادب في محاولة تكوينها قبل ظهور الاسلام . . والواقع ان الامة العربية من شمالها الى جنوبها ، ومن شرقها الى غربها ، كانت في العصر الجاهلي مختلفة اشد الاختلاف : قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب ، ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي الا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة ، وانما الذي استطاع ان يؤلف شيئا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يكد ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الامة العربية كلها في جميع اطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية ، فكان الشاعر العربي اذا انشأ قصيدة وانشدها في مجموعة من المجاميع ، فهمها عنه الناس مهما تكن قبائلهم ، ومهما تكن لهجاتهم او لغاتهم الخاصة . . ثم لم يكتفوا بفهمها وانما كان الرواد يتناقلونها عن الشعار ، وكانت القصيدة لا تكاد تنشد حتى تشيع في الجزيرة العربية ويحفظها كثير من الرواد في الاقطار المختلفة من اقطار الجزيرة . فأول توحيد للعقل العربي انما جاء من هذه الناحية . . من هذه اللسان الذي اتاح للغة العربية في العصر الجاهلي ان تكون لغة اجتماعية وان تكون لغة تستطيع القبائل - على تباعدها واختلافها وخصومتها - ان يفهم بعضا البعض ، وان يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر . . فالمكون الاول في المحاولة لايجاد وحدة لهذه القبائل العربية ، انما هو الادب ، والشعر من الادب بنوع خاص ؛ لانه هو الذي سبق الى الوجود ولم يوجد أخوه النثر الا بعد عصور تطاولت قليلا . . والقومية العربية , اذا اردنا ان نعرف متى تكونت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية ، فينبغي ان نرد هذا الى ظهور الاسلام - فالمكون الحقيقي للوحدة العربية بجميع انواعها وفروعها : الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضا ، انما هو النبيء ، هو الذي جاء بالقرآن ودعا الى الحق واجتمع حوله الاقلون من أصحابه . وجعل الاقلون يكثرون شيئا فشيئا حتى كانت الهجرة وحتى أسست أول مدينة اسلامية ، او بعبارة ادق ، اول مدينة عربية منظمة عرفها التاريخ .

ولا اذكر اليمن القديمة لاني لا أكاد اعرف من حضارتها ونظمها شيئا ، وإنما المدينة الاولى التي عرفها التاريخ والتي تكونت فيها النواة الاساسية للقومية العربية هي مدينة " يثرب " بعد ان هاجر النبىء اليها مع أصحابه من " قريش " . ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لاهلها من العرب وانما كان اليهود يشاركونهم فيها . . من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من ايسر الاشياء ان يتخطفها العرب من حولها ، لولا ان الله ايد رسوله وايد المدينة برهله . . من هذه الوحدة ، جعل الاتحاد العربي ينمو قليلا قليلا , باللين حينا وبالعنف وبالشدة حينا آخر . . ولم ينتقل النبىء الى جوار ربه الا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية ، ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن ، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا اليه القرآن من العدل والانصاف والمساواة بين الناس ولها حكامها الذين لا يستأثرون على احد ولا يؤثرون انفسهم بخير ، وانما هم خدم للامة العربية ، ينشرون بينها العدل ويعلمونها شرائع الدين ، ويهيئونها لاداء واجبها الانساني العظيم . وبعد ان اتم النبي توحيد الامة العربية ونهض خلفاؤه من بعده جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية الى الاقطار الاخرى ، واول هذه الاقطار التي انتشرت او التي تجاوزت العروبة جزيرتها اليها ، ينبغي ان نلاحظ انها كانت اقطارا قد استعربت شيئا ما في العصر الجاهلي . فاول ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون ان ينشروا الاسلام ويدعوا الى دين الله ، ذهبوا الى العراق والى الشام . . وكان الشام قد استعرب قبل الاسلام ، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب حيث كان الغسانيون يقيمون ، بل الى داخل البلاد الشامية ، وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الاسلام . . تأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر وهي حياة الروم وتدينت بالدين الذي كان الروم يدينون به وهو النصرانية . .

والعراق كان ايضا قد سبق اليه العرب في الجاهلية ، وتأثروا الى حد ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة ، وتأثروا الى حد ما بسياسة الفرس ، ولم يستطيعوا ان يستقلوا بازاء الفرس كما لم يستطع الغسانيون في الشام ان يبلغوا بازاء كثرة الروم فكان العرب في العراق ، وكان العرب في الشام حماة لحدود الامبراطورية الرومانية في الشام وحماة لحدود الامبراطورية الفارسية في العراق . .

ولم يكن الفتح الاسلامي في اول امره الا يسيرا عندما التقى بهذه العناصر المستعربة في الشام وفي العراق ، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة واهتم الروم من جهة اخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفق الى الشام والعراق ، اصبحت القومية العربية امام واجب خطير وهو ان تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين الامبراطورية البيزنطية في الشام والامبراطورية الفارسية في العراق . .

هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين في الشام وفي العراق ، ولكنها لم تقف عند هذا الحد وانما تجاوزته الى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل . . . تجاوزتها الى مصر في المغرب وتجاوزتها الى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق وانتصرت على الروم في مصر كما انتصرت على الفرس في بلادهم واذالت دولتهم ، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمال افريقية ، واستقرت العروبة في شمال افريقية بعد خطوب شداد ، ثم تجاوزت افريقية الى القارة الثالثة التي لم يكن العرب يعرفونها قبل الاسلام وهي القارة الاوربية ، ففتحت الاندلس واستقرت العرب في اسبانيا كما استقروا في افريقية وكما استقروا في شرق الدولة الاسلامية في بلاد الفرس ووصلوا الى اطراف المعمورة . . منذ ذلك اليوم تعقدت القومية العربية . . لم تصبح أمة تعيش فى وطنها الذي نشأت فيه خالصا لها هذا الوطن ، وخالصة هي لهذا الوطن وانما اصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها ونزلت الى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي ، ولم تكن هذه الاوطان والبيئات تعرف عنها الا الشيئ القليل . . واغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية , هو انها عندما استقرت في هذه البلاد التي افتتحتها وحاولت ان تستقر فيها ، عندما اتيح لها هذا النوع من الاستقرار . لم تكنف به ، ولم تكتف بان تستقر في الشام حكومة متسلطة ، او في العراق حكومة متسلطة او في بلاد الفرس كذلك - لم تتكف بامتلاك الارض ، ولم تكتف باخضاع الناس للسلطان لانها لم تكن تريد ولم تكن تريد ان تملك الارض وان تخضع الناس بسيطرة سياسية فحسب ، وانما كانت غايتها قبل كل شيء - ان تملك القلوب وان تسيطر على الضمائر وان تدخل في اعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها ، وبشرط ان يكون هذا كله دون اكراه او عنف . واذن ينبغي ان ياتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة ، بل من غير محاولة

في اكثر الاحيان . . فبعد ان غلب المسلمون ضمن العرب على هذه البلاد ، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم ، ولم يفرضوا عليها دينهم ، لانهم اكتفوا منهم بالاصول التي قررها الاسلام وهي الاسلام لمن اراد ان يسلم عن رضى او اداء الجزية .

والغريب ان هؤلاء العرب الذين كانوا يطمحون الى حكم الاسلام ويطمحون الى ان يصلوا الى اعماق القلوب والضمائر والوجدان دون اكراه ودون اية محاولة للأكراه . . الغريب انهم ظفروا بكل ما كانوا يريدون في ايسر اليسر واسهل السهل ، فلسنا نعرف ان احدا اكره احدا على ان يسلم بعد الفتح وانما الذي نعرفه هو ان كثيرين من المعربين مثلا كانوا يريدون ان يسلموا وكان بعض الولاة من ولاة بني أمية يكرهون منهم ذلك ، مخافة ان ينقص الجزية ومخافة ان ينقص ما كان يجب ان يرسلوه الى دمشق من الخراج . وكان كثير من المصريين يحاولون الاسلام وكان امراؤهم وولاتهم يأبون عليهم الاسلام . . .

ومن اجل هذا كتب عمر بن عبد العزيز الى بعض ولاته يقول " انما ارسلتم مبشرين لاجباة " .

اذن فقد اسرع الاسلام الى القلوب والعقول والضمائر والوجدان ، ثم لم يسرع الاسلام وحده ، فالاسلام انما هو مشتق قبل كل شيء من القرآن ، ومن حديث النبي والقرآن عربي وحديث النبي عربي والذين يسلمون ويستطيعون ان يتعلموا الاسلام دون ان يعرفوا العربية لم يكونوا يكتفون بأن يعرفوا قواعد الاسلام واصوله وإنما هم في حاجة الى ان يؤدوا هذا الغرض الاساسي من فرائض الاسلام وهو الصلاة ، وهم في حاجة الى ان يعرفوا اصل هذا الاسلام وهو القرآن ، فما اسرع ما انتشرت اللغة العربية بينهم . . واغرب من هذا كله ، ان قرنا وبعض قرن قد مضى بعد الفتح ، اذا هذه البلاد التي فتحت والتي بقي فيها اهلها ، اسلم من اسلم منهم ، وبقي على دينه من بقي منهم على دينه - اذا هذه البلاد قد اخذت تتعلم العربية وتتقنها سواء منهم المسلم او غير المسلم ، وربما كان غير المسلمين اشد حرصا على تعلم اللغة واتقانها .

وفي نصف القرن الاول - اي قبل ان يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلا - كان بعض الفرس قد اتقنوا العربية وبرعوا فيها ، واخذوا يناقشون العرب في الشعر العربي نفسه ووجد في أيام بني امية شعراء يعدلون الشعر ، كافصح ما

يكون الشعر في اللغة العربية واصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية الا بعد ان اسلموا وبعد ان قاموا مجاورين للعرب في بلادهم او في جزيرة العرب نفسها .

ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر الى القومية العربية فنرى عجبا من العجب نرى مهد القومية العربية قد هجر او كاد يهجر ، ونرى الجزيرة العربية قد عادت اوصالها الى بداوتها القديمة ، وظلت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يدرس فيهما من الدين والعلم ، ولكن البيئات القديمة البدوية في نجد عادت الى بداوتها وعادت الى شيء كثير من عزلتها القديمة وكادت الصلة تقطع بينها وبين البلاد الاخرى ، واذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها ، وانما هي - قبل كل شيء - في هذه البلاد التي فتحت ، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الاصليين .

ومعنى هذا خطير كل الخطورة ، فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدا . . وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية ، وكانت للشام لغات سامية وكذلك في العراق وفي الجزيرة وكان المصريون يتكلمون لغتهم القبطية . وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية ولغة السياسية والثقافة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية ولغة الثقافة والسياسة في شمال افريقية وفي اسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية .

وننظر في اواخر القرن الثاني ، فاذا كل هذه اللغات قد تركت اماكنها من السنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية . . . فالفرس يتكلمون العربية ويكتبونها ويزاحمون العرب انفسهم فيزحمونهم واذ الفرس هم الذين يضعون كتب واصول النحو العربي ، واذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها يشاركون العرب في هذا كله ويغلبونهم عليه احيانا واللغات السامية التي كان الناس يتكلمونها في سوريا ويتكلمونها في الجزيرة ويتكلمونها في العراق ، عادت كلها الى الاديرة ، واصبح الناس يتكلمون اللغة العربية واللغة العربية بطبيعتها اصبحت لغة السياسة ما دام الحكام عربا ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث ان اصبحت لغة للثقافة والعلم ايضا . . .

واذن هناك قومية عربية جديدة انشأها الاسلام ، لم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص وانما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر التى رايتموها ، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد . فانشأ الاسلام اذن امة جديدة وجعل

هذه الامة عربية : عربية اللغة وعربية التفكير والشعور . . عربية الحضارة وعربية العلم والثقافة والادب .

ومن غريب الظواهر الادبية التي تلاحظونها في حياة هذه القومية الجديدة التي انشأها الاسلام والتي الغى فيها الفروق بين الاجناس ، والغى فيها ان يكون العربي على اعجمي فضل الا بالتقوى من اغرب الظواهر التي ترونها ان الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه ، واصبحوا هم السنة الامة العربية بمعناها الجديد ، لم يكن منهم شاعر عربي خالص . . كان بعضهم فارسيا وبعضهم نبطيا وبعضهم يونانيا . . لم يكن منهم شاعر عربي خالص وانما كانوا جميعا من هذه الامم التى استعربت واعربت عن شعورها القديم وعن عقولها القديمة وعن وجدانها القديم في الشعر العربي والعقل العربي والوجدان العربي .

وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نسميه الآن بالمشرق العربي وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة ، ولكنها لم تستطع ان تمحو هذه اللغات الوطنية ، فظل المصريون يتكلمون لغتهم القبطية وظل اهل الشام يتكلمون لغتهم السامية والارامية وظل اهل الجزيرة والعراق كذلك ، وكانت اللغة اللاتينية سائدة في شمال افريقيا وفي اسبانيا ، ولكنها لم تستطع ان تقهر لغة البربر في شمال افريقية ، ولا ان تقهر الاسبانيين على ان يتركوا لغتهم الوطنية الاولى . ولكن اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية وقهرت معها اللغات الوطنية ايضا وقهرت اللاتينية في المغرب وقهرت معها اللغات الوطنية ايضا وقهرت اللغة الفارسية اربعة قرون تقريبا .

كل هذا ان دل على شيء فانما يدلكم على قوة اللغة العربية وقوة الطبيعة العربية ، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل او المؤثر الاول في انتشار العرب خارج جزيرتهم ، ثم في تكوين هذه الامة العربية الجديدة . . . ومن المحقق ان البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث لا يمكن ان تكون مؤلفة حقا من عناصر عربية خالصة الى عدنان وقحطان ، وانما هي عربية بلغتها ، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها ، وعربية بدينها سواء أكان هذا الدين اسلاما ام كان نصرانيا . . هي عربية بهذا كله . . اثرت العروبة على غيرها واصبحت امة عربية جديدة كونها الاسلام وكونها دون اكراه او ارغام او عنف ، فتكونت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر . . واخص مزايا هذه القومية العربية انها حرة متسامحة ، وانها

مفتوحة الابواب لا مغلقتها وانها متعاونة مع الذين يحبون ان يتعاونوا معها ، فهي قبلت الثقافات الاجنبية في عصورها الاسلامية الاولى . . قبلت ثقافة الهند والفرس واليونان ، وقبلت كثيرا جدا من الثقافات السامية القديمة ، ومن ثقافة المصريين القدماء . . . قبلت هذا كله وصاغته وجعلته عربيا ، ثم لم تكتف بهذا ولم تستأثر به من دون الانسانية المتحضرة ولكنها جعلت تنشر ما تستطيع ان تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعا فأثرت بثقافاتها العربية الجديدة في الشرق في الهند وفي بلاد الصين ، واثرت بثقافتها العربية الجديدة في اوروبا في الغرب . . . وفي اوروبا لم تؤثر بعملها وفلسفتها فحسب ، ولكنها اثرت بعملها وفلسفتها ، واثرت بشعرها ايضا ، وهي التي علمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى ان يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا .

هذه ، ايها السادة . هي القومية العربية كونها او حاول تكوينها الشعر أول الامر ثم كونها القرآن آخر الامر ، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف ولا اكراه على العالم القديم حتى احتلت مكانة الامبراطورية الرومانية واحتلت مكان الدولة الفارسية وهي الآن بعد ان عدت عليها الخطوب وبعد ان الحفت عليها الكوارث ، وبعد ان الح عليها الترك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم ، وبعد ان اضطرت الى الخمول والى الضعف ، ظلت على الرغم من هذا كله محتفظة بقوميتها ، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها . . ظلت محتفظة بهذا كله . وقد عرضت لها الخطوب المختلفة ، فانقسمت واشتغل بعضها عن بعض ونشأت فيها دول ، برغم هذا ظلت واحدة . . واحدة في الشعور وواحدة في التفكير وواحدة في الآلام وواحدة في الآمال .

وصدقوني - ايها السادة - ولا تظنوا اني اريد أن أغركم عن انفسكم ، ان كانت الامة العربية قد اخذت الان تنهض واخذت تعرف نفسها ، واخذت تعرف حقوقها وتعرف واجباتها فالفضل في هذا كله انما يرجع الى الادب والى الادب وحده .

ما الذي انشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية ؛ هو انها التقت بالغرب , وعرفت حياة غربية لم تكن تعرفها . . كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي فلم تكن تعرف الغرب ولا تكاد تسمع به وكاد الغرب هو نفسه ان ينساها اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في اواخر القرن الثامن

عشر وفي القرن التاسع عشر الى ان تعرف اوروبا ، فرأت الوانا من الحياة جديدة وارادت ان تعرف من هذه الحياة شيئا ، فجعلت تتعلم اللغات الاوروبية واذا هي تعرف المطبعة ، ولم تكد تعرف المطبعة حتى ذكرت ان لها كتبا قديمة مكدسة في المساجد وفي الكنائس والاديرة واذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب وكان احياء الادب العربي القديم بفضل المطبعة ، كان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة . . ضمن هذين التيارين نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية . من الذي انشأها ؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلموا والذين كانوا يقرأون الكتب القديمة وينشرونها ويتعلمون اللغات الحديثة ويترجمون منها والذين كانوا يذيعون العلم والادب في بلادهم وفي البلاد المجاورة ومن هؤلاء القوم ومن هؤلاء الناس ؟ انهم هم طليعة الادباء المعاصرين .

وثقوا ايها السادة ان هذه النهضة ما كانت لتنهض وما كانت لتؤتي ثمرتها وما كانت لتنشأ عنها هذه الدول الجديدة وهذه الحياة العربية الجديدة ، لولا المثقفون والأدباء سواء منهم الشعراء والناشرون . . لولا هؤلاء ، ما نهضت البلاد العربية .

والاغرب من هذا ، ان كل الاحداث الكبار التي نشأت عن هذه النهضة وما حدث في البلاد العربية على اختلافها من هذه الاحداث التي هزتها ومن هذه الثورات العرابية في مصر والثورة التي نعيش فيها الآن في مصر والثورة على الفرنسيين في الشام وفي الجزائر وعلى الانجليز في العراق . .

الشيء الذي استطيع ان أؤكده لحضراتكم وانا مطمئن الى اني لم اتجاوز الحق هو ان كل هذه الاحداث انما انشأتها الثقافة وأنشأها الادب ، والمؤسسون الحقيقيون لكل هذه الثورات انما هم الادباء والكتاب والشعراء ولا شيء غير هؤلاء .

الادباء ايها السادة هم الذين احسوا آلام الشعوب وهم الذين صوروا هذه الآلام وهم الذين اشعروا الشعوب بحقوقها وعلموها واجباتها ورسموا لها طريقها الى مثلها العليا وهم الذين سبقوا الى آمال هذه الشعوب فصوروها وزينوها وحببوها الى الشعوب . والذين قاموا بالتنفيذ ، وقاموا بالحركات الثورية العملية ليسوا - في حقيقة الامر - الا تلاميذ هؤلاء المثقفين الادباء .

وقد تقولون اني لم احدثكم الى الآن عن الادب والقومية العربية ، وان كنت انا اعتقد انى لم احدثكم الا في هذا الموضوع فكل ما قلته لكم منذ ان بدأت الحديث على طوله الى الآن ، ينتهى الى شيء واحد هو ان القومية العربية مدينة بوجودها وقوتها ونموها للادب العربي وان القومية العربية الحديثة مدينة بنهضتها وقوتها وبهذه الآمال العراض التي تطمح اليها الى الاديب العربي الحديث . ومعنى هذا ان الادب يجب ان يكون وفيا لنفسه يؤدى واجبه في العصر الحديث كما اراه في العصور المختلفة او خير مما اداه في العصور المختلفة لان طبيعة الحياة هي القوة والذكاء وليست هي الجمود والاستقرار ، فاذا كان الادب قد ادى واجباته الى الان ، فينبغي ان يؤدي هذه الواجبات في تقوية القومية العربية وتكوين هذه الوحدة العربية التي ورثها العرب عن اسلافهم وعن ابائهم الاول . . تكوين هذه الوحدة التي اضاعتها الاحداث والخطوب . . يجب ان تعود ويجب ان تتم ويجب ان تقوى ويجب ان تكون الامة العربية واحدة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة وان يكون العرب كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وان لا يذهب العرب هذه المذاهب المتفرقة : قوم يخلصون للفكرة العربية ، واخرون يخلصون ببعض قلوبهم ولا يخلصون بها كلها . . كل هذا يجب ان يزول والوحدة العربية يجب ان تتحقق ، وليس الى تحقيقها الصحيح من سبيل الا ان ينهض بها الادباء ؛ هم بناة القومية العربية وهم الحفظة عليها وعلى نموها وقوتها ، وهم الذين اخذوا يكونون هذه الوحدة وعليهم ان لا يريحوا ولا يستريحوا حتى يتم تكوين هذه الوحدة وحتى تمضي الامة العربية في طريقها الى الحياة الراقية المجيدة السعيدة كما ينبغي لها ان تحيا وكما ينبغى لها ان تعيش في هذه الايام التي يملأها القلق ويملأها الاضطراب .

ايها السادة لا تنتظروا مني ان اتحدث اليكم بالتفصيل عما فعل الشعر في هذا العصر او ذاك او عما فعل النثر في هذا العصر او ذاك فلسنا هنا في جامعة ولست القي عليكم درسا في الادب او درسا فيما شئتم من الموضوعات وانما اريد ان يكون هذا الاجتماع او هذا المؤتمر الذي اشرف بالحديث اليكم فيه الآن والذي اتيح له ان يجتمع في مدينة القاهرة ، اريد ان يكون مؤتمرا ينصرف ويتفرغ أعضاؤه وقد استشعرت قلوبهم هذه القوة التي ليس منها بد وهي التي تأتي من علمهم بانهم هم الذين عليهم قبل كل شيء بناء الحياة العربية الجديدة ، فان نهضوا بها فذاك وان لم ينهضوا بها كما ينبغي فعليهم وعليهم وحدهم هذا التقصير .

اشترك في نشرتنا البريدية