عرض الأستاذ الفاضل الكرداني في مقالة (الأدب والمجتمع) لموضوع الفن لذات الفن، والفن لخدمة المجتمع الذي كان نقطة نقاش بين الأستاذين أحمد بك أمين وتوفيق الحكيم على صفحات (الرسالة) منذ زمن.
ولكن نظرته كانت جديدة حينما ربط بين الأدب وبين النزعة الاشتراكية التي وجهت أكثر الكتاب إلى الوجهة الاجتماعية وصرفتهم عن الفن لذاته. وبذلك يكون الأستاذ الفاضل قد أضاف إلى موضوع الفن الرفيع شيئاً جديداً يشكر له، ولفت الأنظار إلى السبب الرئيسي أو المباشر الذي حول الكتاب إلى الناحية الاجتماعية.
ثم يقول في كلامه عن الإنتاج الأدبي وعلاقته بالأفراد:
(أليس المجتمع سوى مجموعة أفراد؟) ولكني أقول له: إن علم الاجتماع ينظر إلى المجتمع على أنه وحدة لا تنقسم، وجميع عناصره أو أعضائه لا يمكن أن توصف أو تفسر تفسيراً علمياً إلا إذا نظر إليها ككل واحد لا ينقسم. وعلى ذلك فليس من الضروري إذا تناول الأديب وقائع خاصة أو أحداثاً شخصية فردية أن يكون ممثلاً للجماعة، بل إنه لم يزد في هذه الحال على أن يكون ممثلاً لنفسه ولنفسه فقط.
على أني أسلك في تفسير الأدب الرفيع مسلكاً آخر غير الذي سلكه الأستاذ فأقول: إن الأدب، سواء وصف أحداث المجتمع أو تناول أهواء الفرد، هو أدب له قيمته. ولا يغض من شأنه، أو ينقص من قيمته، إلا عجزه عن التصوير الدقيق والتأثير البليغ.
ويقول الأستاذ في آخر المقال تقريباً: (لا نعرف الفنان إلا خيراً، ولا نعرف الفن إلا خيراً صرفاً كله) . وأكرر ما قلته أولاً أن الأدب لا يكون غثاً إلا إذا جاء تصويره فاتراً، وتأثيره على النفس واهناً. والشر في الأدب لا يقلل من قيمته، بل قد يكون من دواعي رفعته. ونضرب مثلاً على ذلك أبا نواس في الأدب العربي، وبودلير في الأدب الغربي؛ فهذا صور في شعره شهواته الجارفة وخمره وغزله بالذكر، وذلك أتى من ضروب تصوير اللذة البهيمية ما رفعه إلى الذروة في الفن. وكلاهما لم يخرج عن الشر في صوره الأدبية في الغالب.

