أرى من واجب كل متأدب أن يسعى لإعظام الأدب والأدباء ومراعاة جانب الوفاء والتبجيل لأهل الفن ، لأن فى ذلك اعترافا بما لهؤلاء من يد على الناس لاتجحد ، وفيه - عدا ذلك - تقدير لهذه الموهبة التى أضفاها الله على بعض العباد من خلقه . فإن متذوقى الأدب والفن هم أعرف الناس بهذه المواهب وهم الواقفون على ما تنطوى عليه نفوس أهل الفن من رهافة فى الحس وانطلاق فى الفكر واستجابة لدواعى الوحى والإلهام ، أما البسطاء من الناس الذين لم يؤتوا حظ العلم ، ولم تساعدهم الحياة الراهنة على التثقيف والتعليم ، فعذرهم ظاهر حين يمرون بالأحداث الأدبية مرور الساهم الداهل ، فلقد كان الجهل بالشئ وما يزال عذرا قائما ، ومبررا واقعا يعفى من الجزاء ويزيل أسباب العتاب . قدمت هذه المقدمة لكلمة أريد أن أرسلها هادئة لينة
إلى روح فقيد الأدب العربى الدكتور زكى مبارك ، الذى اخترمته المنون منذ أيام فى القاهرة أثر عملية جراحية غير ناجحة ، فسكت بالموت لسان عضب وقلم مرهف ، ما تكاد تعرف العربية أمضى منهما ولا أحد . وذكر الموت وحده ذكر راهب مخيف مرهوب ، فكيف إذا كان الميت أديبا أو شاعرا أو مفنا ؛ وإذا فالخطب يكون جللا والمصبية تصبح عظمى . وما يسع الأحياء فى مثل هذه الأحوال إلا الرحمة والأسى والذكر الجميل .
والذى أعرفه أن هذا الأديب الكبير ليس من مواليد القاهرة وإنما هو ابن الريف الصميم ، أما هيئته فكانت أميل إلى الضخامة والسمن . وكان طوالا أسمر على أنفه أثر لوشم قديم ، أما شعره فكان أشمث ظاهر الاضطراب ، يحمل على عينيه نظارة تعينه على القراءة ، شأن أكثر الأدباء الذين يعيشون مع الكتب ومن صفحاتها لا سيما فى الزمن
القديم ، زمن الأزهر الأول ، لم يكن غير الكتب الصفراء والمخطوطات والطبعات الحجرية غير المقروءة ؛ فإذا دخلت عليه داره لم تكد تعثر عليه إلا وراء صفوف من الكتب المبعثرة الملقاة على الأرض والنوافذ والسلالم ، فإذا رأيته حسبته أحد أولئك الرهبان الذين لا يرون الناس إلا فى الفترات المتباعدة ؛ وإنما أكبر همهم فى العبادة والتقوى .
فإذا قيض لك الحديث معه وجدت علما جما وشعرا كثيرا من خير ما حفظ الأواخر للأوائل ، وشهدت لغة ناصعة لا كلفة فيها ولا حذلفة ولا لحن ؛ بل هو يأتيك بالكلمة كأنما يقرأ فى قاموس مأمون ؛ فإذا ذكرت له الأدباء تنحنح قليلا وتطامن بعض الشئ ، فإذا زدت فى إحراجه اندفع من فيه القول كالقنابل تنشظى ذات اليمين وذات الشمال ،
وما عليك حينذاك إلا أن تطأطئ الرأس وتغير اتجاه الحديث ؛ وإلا فأنت من الهالكين المهجوين بلسان لا يرحم وكلام لا تنفع فيه حيلة ولا مصانعة .
وما كاد يخطو الخطوة الأولى جد انتهاله من الأزهر، حتى حمل قلمه على كتفه يخز به هذا وينخس ذاك حتى اجتمع عليه الناس وتألبوا ، فأخذ يدفع هذا بيمينه ويصدم ذاك بيساره . وظل كذلك بين مصاولة وهجوم ، ودفاع ونزال حتى أخذ الله أمانته ؛ فتوفاه منذ قريب ، وانتهت بذلك ثورة لم يعرف تاريخ الأدب إلا القليل من أمثالها ، واختتمت بذلك رواية ذات فصول ومشاهد كلها أخذ ورد وهزيمة وانتصار.
فى هذا الأديب الكبير صفة أو ميزة قد لا توجد عند ، سواه ، فقد كان أول أمره شاعرا على ما يبدو ، وكان ذا موهبة لا بأس بها ، فإن له من الشعر الندى الموسيقى ما يجعله فى حلبة الشعراء لا فى المقدمة ولا فى المؤخرة ، ولكن مثل هذه النفس الثائرة لا ترضى التوسط فى أمر ، بل هى تحب أن تندفع بحق أو بلا حق إلى الرعيل الأول ، ضاربة بكل شئ عرض الخائط ؛ وهذا قد يمكن فى كثير من مناحى الحياة إلا فى الفن ، لأن فى الفن مسألة الموهبة والفطرة ، فإذا لم تتوافر هاتان الميزتان فإن التقدم لن يكون مهما يسع إليه أو يحتشد له .
ولهذا اضطر صاحبنا - رحمه الله - إلى التفلت من قيود الشعر المرهفة وانسرح فى سهوب النثر اللينة الهينة ، فرأى فيها روحا واطمئنانا ، ولكنه استفاد من ملكته الشعرية ، إذ غدت كتابته ملأى بكثير من التعابير الفنية ، والجرس الموسيقى ، والتزاوج بين الألفاظ بما لا يتأتى إلا لمن عانى النظم معاناة فعلية . ومن هنا نشأت لديه أيضا حاسته الذواقة فى نقد الشعر ، ودليلى على ذاك كتابه فى الموازنة بين الشعراء ففيه معرفة دقيقة وحساسة ظاهرة بموضع الكلمات والقوافى ، وبالنغمة الشعرية التى تخطئ أكثر الناقدين والمتأدبين .
واسمع له هذا النظم الرقيق الرصين فى إهداء كتابه " البدائع " إلى والده رحمهما الله :
ما زلت أمرح فى نعمى وعافية
من نيلك الجزل ، أو من رأيك الحسن
وأسهر الليل فى علم ، وفى أدب
أبغى رضاءك ، عن قصدى ، وعن سننى
فاليوم أهديك ما أبدعت من أثر
أبقى على الزمن الباقى من الزمن
أرأيت إلى هذا التقطيع الجميل والقافية الرصينة الهادئة فى مكانها ، ثم ألم تعجبك هذه البارقة الشعرية " على الزمن الباقى من الزمن " واسمع له أيضا يتغزل :
أنت ورد فهب محبك شوكا
أترى الورد عاش من غير شوك
وإنه لمبرر جميل شاعر . واسمع أيضا :
رأيت حياة المرء ما بين ساعة
تطيب وأخرى لا تفيق من الهم
أو لم تعجبك هذه الساعة التى ( لا تفيق ) من الهم :
ضاق الفضاء على من عبث الصبا
ورحمت فضلى من هواه العائث
فأغث فديتك يا مشيب كرامتى
إنى سئمت من الشباب العابث
هذا لون من شعره ، أما نثره فهاك بعضه لتوقن
أى قرب بينهما ، وكيف أن النظم قد حسن من أسلوبه النثرى وصقل من لفظه .
قال يخاطب امرأة : " قرأت خطابك البديع ، بعد انتظاره أياما كانت أمر من الصبر وأقسى من الهجر ، ولقد قبلته ثم قبلته حتى خفت أن تبلى سطوره من زفراتى المحرقة . ولو رأيتني وأنا أضمه إلى رسائلك السالفة لرثيت لصبرى المغلوب ودمعى المسكوب ، ولكن فى سبيل الحب ما أعانى " .
وقال من رسالة أخرى : " فما لأهل الجمال يضنون علينا بما سوف يشبع الدود منه لثما . ويأكله التراب أكلا لما .
أما والله إن أرواحنا لفى حاجة إلى بعض ما تنعم به الوسائد من الخدود ، والمراود من الجفون ، والمساويك من الثغور ، والأمشاط من الشعور ، والغلائل من الأعطاف ، والزينة من الأطراف ؛ فلم تحرموننا فى رأفتنا بكم وحبنا لكم مما تكرمون به الجمال ليلا ونهارا ؛ على أنه لا يعرف ما حف به من حسن ، وأحدق به من الجمال " . ألست تجد من المقارنة بين هذا الكلام المنظوم والمنثور شبها لا يأتيه الباطل ، وتقاربا تعجب له وتشعر به ، ولقد تثقف الرجل حتى كاد يبز أقرانه ، وشرقى وغرب حتى كل من السفر ، فهو آنا فى باريس وآنا فى بغداد ويوما فى القاهرة أو بيروت ، ولا يكاد يفارق القلم فى كل هذه الأسفار المتواصلة إذ كانت الكتابة عنده طبعا لا تكلف فيه ، وكان يكتب كأنما ينتفس كما كان يقول - لامارتين - وهذه صفة تلازم الأدباء المطبوعين الذين لا يتصنعون الإنتاج ولا يحتفاون له ؛ ولعل هذا اليسر فى إبداء الآراء عند هؤلاء الموهويين هو السبب الأول فى ظهور بعض الأخطاء عندهم وفى وجود شئ من الخطل فى الفكر بسبب السرعة التى تقرب من الارتجال وبسبب الثقة التى يحملها الموهوب لنفسه فلا يحاسبها ولا يدقق فيما يفيض عنها ؛ ومن هنا أيضا نشأ ما يسمونه بالسطحية - عند أولئك - إذ أنهم لا يتعمقون ، بل هم لا يحاولون الوصول إلى الأغوار بعد أن شغلتهم ظواهر الوجود وما يبدو فيه من جمال يأخذ عليهم كل سبيل .
وكان هذا الأديب النادر يتمتع بصفات قلما توجد عند أرباب الفنون فى هذا الزمن الذى تغير فيه كل شئ إذ كان
شريف النفس إلى أبعد الدرجات لا يساوم ولا يفاوض ولا يمالئ ؛ وإنى لأذكر ويذكر معى المطلعون أن كثيرا من أدباء العصر قد سخروا أقلامهم فى الحرب الماضية والتزموا الجانب الغربى ، فى حين لم تكن لهم مصلحة وطنية فى ذلك ، وفى حين أنهم على شبه يقين من أن الغرب لا يعطى العرب حقوقهم على سبيل الوفاء بالوعود أو القيام بتحقيق العهود ، وإنما ينبغى لهذا الغرب المتغطرس ما يضطره اضطرارا إلى الانصياع وما يقتسره اقتسارا على التنازل عن بقايا الفريسة . فكان زكى مبارك الوحيد الذى لم يؤجر قلمه وظل يقول أفكاره مجلجلة مدوية فى سماء العرب حتى ظلمه إخوانه فاتهموه بالشراسة وحب المشاكسة وهو براء من هذا كله . اللهم إلا قوة فى المعارضة وشدة فى النفس وعراقة فى القومية والدين جعله فى معزل عن ثرهات الزلفى وسموم الوضاعة والذل .
وينتهى به المطاف إلى شارع عماد الدين منذ أيام ويكون فى حفل من إخوانه وصحابته يسمر معهم متباعدا عن علية القوم وأهل الجاء والحول والطول ، فينزل به القدم فيهوى إلى القاع وقد شج رأسه شجا بليغا ، وعمل إلى الطبيب لإجراء العملية المشئومة فيكون فيها القضاء عليه ، وتنتهى بذلك هذه الحياة التى أضناها السفر وأتعبها الصيال وهى اليوم أهنأ ما تكون بالراحة الأبدية تلقاها بعد عناء فترى السعادة فيها بعد الشقاء . وإنى لأختم هذا الحديث بأيات قالها فى صدر شبابه توضح ألمه الدفين وتفسر كدره البادى على كل ما كتب :
لعمرى لقد أقصرت عن عبث الصبا
وودعت أيامى بمنعطف الحزن
وما كان بعدى يعلم الله عن قلى
ولكنها الأيام تقصى ولا تدنى
بكيت على صفو الشباب لأننى
قضيت شبابى فى مكافحة الحزن
ومالأت أهل العصر حتى بلوتهم
فلم ألق من حر ولم أرض عن حزن

