في سنة ١٩٢٨ ونحن نطلب (العلم) في الدراسات الأخيرة للأزهر انتبهت نفوسنا وأذهاننا لأمر جديد اسمه الإصلاح، أقصد إصلاح الأزهر. وكان مثار هذا التنبه المفاجئ أن شيخاً مصلحاً عظيماً ولى مشيخة الأزهر عرفناه باسم الشيخ المراغي وبوصف الإمام المصلح خليفة الشيخ محمد عبده.
ثم انتهينا من طلب (العلم) ولم تنته نفوسنا ولا أذهاننا من الانتباه بل الاندفاع مع ما فاضت به قلوبنا من الرغبة ومن الاقتناع بضرورة الإصلاح للأزهر. ومن الرغبة والاقتناع بضرورة (تجديد الحياة الدينية) في مصر والشرق.
وبقي الشيخ المراغي في الأزهر فترة ثم تركه، ولكن الحديث عن الإصلاح والتجديد ظل مقروناً باسم الشيخ المراغي، وظل وصفه بالإمامة والإصلاح والخلافة للشيخ محمد عبده قائماً.
وسارت بنا الحياة هذه السنين الكثيرة العدد ما ننفك نكتب ونتحدث ونفكر في الإصلاح والتجديد. وسارت الحياة بالأزهر هذه السنين الكثيرة العدد فتقدم فيها نحو الإصلاح والتجديد خطوات ليس من حقي الآن وليس مقصودا إلى أن أبين عنها ولا أن أبدي رأياً فيها. بل من حقي ومن واجبي أن أعدل بما كنت فلا أقول إن الأزهر في هذه السنين الكثيرة العدد قد (تقدم) نحو الإصلاح والتجديد، بل أقول إنه قد (تغير) عما كانت عليه حاله قبل هذه السنين، ولك أنت - ولي أنا أيضاً - أن أفهم وأن أحكم وأن أصف هذا التغيير هل كان إلى حسن أو إلى غير حسن. وهل كان تقدما نحو الإصلاح والتجديد أم لم يكن. وهل كان الأزهر بهذا (التغيير) كاسباً أم خاسراً، والى أي مدى كان ربحه وكانت خسارته
في الثانية أو في الأولى. أم أن هذا التغيير الذي صار إليه الأزهر في هذه السنين الكثيرة لم يكن تجديداً ولا رجعة ولا تقدماً ولا تخلفاً، وإنما هو تخبط وتخليط، وأن الأزهر صار به ومنه كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
من حقك ومن حقي أن نفكر وان نحكم وأن نصف ما فعل الأزهر أو فعل به في هذه السنين. ففكر - إن لم تكن - واحكم وصف. أما أنا فقد فكرت وحكمت وليس من شأني اليوم ولا مقصوداً لي أن أصف، أما الذي هو من شأني اليوم ومقصود لي فهو أن أكتب هذا الفصل (للرسالة) عن: (فكرة الإصلاح) في الأزهر. ما هي. . .؟
فلنسلم جدلا أو اقتناعاً بأن الأزهر له فكرة إصلاحية. وبأن الكلام عن الإصلاح التعليمي في الأزهر وعن الإصلاح الخلقي فيه. والكلام عن إصلاح الحياة الدينية في مصر ليس مقصوداً بهما الدعاية ولا التظاهر ولا عرض من متاع الحياة أو جاهها، وليس لصوقاً بوصف معين فيه ربح أو فيه متاع لنفس أو إرضاء لشهوة
فلنسلم جدلا أو اقتناعاً بأن للأزهر فكرة الإصلاحية لتجديد الحياة العقلية والحياة التعليمية والحياة الخلقية بين أهله، وأن للأزهر فكرة إصلاحية لتجديد الحياة الدينية في مصر أو في الشرق. . . فما هي هذه الفكرة الإصلاحية التي وضع الأزهر أو وضع رجاله حدودها ورسموا معالمها وخطوطها وحددو ا أهدافها القريبة أو البعيدة. . .؟
وهل استبان الأزهر واتضحت له الطريق التي يسلكها إلى أهدافه القريبة أو البعيدة، حتى يأخذ بأسبابها ويتلمس نهجها ويعرف أين هو مما كان وأين هو مما يريد أن يكون؟
نحن نعرف أن الأزهر - في هذه السنين الكثيرة العدد - قد وسع على طلبته في منهج الدراسة للعلوم الحديثة، وأنشأ لهم المعامل للكيمياء، ورحلهم الرحلات، وأنه أنشأ لهم الكليات خمساً أو ثلاثاً ولوى ألسنتهم أو ألسنة بعضهم بلغات الإنجلي
ز والفرنسيين والألمان. بل - والله قادر علمهم أو مكن لهم أن يتعلموا لغات أهل الصين واليابانيين والفرس والترك إلى ما لست أدري من لغات أهل الأرض، وأنه أخرج طلبة العلم فيه من قباتهم القديمة والجديدة، ومن صحن أزهرهم وأروقتهم إلى حيث يجلسون على الكراسي في عمائر جديدة في سفح الجبل بين مقابر الموتى، وفي أحياء متباينة متباعدة في القاهرة بين مقابر الأحياء
ونحن نعرف أن الأزهر - في هذه السنين الكثيرة العدد - قد قدم إلى طلبته المذكرات والملخصات والمختصرات، واستعا ن عليهم بطائفة من الأساتذة في دار العلوم ومن المطربشين في مدارس الحكومة، وأنه حفظ لأهله كرامة المال أو بعض كرامته فزاد لهم في الأموال وضخم لهم الميزانية عاماً بعد عام
ونحن نعرف أن الأزهر في هذه السنين قد جمع بين أهله عقولا تفكر في الإصلاح وقلوباً تشغل به وجهوداً تسعى إليه. وأن في الأزهر الحديث الشيخ المراغي والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ شلتوت ومن ورائهم جمع أو جموع من الشباب والطلبة يهتدون بدهيهم ويستجيبون لما يريدونه عليه للإصلاح والخير والتجديد
فهل الإصلاح للأزهر هو العلوم الحديثة ولو لم يكن لها أثر في الإفراج عن عقول أهل الأزهر وإخراجها من عبودية التقليد إلى حرية النقد والموازنة والرأي؟ أم هو معامل الكيمياء والرحلات والتواء ألسنتهم أو ألسنة بعضهم بكلمات قليلة، أو كثيرة من لغات أهل الأرض ولو لم يكن لها أثر في الإفراج عن عقول أهل الأزهر وإخراجها من ظلماتها إلى نور هذه اللغات وكنوزها وحرية التفكير فيها وبراعة النظم. . .؟ أم هو الفرار من القبلة القديمة والجديدة ومن الرواق العباسي إلى عمائر جديدة أو بالية بين مقابر الأحياء أو مقابر الموتى. . .؟ أم هو الملخصات والمذكرات والمطربشون من المدرسين وأن تضخم الأموال في العام بعد العام. . .؟
نحن نعرف أن الأزهر قد تغير في هذه السنين الكثيرة
العدد، وأن الكلام عن تجديده وإصلاحه لم ينقطع يوماً، وأن فيه عقولا تفكر وقلوباً تشتغل وألسنة تتكلم وأقلاماً تكتب وخطباً تحرر وتحبر، وجموعاً من الشباب والطلبة ومن الغيورين المملوءة قلوبهم حماسة وإخلاصاً وصادق رغبة. ولكن الذي نريد أن نعرفه: هل فكرة الإصلاح للأزهر وللحياة الدينية في مصر والشرق واضحة الحدود عند الأزهريين مستبينة المعالم؟ وهل تجمع بين أصحاب العقول التي تفكر والقلوب التي تنشغل والجهود التي تسعى والألسنة التي تتحدث؟ هل بين هؤلاء جميعاً رباط من غرض أو غاية توحد بينهم في الفهم والسعي والكفاح في سبيل ما يؤمنون به. . .؟
من حقك ومن حقي أن نفكر وأن نحكم وأن نجيب، ففكر واحكم وأجب، أما أنا فقد فكرت وحكمت وليس من مقصودي اليوم أن أجيب، بل أن أعرض ما بنفسي أو بعض ما بنفسي وأن أسأل من يجيب. فهل من يجيب؟ يمكن أن نعزو ميل المصريات إلى الذات الشهوانية وفساد أخلاق الكثيرات منهن إلى عدة أسباب ينسب بعضها إلى المناخ والبعض الآخر إلى حاجتهن إلى التعليم المناسب والتسلية البريئة والاشتغال بعمل. ولكن ذلك يرجع على الأكثر إلى سلوك الأزواج أنفسهم، وهو سلوك أكثر خزيا لهم من الصرامة الشديدة التي يستعملونها في تنظيم الحريم. فجميع الأزواج في مصر يسعون إلى تحريك شهوة نسائهم بكافة الوسائل التي في قدرتهم، مع أنهم في الوقت ذاته يكدون ويثابرون لمنع زوجاتهم من إشباع هذه الشهوة بطريق يخالف الشرع. وهم يسمحون للنساء بالإصغاء من وراء الشبابيك إلى الأغاني الخليعة والروايات الفاحشة التي ينشدها في الشارع رجال يؤجرون لذلك، كما يسمحون لهن بمشاهدة رقص (الغوازي) الشهواني (والخولات) المخنثين. ويأذنون للغوازي، وحرفتهن الدعارة، بدخول حريم الأغنياء، لا لتسلية السيدات بالرقص فحسب بل لتعليمهن الفنون الشهوانية. وقد يجلب أحياناً لتسلية الحريم دمى لا حشمة فيها روى لي عن كيد المصريات حكايات لا حصر لها. أذكر نموذجاً منها القصة التالية وقد حدثت أخيراً: تزوج نخاس شابة جميلة من هذه المدينة، وكان يملك مالاً يهيئ له عيشاً رغداً، ولكنه فقد أكثره، فكان له في ثروة امرأته عوض. ولم يلبث الرجل مع ذلك أن أهمل زوجه. ولكنه كان قد قضى عهد الشبان فلم تكترث زوجه لذلك، ومالت إلى رجل آخر يعمل زبالا وكان قد تعود الحضور إلى منزلها. فاشترت لهذا الزبال دكاناً بجانب المنزل ونفحته مبلغاً من المال يصلح من شأنه. ثم أخبرته أنها ابتكرت طريقة ليزورها في اطمئنان تام. وكان لحريمها شباك بمصراعين قامت أمامه على قرب منه نخلة تعلو المنزل، فلاحظت أن الشجرة تقدم لعشيقها وسيلة للوصول إلى غرفتها والهرب منها وقت الخطر. وكان لها خادمة واحدة تعهدت بمساعدتها على تحقيق رغباتها. وفي اليوم السابق لأول زيارة لعشيقها أمرت خادمتها أن تخبر الزوج بما سيحدث في الليلة التالية. فعزم الزوج على مراقبة زوجه، وأخبرها أنه لن يعود إلى المنزل تلك الليلة، ثم اختبأ في غرفة سفلى. ولما جن الليل جاءته الخادمة تخبره بحضور الزائر إلى الحريم فصعد إلى أعلى ولكنه وجد باب الحريم مقفلاً. وعندما حاول فتحه صرخت زوجه، وحينئذ هرب عشيقها من الشباك عن طريق النخلة. واستغاثت الزوجة بجيرانها وأخبرتهم أن لصاً في دارها. ولم يلبث أن حضر كثيرون منهم فوجدوها قد أوصدت باب غرفتها على نفسها وزوجها في الخارج، فأخبروها أن ليس بالبيت غير زوجها وخادمتها، فقالت إن من يدعونه زوجها هو اللص لأن زوجها يبيت خارج المنزل. فأخبرهم الزوج حينئذ بما حدث وأكد أن رجلا معها، وكسر الباب وبحث في الغرفة ولكنه لم يجد أحداً. فلامه الجيران وشتمته زوجته لافترائه عليها. واصطحبت في اليوم التالي اثنين من جيرانها الذين حضروا على صراخها ليشهدا أن زوجها قذفها في عرضها واتهمته في المحكمة إنه رمى امرأة عفيفة دون رؤية أو شهود. فحكم عليه بثمانين جلدة تبعاً لشريعة (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) . وطلبت الزوجة بعد ذلك من زوجها أن يطلقها فرفض. وعاشا معاً ثلاثة أيام بعد هذا الحادث في سلام. وفي الليلة الثالثة دعت الزوجة عشيقها ليزورها وقيدت زوجها يديه ورجليه أثناء نومه وشدته إلى حشيته. وجاء عشيقها فأيقظ الزوج وهدده بالموت العاجل أن صاح. ومكث مع الزوجة ساعات في حضوره. ولما خرج المعتدي فكت الزوجة وثاق زوجها، فنادى الجيران وأخذ يضربها بقسوة وهي تستغيث. وحضر الجيران ورأوه هائجاً، فلم يشكوا في قولها أن الرجل مجنون. فخلصوها من قبضته وهم يحاولون تهدئته بالكلام اللطيف ويدعون الله أن يشفيه. وأسرعت الزوجة باستدعاء رسول القاضي وذهبت معه هي وزوجها وكثير من الجيران الذين شاهدوا الحادث إلى القاضي. وأجمع الجيران على أن الزوج مجنون فأمر القاضي بوجوب إرساله إلى المارستان. ولكن الزوجة تكلفت الشفقة والتمست السماح لها بتقييده في غرفة من غرف منزلها حتى يمكنها أن تخفف من آلامه بالاعتناء به. فوافق القاضي مثنياً على عطف المرأة وداعياً الله أن يكافئها. وحصلت الزوجة بعد ذلك على طرق من حديد وسلسلة من المارستان. وقيدت زوجها في حجرة سفلى من المنزل. وجعل عشيقها يزورها كل ليلة في حضور الزوج. ثم تلح عليه بعد ذلك ليطلقها بلا جدوى. وكان الجيران يحضرون يومياً للسؤال عنه. فيشكو لهم من امرأته ويتهمها فلا يجيبونه بغير قولهم: (شفاك الله! شفاك الله!) واستمر هكذا شهراً فلما تبين للزوجة إصراره على الرفض أرسلت في طلب حارس من المارستان لينقله إليه. والتف الجيران حوله عند خروجه من المنزل وصاح أحدهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله! شفاك الله!) وقال آخر: (يا خسارة. . . كان رجلا فاضلا حقا!) وقال ثالث ملاحظاً: (حقاً. . . إن الباذنجان كثير الآن!. . .) وأخذت الزوجة تزور زوجها كل يوم في المارستان ملحة في طلب الطلاق وهو يرفض. فتقول له: (ستظل إذن مقيداً حتى تموت، وسيأتي عشيقي عندي على الدوام!) وأخيراً رضى الزوج بالطلاق بعد حبس سبعة أشهر. فأخرجته من المارستان ونفذ وعده. وكان عشيق الزوجة من طبقة دون طبقتها فلا يمكن أن يكون زوجاً لها فبقيت عزبة وظلت تستقبله متى تشاء. غير أن الخادمة كشفت عن حقيقة الأمر. ولم يلبث الحادث أن أصبح حديث الناس. تتعرض الزانية إذا كانت زوجة لثري أو لذي منصب، كما يتعرض عشيقها، لأهوال عظيمة. وقد حدثا أخيراً أن انتهزت زوجة أحد ضباط الجيش الكبار فرصة غياب زوجها عن العاصمة، فدعت لزيارتها تاجراً مسيحياً اعتادت أن تشتري منه الحرائر. فذهب التاجر إلى منزلها في الوقت المعين فوجد عند الباب أحد الأغوات قاده إلى منزل آخر وجعله يتنكر في ملابس سيدة. ثم عاد به وأدخله على سيدته. وقضى التاجر الليل كله تقريباً في بيت المرأة، ثم نهض قبل أن تستيقظ وأخذ في جيبه كيس نقود كان قد أعطاه إياها. ونزل إلى الأغا ليقوده مرة أخرى إلى المنزل الذي تنكر فيه. فاسترد ملابسه وقصد دكانه. ولم تلبث السيدة التي افتقدت الكيس أن ذهبت إليه واتهمته بأخذه. ثم أخبرته إنها لا تريد نقوداً ولكنها تبغي رفقته فقط. ورجته أن يعود إليها في الليلة التالية، فوعد بالحضور. غير أن إحدى خادمات السيدة حضرت إلى دكان التاجر عصراً وأخبرته أن سيدتها مزجت بعض السم في الماء لتقدمه إليه. ويقال أن المرأة كثيراً ما تختار هذه الطريقة لتنتقم من عشيقها لأقل إهانة. يندر أن ترتكب الزوجة المسلمة الزنا دون أن تعاقب بالموت إذا شهد على الواقعة أربعة شهود. ويرفع الشهود أو الزوج دعوى الزنا. وقلما تنجو الزانية من العقاب إذا ضبطها أحد الضباط. فلا يلزم في الحالة الأخيرة شهود أربعة، وإنما تعدم المرأة سراً، إذا كانت من عائلة محترمة، تحت سلطة الحكومة الاستبدادية. غير أن الرشوة قد تخلصها أحياناً لأنها تقبل دائماً إذا لم يكن هناك خطر. وتكاد عقوبة إغراق الزانية تحل الآن محل الرجم في القاهرة وغيرها من مدن مصر الكبيرة. ويحكى أن امرأة فقيرة من هذه المدينة تزوجت من بائع طيور؛ وبينما هي تعيش مع زوجها وأمها في سكن، اتخذت ثلاثة مساكن أخرى وتزوجت ثلاثة أزواج آخرين كانوا جميعاً يتغيبون عن القاهرة. وحسبت هكذا إنه يسهل عليها إذا جاء أحد الثلاثة إلى المدينة لبعض أيام أن تجد عذراً للذهاب إليه. ولكن حدث لسوء حظها أن قدم الثلاثة في اليوم نفسه وذهبوا في مساء ذلك اليوم يسألون عنها في منزل أمها. فارتبكت لحضورهم معاً ولوجود زوجها الأول أيضاً. فتظاهرت بالمرض وسريعاً ما تصنعت الإغماء، فحملتها أمها إلى غرفة داخلية. واقترح أحد الأزواج إعطاءها شيئاً يقويها. وأراد آخر تجربة دواء مختلف. وأخذ الجميع يتناقشون في أي الأدوية أفضل. وقال أحدهم: (سأعطيها ما يحلو لي. أليست امرأتي؟) فصاح الآخرون في صوت واحد: (امرأتك! إنها امرأتي) وأثبت كل منهم زواجه. فقدمت الزوجة إلى المحكمة وحكم بإدانتها وقذف بها في النيل. وقد حدث حادث مشابه لهذا أثناء زيارتي الأولى فقد تزوجت امرأة ثلاثة من جنود النظام، فدفنت في حفرة إلى صدرها وأعدمت بالرصاص عدلي طاهر نور من خمر الزوال. . . للأستاذ محمود حسن إسماعيل (إلى التي سقتني ولم تشرب معي خمر الزوال، والى الذين يشربونها مثلي من يد الزمان!!) لا تَترُكينِي في ضَلالْ ... بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالخَياَلْ إنِّي شَرِبتُ عَلَى يَدْي ... كِ مَعَ الهَوَى خَمرَ الزَّوِالْ أصْبَحتُ لا نَغَمٌ يُفجِّ ... رُ لي السُّلوَّ وَلا رَبَابْ! قَلْبي حُشاشةُ طائْرٍ ... في الصَّيفِ أحْرقُهُ اليَباَبْ عُمري بَقيةُ مَوجةٍ ... حَيرَى تَخَطَّفَها العُبَابْ في زَاخرً لَمْ يَدرِ ساَ ... بحُهُ أَبحرٌ أَمْ سَرَابْ؟! رُحماَكَ. . لَمْ أُصْبحْ سوَى ... شَبَحٍ يَسيرُ عَلَى تُرابْ. . لا تَترُكيِنيَ زَلةً ... في الأرْضِ تاَئِهِة المَتاَبْ إنِّي شَربْتُ عَلَى يَدَيْ ... كِ مَعَ الهَوَى حَمْرَ الْعَذَابْ أصْبحْتُ أشْوَاقاً مُعَذَّ ... بةً تُضِيء مِنْ الْحنَانْ وَأسًى يدُورُ فَلا تَقَ ... رُّ لهُ عَلَى كبدٍ يَدَانْ وَصَدى تَجَسَّدَ في الأثِيرِ ... فَكادَ يُلْمَسُ بالْبنانْ وَرُفاتَ أُغْنيةٍ لِحب ... كِ لَمْ تَزَلْ تُشْجِي الزَّماَنْ رُحْماكِ. . . مَا بيَدَيَّ إلاَّ ... منْ - غَرَامكِ - دَمْعَتانْ لا تتْرُكِينيَ فِيهمَا ... لَهَباً يُذَوِّبهُ الْجَنانْ إنِّي شَرِبْتُ عَلَى يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى خَمْرَ الْهوانْ! أصْبَحتُ لَمْ أُصْبِحْ! وَلَمْ ... يُشرِقْ عَلَى خَلَدِي صَبَاحْ أنا ظُلمةٌ سَكرَي بأق ... دَاحٍ تطُوفُ بِهَا الرِّياحْ في قَفرَةٍ نُسيتْ فَلَمْ ... يَخْفِقُ لِطَائِرَها جَنَاحْ وَبَكَى بِهَا الصَّمتُ الْغَرِي ... بُ وَنَاحَ مِنْ فَمِهِ النُّوَاحْ رُحماكِ! نُورُكِ فَوقهَا ... قَدَرٌ لِغَيرِي لا يُتَاحْ! لا تَترُكِينيَ ذَاهباً ... كَخَريفَ لَحنٍ في صُدَاحْ إنِّي شَربتُ عَلَى يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى خَمرَ الْجِرَاحْ الَّليلُ ياَ لَيْلايَ لَمْ ... يَترُكْ عَلى كَبدِي أنيِنْ. . . إِلا وَسَارَ بِهِ غِنَ ... اءً في صَحَارَى العَاشِقينْ. . . وَسَرَى بِلَوعَتِهِ شِرَا ... عاً لا يَسيرُ بِهِ سَفِينْ. . . يَجْرِي عَلَى مَوْجِ الْحَياَ ... ةِ عُلالةً للِبَائِسينْ أَرَأَيتِ حَيرْاناً يَلُو ... ذُ بِهِ عَذَابُ الْحَائرينْ؟! لاَ تَترُكِينَي ياَ شَقِي ... ةُ غُنْوةَ الزَّمَنِ الْحزِينْ إِنِّي شَرِبتُ عَلَى يَدَي ... كِ مَعَ الْهَوَى خَمرَ السِّنيِنْ. . . بَكتْ الْجَزِيرةُ حِينَ قُ ... لتُ لَهاَ وَداعاً لَنْ أَعُود! وَتَأَوَّهَ العُشبُ الْحَبي ... بُ وَوَلْوَلتْ فيِه الْعُهُودُ وًالرِّيحُ رَوعَهَا الرَّحِ ... يلُ كأنَّها فَزَعٌ شَرُود. . . وَالمَوجُ إِعْصارٌ تَمَ ... زَّقَ أَوْ تَباَريحُ النُّهُودْ أَرَأَيتِ كَيفَ غَدَا الهَوَى ... عَدَماً تَوَّهمهُ وُجُودْ!! لا تَترُكِينَي بَعْدَهُ ... حَسَرَاتِ لْحَنٍ فَوْقَ (عُودْ) إِنِّي شَربتُ عَلَى يَدَي ... كِ مَعَ الْهَوَى خَمْرَ الخُلُودْ. . . مَرَّتْ لَياَليناَ كما الأوْ ... هَامُ. . . عُودِي يَا لَياَلي!! إِنِّي كَتَبتُكِ في الزَّمَا - نِ خُطُوطَ غَيبٍ في خَيالٍ إِنِّي سَمِعتُكِ في الْحَياَ ... ةِ أَنِينَ صَوتِ في رِمَالِ إِنِّي رَاَيتُكِ أَدْمعُاً ... سَودَاَء جَاثِمةً حِيالِي أَرَأَيتِ كَيفَ طَوَتْ صِبَا ... يَ، فمَاتَ، أَحزَانُ الْجَمالِ!؟ لاَ تَترُكِينَي كالرَّدَى ... أَرِدُ الْفَنَاَء وَلا أُبالِي إِنِّي شَرِبتُ عَلَى يَدَيْ ... كِ مَعَ الْهَوَى خَمرَ الضَّلالِ أَذَكرتِ حينَ جَثَتْ لَدْي ... كِ صَبَابةُ الليْلِ الجَميلْ؟ وَسَندتِ رَأْسكِ فَوقَ صَدْ ... رٍ لا يفُارقُهُ الغليلْ فَشَجَتكِ في الْقَفَصِ الْمُحط ... مِ ذَبحةُ الطَّيرِ الْقَتيل. . . وَسَمعتِ منهُ مَعَ الظَّلا ... مِ تَفَجعَ الماضِي الطَّويلْ وَرَأيتِ فِيهِ خُطَا غَرَا ... مِك في ضَبَابِ المُستحيلْ لا تترُكينَي عَاصفاً ... في البيدِ يُزهقهُ العَويلْ إِنِّي شرِبتُ عَلى يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى لَهَبَ الرَّحِيلْ أوَّاهُ. . . إِن وَلى هَوَا ... كِ وَجَاَء يصرُخ لي هَوَاي! وَدَعوتُ نُورَكِ للغَرَا ... مِ فَرَدَّ جُرحٌ من صَدَاي! وَمَددتُ كفِّي للسَّلا ... مِ فَصَافحتك عَلَى حَشَايْ! وَذَهبتُ مَلهُوفاً إلي ... كِ فَلَم أجِدْ إِلا خُطايْ وَبَقَّيةً مِمَّا وَعَى ... طَيرُ الْجزِيرَةِ مِنْ بُكاي! لا تَترُكيني عَارِفاً ... أرِدُ الضِّفَافَ بِغيرِ نايْ إِنِّي شَربتُ على يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى بلْوَى صِباَيْ! مَاذَا أَقُولُ إِذَا الهَوَى ... أوْما إليَّ وَلَمْ يُنادِ؟! وَإذَا الرَّحيقُ دَعَا فَكَي ... فَ يُجيبُ خَمرَتهُ فُؤادِي؟! وَإذا تألقَتِ الرُّؤى ... وَمَضَت تَوَهَّجُ في وِسَادي؟! وَرَنَا لي المَاضي بِطَي ... فٍ مِنكِ مُرتعشِ الْحِدادِ فَبأيِّ كأسٍ مِنْ دَمي ... اسْقِيهِ أحْزانَ المَعادِ؟! لا تَترُكِينَي ضَلةً ... في الأرضِ ثاكلِةَ الرَّشادْ إِنِّي شَربتُ عَلى يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى نَدمَ الرَّمادْ. . . لا تَسألِينْي بَعدَ يَو ... مكِ كَيفَ أياَمي تَسيرْ!! إِنِّي حُداءٌ سَاخرٌ ... بِقوافلِ الَّزمنِ الكَبيرْ لَكنْ سَأصبحُ آهةً ... وَلهى مُضيَّعةَ الْمَصيرْ في صَدرِ مَصلوبٍ شَ ... قيِ الْموتِ مَظلُومِ الضَّميرْ فإذَا سَمعتِ صَبابةً ... غَنَّى بِها وَتَري الأخيرْ. . . لا تَترُكينَي بَعدَها ... أهْوَى الَّسماَء ولا أَطيرْ! إِنِّي شَربتُ عَلَى يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى جَزعَ الْهجيرْ وَإذا تُسائلكِ المَغَا ... ني: أيْنَ شاَعرُهَا الْحبِيبْ؟ قُولي لَهَا: بَل أيْنَ في ... كِ خَيالهُ الغَردُ الرَّطيبْ؟ إنَّا وَهبناَ رُوحهَ ... قبَساً لِعاَلمهِ الرَّهيب. . . فَغَدا شُعاعاً هَائِماً ... يَهتزُّ في فَلكٍ غَريبْ ياَ فِتنةَ الْماضِي حَنا ... نكِ وارَحمي نَغمِي الكَئيبْ لا تَترُكينَي مَوجةً ... تَفنى وَشاَطِئُها قَريبْ إِنِّي شَربتُ عَلَى يَدَي ... كِ مَعَ الهَوَى وَلَه الْمَغِيبْ! مِنْ أيِّ نُورٍ بَعدَ نُو ... ركِ يَستَقي زَمَني سَناهْ؟! وَبأيِّ عِطرٍ بَعدَ عِطر ... كِ يَحتَسِي قَلبِي شَذَاهْ؟! وَبأَيِّ خَمرٍ بَعدَ خَم ... ركِ خَافقِي يَنسى أسَاهْ؟! وَبأَيَّ سِحرٍ بَعدَ سِح ... ركِ أشتِهِي مَا لا أَرَاهْ؟! وَبأَيَّ وَحيٍ بَعدَ وَح ... يِ هَواكِ يُلهُمني الإلهْ؟! لا تَترُكينَي دَمعةً ... تَجرِي بأَجفانِ الحَياهْ إِنِّي شَربتُ عَلَى يَدي ... كِ مَعَ الهَوَى وا حَسرَتاهْ! لا تَترُكينَي في ضَلالْ ... بَينَ الْحَقيقةِ وَالخيَالْ فَلرُبماَ أفْنىَ ولا ... يَفنَى مَعي طيفُ الْجمالْ وَلرُبمَا أَنسَى وَناَ ... ركِ في رَمَاديَ لا تَزَالْ إَنِّي تُرابٌ لا يُر ... يدُ الْبعْثَ من فَرْط لْمَلال شَربَ الهَوَى مِنْ رَاحَتي ... كِ فَراحَ يَشربُهُ الزَّوَال محمود حسن إسماعيل البريد الأدبي أرقام وأصفار في خطبتي التي نشرت في (الرسالة) عن (الهدف الأدبي للموسم الثقافي) عبارات لم ألقها في حفلة الافتتاح لأنها لم تكن تناسب المقام، ولكل مقام مقال، وهي العبارات التي تشكك في قيمة التضامن وتجعله سناد الضعفاء فأين وجه الحق فيما قلت؟ لقد وفقت إلى عبارة طريفة حين سألت: (وهل تتجمع في الدنيا أمة كما تتجمع أمة النمل؟) ولكن هل يكون معنى هذا الكلام أن النمل أمة ضعيفة، لأنها لا تبني المعاقل والحصون في حدود ما نتصور، ولا تزحم البحار بالغواصات والأجواء بالطيارات؟ لقد وقعت في خطأ فظيع، فأمة النمل في تكوينها المرسوم أمة على جانب من النظام، والنظام هو الذي حماها من الانقراض، ومن آيات النظام عند أمة النمل أنها لا تفرق بين النهار والليل، فهي تشتغل بالنهار والليل، وقد جربت ذلك بنفسي أترك هذا وأنتقل إلى مسألة الأرقام والأصفار، وهي مسألة لم يخلُ كلامي فيها من اعتساف. فهل من الحق إنه يجب أن يكون الناس جميعاً أرقاماً لا أصفاراً؟ وكيف وأنا نفسي اعترفت بأن الصفر تكون له قيمة حين يضاف إلى الرقم الصحيح؟ إن المسألة المطلقة لم تتحقق ولن تتحقق، لأنها ضلال في ضلال، ولأنها لن تكون إلا باباً من الانحلال، فالناس يختلفون كما يختلف الشجر والنبات لغاية حقيقية هي الترابط بين أجزاء الوجود، وكما تختلف المسامير التي تربط أجزاء السفين وإذن يكون الرأي أن نقرر أن للصفر قيمة، على شرط أن يتجنب الانحراف، فيكون على اليمين لا على الشمال لو وقف كل مخلوق في الموقف الذي يأمر به العقل لظفر بالقيمة الحقيقية لوجوده الأصيل. وأين العقل الذي يأمر الصفر بأن يكون على الشمال؟ في مقدور الصفر أن يكون أكبر من بعض الأرقام إن راعى الواجب، ولهذه الكلمة الأخيرة تفسير أو تفاسير قد نتحدث عنها بعد حين. زكي مبارك في اللغة كتب الأستاذ نجيب شاهين في العدد ٤٨٩ تحت عنوان (إلى المجمع الملكي) ما رآه أنه الصواب لبعض الألفاظ والعبارات غير إنه لم يكتب له التوفيق في بعض ما رآه فمن ذلك: ١ - (لا زالت) يرى الأستاذ (أنها لفظة للدعاء وأن مدرسي مدارسنا لا يفرقون بينها وبين (ما زالت) فينشأ الطلاب على هذا الخطأ). (ا) فما رأي الأستاذ في كتب اللغة التي أوجبت أن تعتمد أفعال الاستمرار على نفي أو نهي أو دعاء وذكرت من حروف النفي لا، ما (وقال علماء المعاني إن لكل مكانا) وقال النحاة: إن خروج (لا) من النفي إلى الدعاء لا يكون إلا بقرينة تعين الدعاء ومثلوا لذلك بـ (ولا زال منهلا بجرعائك القطر) (ب) وما رأيه في أن القرآن الكريم استعمل زال معتمدة على النفي بلا في قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين) كما ورد في الأثر (لا تزال أمتي بخير ما فعلت كذا وكذا. . .) ٢ - (شئون) يرى الأستاذ أن تكتب هكذا (شؤون) لأن ما قبلها مضموم وقياساً على رؤوس، وما رأيه في أن جميع كتب الإملاء ذكرت القاعدة الآتية: (كل همزة وليها حرف مد كصورتها ليس ألف اثنين ترسم مفردة. . .) وليست كتابتها في قاموس ما حجة تلزم أن تنقص القاعدة لتكون كما يرى الأستاذ. محمد عبد الفتاح المقدم مدرس بمدرسة حلوان الثانوية للبنات حول اختلاف القراءات في القرآن قرأت ما كتبه الأستاذ محمود عرفة تعقيباً على ما رأيته في سبب بعض القراءات، فوجدته يتفق معي في أن هذه القراءات لا ترجع إلى اختلاف اللهجات، ويخالفني في إرجاعها إلى قصد التيسير على المسلمين في القراءة على عهد النبوة، لأن الحروف العربية في ذلك الوقت كانت كلها غير منقوطة، وهذا يدعو إلى ذلك التيسير كاختلاف اللهجات سواء بسواء. وقد بنى الأستاذ إنكاره ما رأيت من ذلك على سبب غريب، هو أن المسلمين على عهد الرسول كانوا يتلقون القرآن منه سماعاً، ويطوون صدورهم عليه حفظاً وفهماً، دون ما حاجة منهم إلى النظر في شيء من آياته مخطوطاً، فهذا بلا شك أمر غريب لا يتفق مع المعروف عن المسلمين في ذلك العهد، فإن جمهورهم لم يكن يأخذ نفسه بحفظ القرآن، وكان القليل منهم يحفظ منه السورة أو السورتين، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحفظ القرآن كله منهم إلا عدد لا يكاد يتجاوز عدد الأصابع أما كتابة القرآن وقراءته فكان فيهما إذن عام من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هناك إذن في كتابة الحديث لئلا يشتبه بالقرآن، فكانت كتابة القرآن وقراءته في ذلك العهد منتشرة بين المسلمين، وإذا كان كثير منهم لا يحفظه فإنه بلا شك تعتريه تلك الصعوبة في بعض الكلمات، ومن هذا يجيء التيسير في قراءتها على ما تحتمله من الوجوه أما حمل مثل هذه القراءات على التصحيف فأمر لا يصح أن يقال وخصوصاً مع وجود هذا المحمل السائغ، وهو محمل يمكن أن يشمله ما ورد من نزول القرآن على سبعة أحرف، لأن هذه القراءات ورد كثير منها في قراءات سبعية متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير منها روي عن بعض أصحاب النبي رضوان الله عليهم ولا تقتصر روايته على حماد وأمثاله عبد المتعال الصعيدي حول اختلاف القراءات رداً على كلمة الأستاذ عبد المتعال الصعيدي المنشورة في العدد ٤٨٨ من مجلة الرسالة بعنوان (سبب مجهول من أسباب اختلاف القراءات) أقول: إن القراءات التي تعد أبعاضاً للقرآن يشترط فيها موافقتها للرسم المتواتر عن الصحابة، وتواتر سماعها، وموافقتها للعربية. فالمدار في كون القراءة بعضاً من القرآن على تواتر سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم على أنها قرآن مبلغ عن الله تعالى. فقراءة (فتثبتوا) وقراءة (فتبينوا) قراءتان متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناهما واحد، لا أن الخط يحتملهما فقرأها فريق على أحد الاحتمالين، وفريق على الاحتمال الاخر، فإنكار أحدهما إنكار لبعض القرآن وأما تجويز القراءة بما يحتمله الرسم وتظاهره العربية بدون نظر إلى الرواية فرأي شاذ لابن مقسم العطار وهو محمد بن الحسن المتوفى سنة ٤٥٣ استثيب بسببه (انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب وتاريخ بغداد) وقراءة (أباه) بدل (إياه) شاذة قرأ بها الحسن البصري وابن السميفع اليماني وغيرهما. والقراءة الشاذة تكون في الأكثر مفسرة للقراءة المشهورة. فقراءة أباه تعين رجوع ضمير (إياه) إلى الأب مع احتمال رجوعه إلى إبراهيم باعتبار أن الأب ربما كان هو الذي وعد ابنه بالإيمان، وفهم الحسن البصري عكس ذلك فقال إن الواعد هو إبراهيم حيث وعد أباه بالاستغفار. ولو أن الأستاذ عبد المتعال اطلع على (تاريخ الأدب العربي للأستاذ الزيات) ص٨٩، ٩٠ أو على كتاب في الفن (كمسجد المقرئين لابن الجزري) لما ذهب إلى هذا الرأي محمد غسان

