الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 447 الرجوع إلى "الرسالة"

الأزهر والمراجع الأجنبية

Share

يدرس الطلاب في كلية أصول الدين طائفة من العلوم التي  يحتاج الطالب فيها إلى مراجع أجنبية، ومنها علوم التاريخ  والأخلاق والفلسفة وعلم النفس وتاريخ التوحيد. ولما كانت معرفة  هؤلاء الطلاب للغات الأجنبية محدودة فقد رؤى أن تترجم  لهم بعض المراجع الشهيرة في هذه العلوم. وعهدت مشيخة  الأزهر اختيار هذه المراجع وترجمتها إلى لجنة من أساتذة الكلية  مؤلفة من بعض العلماء الأزهريين الذين تخرجوا في الجامعات  الأوربية وبعض الأساتذة الذين يدرسون هذه المواد.

وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعها الأول بعد مقابلة صاحب  الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي حيث استمع أعضاؤها  إلى إرشاداته وتوجيهاته.

والمعروف أن هذه اللجنة ستنتهي من مهمتها التي وكلت  إليها في يوم قريب.

في ديوان البحتري

البحتري شاعر مغبون لم يحظ شعره بما يستأهله من عناية،  ولم يطبع ديوانه - على ما يبدو - أكثر من مرتين؛ إحداهما

بمصر والأخرى ببيروت. والثانية أدق من الأولى  ضبطاً وتمتاز عليها بالشكل الكامل، وبتعليقات وحواش  قصيرة تفيد المبتدئين.

على أن هذه الطبعة لم تخل من أغلاط بينة أساء الشارح  فيها التقدير. وأغلبها يرجع إلى آفة   (التصحيف)  التي جنتْ  على الكثير من مخطوطاتنا القيمة وكنوزنا الأدبية النفيسة.

على أن الشارح نفسه قد توهم - في أكثر من موضع -  أخطاء وادعى تصحيحها، وتصحيفات تكلف ردها إلى أصولها!  فجاء الديوان مليئاً بعشرات الأغلاط الفاضحة الواضحة. وأنا مثبتٌ  هنا منها خمساً - على سبيل التمثيل لا التعديد - لأنبه القارئ إلى  وجوب التحرز في قراءة هذا الديوان، وعدم الاعتماد على شكله  أو شرحه اعتماداً قد يجر إلى الغفلة ويشغل عن تعريف الصواب: ١ -  في قصيدة   (قالت الشيبُ بدا قلت أجلْ) .  قال البحتري:

أصِلُ النزْر إلى النزر وقد ... يبلغ الحبلُ إذا الحبل وُصِلْ

من لَفَا هذا إلى محسوس ذا ... ومن الذوْد إلى الذود إِبل

وقد ضبط الشارح اللفظ الأخير هكذا   (أَبِلّ)  ثم قال: أبل:

أذهب في الأرض. وهذا وهم، إذ الشطر كله مقتبس من المثل

العربي القديم:   (الذود إلى الذود إِبل)  وهو يضرب في الشيء

القليل يجتمع إلى مثله فيصير كثيراً.

٢ -  جاء في قصيدة:   (حلفتُ لها بالله يوم التفرقِ)  قوله:

أُعِينَ بنو العباس منه بصارم ... جُرازٍ وعزمٍ كالشهاب المحرِّقِ

وقد صُفحت كلمة     (جراز)   في الأصل إلى   (جران)  فنقلها الشارح

بوضعها ثم قال: الجران   (كذا في الأصل)  لعله يريد به الليّن

من جرن الدرع لانَ. والوهم في النقل وفي الشرح ظاهر؛

إذ الكلمة:     (جراز)   بمعنى السيف القاطع.

٣ -  يقول البحتري من قصيدته   (يا يوم عرّجْ بل وراءَك  يا غدْ) :

أشكو إليك أناملاً ما تنطوي ... يبساً وأخلاقاً تقصّفها اليدُ

قال في الشرح: أخلاقاً محرفة عن   (أخلافا)  جمع خلف،  أي ضرع. . . أما   (أخلاق)  بالقاف فلا معنى لها هنا

قلت: الصواب   (أخلاقاً)  كما جاء في الأصل؛ والمعنى أن  أخلاق الناس أصبحت من الجفاء والغلطة واليبوسة بحيث تتقصف  في اليد تقصف العود الجاف، وفي البيت استعارة تبعية   (في الفعل)

٤ -  جاء في قصيدة   (رغم الغرابُ منِّيئ الأنباء) : ما للجزيرة والشام تبدّلا ... بعد ابن يوسف طلمةً بضياء؟ أوردها الشارح   (بيضاء)  - مؤنث أبيض - ثم قال  معلقاً: كان القياس أن يقول   (بيضاءَ)  بالنصب على أنها نعت  لظلمة ولكنه جرها إتباعاً لحركة القافية أو لسبب آخر لم أعلمه    (كذا!)

قلت: وجه الكلام أن   (بضياء)  جار ومجرور متعلقان بالفعل    (تبدلا)  في الشطر الأول

٥ -  يقول البحتري في مطلع إحدى قصائده: هوْيناكَ من لومٍ على حبِّ تكْتُما ...  وقصركَ نستخبر ربوعاً وأرسما وقد أعمل الشارح ذهنه في البيت، ثم انتهى إلى قلبه بهذا  الوضع   (هويناك من لوم بحبِّ تكَتّما)  وقال في هامشه: كان  أصل الشطر الأول: هويناك من لوم على حب تكتما، وهو غير  مستقيم الوزن كما ترى! وكذلك أبدلنا من   (على)    (باء)  فقلنا    (بحب)  وكثيراً ما وقع لنا مثل هذا الخلل في هذا الديوان وهو  خطأ طبعي   (!!!)

قلت: الصواب أن   (تكتم)  - على وزن الفعل - علم  على امرأة، وقد ذكره البحتري في شعره أكثر من مرة كقوله  من قصيدة أخرى: لعمري لقد تامتْ فؤادّك تكتُم ...                                    وردّت لك العرفانَ وهو توُّهم

فالبيت في وضعه الأول صحيح وزناً ومعنى، وما التصحيف  إلا ما جناه الشارح على البيت وهو يدعى تصحيحه من خطأ موهوم. .  . . هدانا الله جميعاً إلى الصواب؛ وعصمنا من الخطأ وسوء  الغفلة بمنّه

(جرجا)

اشترك في نشرتنا البريدية