الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 392الرجوع إلى "الرسالة"

الأزهر وبعثاته العلمية

Share

حقا - كما يقول صديقي الفاضل الأستاذ محمود الشرقاوي في عدد الرسالة الأخيرة (٣٩١) تحت عنوان (الأزهر وبعثاته العلمية) - أن الأستاذ الأكبر المراغي كان جريئا يوم أرسل  بعثة "فؤاد الأول" إلى أوربا عام ١٩٣٥، وأن سعادة  عبد السلام الشاذلي باشا كان جريئا أيضا أو أشد جرأة يوم أرسل  من قبل بعثة الإمام محمد عبده سنة ١٩٣١ لأنه أرسلها في وقت  كان الأزهر ممثلا في شخص شيخه السابق ضد فكرة إرسال  البعوث من الأزهر إلى أوربا. ولولا لباقة الشاذلي باشا في أن أتاح  لعضوي بعثة الأمام محمد عبده التشرف بمقابلة جلالة الملك الراحل، الملك فؤاد، والاستماع إلى رغباته السامية فيما يجب أن يكون عليه الأزهر لخلد ذكرى الإمام بشيء آخر غير بعثة أزهرية توفد إلى  جامعات أوربا لتربط ثقافة الشرق الماضي بثقافة العصر الحاضر.

وكان الشاذلي باشا جريئا، وكان الأستاذ الأكبر المراغي  كذلك في إرسال هذه البعوث الأزهرية إلى أوربا، لأن  ذلك منهما اعتراف بحاجة الأزهر إلى توجيه في البحث  والتفكير، وفي الوقت نفسه اعتراف بجمود الثقافة الأزهرية

ووقوفها عند حد معين لا تتجاوزه وهو ما وصل إليه المسلمون  إلى القرن الخامس عشر تقريبا. والاعتراف بهاتين الحقيقتين في وقت يسيطر فيه على العقلية الأزهرية مبدأ "لم يترك الأول  للآخر شيئا، وتسيطر فيه كذلك فكر "الكتاب" في الدرس والبحث لا شك أنه يحتاج إلى جرأة وإلى جرأة كبيرة.

وكان حقا أيضا أن يسأل صديقي الفاضل الشرقاوي عن  إنتاجنا العلمي وأن يحاول شرحعدم إنتاجنا - إن وصل  إلى ذلك - بما ذكره:" إلى نرى أثركم وإنتاجنا وتجديدكم  وما جعلتم في الأزهر من بيئة علمية جديدة وثقافة جديدة وحرية  جديدة في البحث. سنقول إنكم لم تفيدوا شيئا مما تعلمتم ولا تميز  لكم على من لم يبعث ولم يدرس في جامعات أوربا أو أنكم لا تجدون  من أنفسكم شجاعة ولا قوة لكى تكونوا منتجين ولا مفيدين"

وهذا الذى يسأل عنه الصديق عنه كثير من إخواني  ومعارفي في غير البيئات العلمية، في وزارة الخارجية؛ ولكنهم  فقط لم يواجهوني بما حاول أن يجيب به الأستاذ الشرقاوى.  وبالرغم من ذلك كنت أشعر أنه يتردد في نفوسهم

صحيح أننا لم ننتج بعد إنتاجا جامعيا يتمثل في تأليف يقوم  البحث فيه على الاستقلال في التفكير وعلى إبداء رأى خاص  في مشكلة من مشاكل العلم الذى تخصصنا فيه، حتى يدمج

هذا البحث ضمن البحوث العلمية فيكمل ناحية نقص فيها وذلك طبعا غير التأليف المدرسي، فقد أخرجت من هذا  النوع ثلاث مذكرات: في الفلسفة الشرقية، وفي الفلسفة  الإسلامية، وثالثة في علم النفس العام (بالاشتراك مع الأستاذ  عبد العزيز عبد المجيد في هذه الأخيرة)  - . ولكن ليس عدم  انتاجنا الجامعي راجعا-كما يقول الأستاذ الشرقاوى- إلى أننا  لم نفد شيئا مما تعلمنا في أوروبا، ولا إلى أننا لم نجد من أنفسنا  شجاعة ولا قوة لكى نكون منتجين ولا مفيدين، بل يرجع إلى حالة أخرى خارجة عن معرفتنا وشجاعتنا؛ يرجع إلى بيئة  الأزهر العلمية

الأزهر يغاير الجامعة في أن بيئته العلمية لم تتهيأ بعد  (تمام التهيؤ) للأبحاث العلمية الحديثة، للأبحاث الجامعية.  لأن هذه تقوم أولا على حرية النقد، وهذا معناه عدم منح  القداسة لبعض المواد دون بعض. وثانيا على عدم التقيد   (بالكتاب) كمصدر للبحث ومقياس للحقيقة. والأزهر - في الواقع - يسير في أبحاثه على منح القداسة لبعض المواد  دون بعض - وإن كان بينها شديد الشبه من وجهة البحث -  وعلى التعلق بمبدأ الكتاب. نعم مناهج التعليم لا تنص على كليهما ولكنهما من الأمور المتوارثة التي أصبح لها حرمة المبادىء  العامة. وليست العبرة في ملاحظة الظواهر بما يقوله المنهاج،  ولكن بما تتبعه النفوس

فمثلا يفرض نظام التعليم في الأزهر تدريس الفلسفة،  وأزيد من هذا بجعلها مادة أساسية في كلية أصول الدين؛  ولكن الفلسفة في نظر كثير من الأزهريين مازال منها  (الفاسد) ، وهو أكثرها، و (الصحيح) ، وهو أقلها. ومازال كثير منهم يخفى في نفسه الضغينة للفلسفة والفلاسفة  ويضعها في مرتبة دنيا عن عالم الكلام، مع أن هذا الأخير يشارك الفلسفة الإلهية في الموضوع وفي الغاية، وهي محاولة  تحديد الإله أو مبدا الوجود وعلاقته بالكون وبخاصة بالإنسان.  ومع أن الفلسفة الإغريقية التي نقلت إلى المسلمين كانت سبب ثرائه ونمائه. هذه التفرقة أثر متوارث عن الغزالي؛ فكتابه (إحياء  علوم الدين) قد أصبح منذ القرن الثاني عشر إلى الآن صاحب  الكلمة في التوجيه الديني وفي تحديد علاقة البحث العقلي بالدين.

والغزالي هو صاحب (تهافت الفلاسفة) ؛ وهو صاحب الرأي:  بثلاثة كف الفلاسفة العدا. . . . . . . . . . . .  وهجومه ضد الفلسفة كان السبب غير المباشر في اختلاف الرأي في جواز الاشتغال بالمنطق - وهو فرع من الفلسفة -  أو عدم جواز الاشتغال به أو الترديد بين الحرمة والجواز: فابن الصلاح والنواوي حرما     وقال قوم ينبغي أن يعلما والمقولة المشهورة الصحيحة       جوازه لكامل القريحة

فمنهاج التعليم العالي في الأزهر وإن فرض تدريس الفلسفة إلا أنها لا تتمتع بقداسة ولا احترام كما يتمتع علم آخر كعلم  الكلام مثلاً

وكما أن مبدأ (قداسة) بعض المواد دون بعض يسود  التعليم في الأزهر، كذلك مبدأ (الكتاب) إذ أن (مدرس  الموضوع) لم يخلق بعد في الأزهر وإن كان في طريق الخلق والتكوين. فالحقائق العلمية في مادة من المواد مصدرها كتاب معين بالذات، والتمكين في الخلافات العلمية ومشاكل البحث  لم يزل إلى كتاب مخصوص. ولعل مبدأ الكتاب فرع من مبدأ  القداسة لأنها إذا منحت لمادة من المواد قد تتعداها لأمر ما،  إلى مؤلف بالذات فيها

وبيئة مثل هذه البيئة التقليدية لا تقبل طبعا بسهولة نتائج  البحث العلمي الحديث لأنها قد ترى فيها مايجرح عاطفة عندها تحرص على صيانتها. وعلى صاحب البحث الجامعي قبل أن يبرزه  إلى الوجود أن يهيىء النفوس له بالتوجيه تارة، وبالنقاش فيما ألفته  وصانته حتى الآن عن النقاش تارة أخرى، وإلا كانت نتيجة  بحثه الجامعي سلبية محضة، وكان شأن هذا الباحث شأن القانون الذي فرض مادة في منهاج الدراسة لم تهيأ لقبولها النفوس بعد  في الإهمال وعدم الاعتبار

وهذه التهيئة كانت - وما تزال - من مهمتنا؛ وهي مهمة  ليست يسيرة. كم كان شاقا ما صادفني من صعاب في العام الماضي  عند عرض فلاسفة المسلمين! فكانت نفوس الطلاب متشوقة  أولا وبالذات إلى سماع الحكم عليهم بالإسلام أو بالكفر. ولم أفلح إلا بعد جهد مضن في إقناعهم بالفصل بين القيم المختلفة،  وفي أن مهمة مؤرخ الفلسفة الحكم على الفيلسوف من ناحية إنتاجه العقلي فحسب

على أن الإنتاج العلمي الجامعي كما هو وليد القدرة على الإنتاج  وكثرة الاطلاع وهضم المقروء وليد الزمن أيضا. وبذا يفترق  عن الإنتاج الصحفي أو الإنتاج المدرسي. ونحن نطمئنك أيها  الصديق برغم عدم هذه التهيئة الكافية في بيئة الأزهر العلمية  لقبول الأبحاث الجامعية، وبرغم هذه الصعاب التي نلقاها  في التوجيه، على أن (بيئتنا العلمية) في نمو، وعلى أن لنا  في جمهرة الطلاب وفي كثير من الشبان المدرسين أعوانا مخلصين،  وعلى (أن لنا أسلوبا خاصا ونقصد في دراستنا وفي إنتاجنا  وفي توجيهنا التعليمي مقصدا خاصا يقوم على حرية البحث،

وقداسة الفكر، والشجاعة في مواجهة مانلقى من عنت)... ونطمئنك أكثر من هذا على أننا قطعنا في إنتاجنا الجامعي  خطوات عديدة. وكل ما نرجوه، حتى يبرز هذا الإنتاج  إلى الوجود، هو توفيق الله.

اشترك في نشرتنا البريدية