تبلغ قيمة إيجار الفدان الواحد أحيانا ١٥ ج في العام حتى بالقري البعيدة عن المدن ؛ ومتوسط الإيجار بمصر يصعب تقديره علي وجه التحقيق . لكنه لا يقل عن ٨ ج سنويا في المتوسط للفدان . قد تتقاضي الجهات الخيرية والجمعيات والحكومة أقل من هذا كثيرًا . ولكن الوسطاء الذين يتعاقدون مع هذه الجهات ، وهم كبار المستأجرين ، يؤجرون لصغارهم بالقيمة التي ذكرت في المتوسط .
لكن القيمة الإيجارية للفدان ، في المتوسط ، طبقًا لتقديرات الحكومة أخيرًا هي نحو ٦ ج للفدان الواحد . وأساس هذا التقدير المعاينة على الطبيعة والمشاورة والمداولة باشتراك رجال من المالية والمساحة والفلاحين ملاكًا ومستأجرين . فالأساس الذي يبنى عليه التقدير سليم في الجملة . وهو لهذا أساس عادل . ومعنى هذا أن صغار المستأجرين ، وعددهم وافر كما تقدم ، يدفعون في المتوسط جنيهين عن كل فدان في العام فوق القيمة الإيجارية الرسمية . وهذا يعني أنه ينتزع من قوتهم ما قيمته أربعة ملايين من الجنيهات في العام . وأقول إن هذا المبلغ ينتزع من أقواتهم لأن الفدان لا يغل في المتوسط ثمانية جنيهات في العام ، فيضطر المساكين إلى الاقتطاع من اقواتهم للوفاء بعقودهم إذا ما أمكن هذا الوفاء . والواقع أنهم يعيشون
دون الكفاف ليحاولوا إبراء ذممهم طبقًا للعقود . وهكذا تجوع الغالبية ولا تقوم بالتزاماتها . هذا هو بعض السر في فقر الفلاح وفي مرضه وفيما يتبع الفقر والمرض من علل . والوسيلة الفعالة لعلاج هذه الحالة القتالة هي جعل القيمة الإيجارية الرسمية حدًا أعلى لا يصح تجاوزه ولو رضي المستأجرون . ذلك لأننا نعلم أن هذا الرضا تدفع إليه الحاجة وهو رضا غير صحيح . وطريق تنفيذ هذا عملا هو وضع تشريع بهذا التحديد . ونحن نعلم أنه ستكون محاولات شتى للتخلص من قيود القانون ، ولكن يجب أن يعمل ترتيب ما لضمان تنفيذ القانون ومحاربة التحايل . ولهذا نظير وهو تحديد حد أعلى لفائدة القروض لمنع الربا الفاحش . فالمرابون يتحايلون على التحلل من قيود القانون ، والقانون مع هذا يرتب ما يقاوم به هذا التحايل . وإذا لم يكن في الاستطاعة منع التحايل منعًا قاطعًا فإنه لابد من أن يؤثر التشريع ، ويكفى أن يعلم المتعامل أن القانون يحميه بعدم سماع الدعوى فيما زاد على الحد الأعلى ليستشعر بعض الحرية . ولا بد مع الزمن أن يفعل القانون فعله . ولا ريب في أن توفير أربعة ملايين من الجنيهات ترفع من مستوى عيش الفلاح . ولا يقاس بهذا المبلغ العظيم ما تستجديه وزارة المعارف تارة ، وما تفرضه على أولياء أمور التلاميذ المرهقين تارة أخرى ، لتجد الغذاء الكافي لتلاميذ المكاتب العامة . ومع أن الفرق عظيم بين هذا المبلغ والمبلغ الضئيل الذي يمكن الحصول عليه بوسائل وزارة المعارف ، فإن الأثر الأدبي أهم ؛ ففي الحل الذي نقترحه لا يشعر الطفل ووليه بشيء من الذلة .

